نكبة فلسطين عام 1948

 


 

قرار تقسيم فلسطين

 

 

بنشوب الحرب العالمية الثانية في صيف 1939 واجهت الإنسانية وضعا خطيرا، فألمانيا النازية التي جسمت أعنف إمبريالية عرفها التاريخ آنذاك دشنت بهجومها الغادر على بولونيا محاولة السيطرة على أوروبا أولاً والعالم ثانياً:

 

وبعد فترة من المناورات سميت "بالحرب الصورية"، حاولت خلالها ألمانيا النازية جر فرنسا وبريطانيا وراءها وإخضاعها لمخططاتها بدون حرب، شنت ألمانيا النازية حربها الصاعقة في أوروبا الغربية واحتلت هولندا وبلجيكا والنرويج وفرنسا وبدأت تدق بغاراتها على أبواب بريطانيا التي احتمت وراء البحور التي تحيط بها لتصد الغزوة.

 

وتسارعت الأحداث وقرر التناقض الإمبريالي من ناحية، ونضال الشعوب والقوى التقدمية ضد النازية من ناحية أخرى، توزيع الدول والشعوب على جبهتي المعركة.

 

وهكذا وقف محور مكافحة الشيوعية الذي تألف من ألمانيا النازية وايطاليا الفاشية واليابان العسكرية والعناصر المغرقة في الرجعية في ناحية والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وبريطانيا والشعوب عامة في ناحية مقابلة.لقد وضعت الحرب، الإنسانية، أمام خيار مصيري، فإما أن تستسلم أمام بطش أعنف إمبريالية وحشية عرفها التاريخ حتى ذلك الوقت، وأما أن تقضي على هذه الكتلة الإمبريالية الشريرة فتخط صفحة جديدة من التاريخ بحيث تفيض بممكنات التطور الإيجابي.

 

لقد أصبحت تلك الحرب الآن جزءا من التاريخ الإنساني ونتائجها الدينامية- بعد هزيمة النازية- تتفاعل مع الأحداث حتى اليوم.

والأمر الهام هنا أن اندلاع الحرب العالمية الثانية أسهم في وقف الطلقات الأخيرة التي حاولت بها الرجعية العربية، المتساوقة مع النازية، الإبقاء على وضع ثوري معاد لبريطانيا في فلسطين.

 

وهذه الحقيقة على غاية من الأهمية فدعاة الصهيونية والمحافل الإمبريالية في دول غربية عديدة قد نسجوا أسطورة وضعية زعموا فيها أن الشعب العربي الفلسطيني ساند النازية في الحرب العالمية الثانية.

 

وقد اعتمدوا في هذا على أسلوب التزييف الرجعي التقليدي القائم على دفع شعب بأسره بصنيع يقوم به نفر من الزعماء.

 

صحيح أن مفتي القدس، الحاج أمين الحسيني انتسب إلى محور النازية وخدم مقاصدها، ولكن الصحيح أيضا أن الشعب العربي الفلسطيني- باعتراف إدارة الانتداب البريطاني- رفض دعوة المفتي للقيام بتمرد واستنكرت صحافته العربية- حتى التقليدية منها- الغارة على تل أبيب التي وقعت آنذاك (تقرير فلسطين للجنة الانجلو- أمريكية 1945-1946 ص60).

 

واقتربت الحرب في يوم من الأيام إلى فلسطين، حين وصلت القوات الألمانية بقيادة روميل إلى "العلمين" كما أحست بعض المدن مثل حيفا بالحرب أيام الغارات الجوية التي تعرضت لها وخاصة حين بدأت القوات البريطانية والفرنسية الحرة احتلال سوريا ولبنان لانتزاعهما من سيطرة حكومة فيشي الفرنسية المتهاودة مع ألمانيا النازية.

 

ولكن لم يكتو شعبا فلسطين العربي واليهودي بنار الحرب، وكانت سنوات الحرب سنوات انتعاش اقتصادي كبير بسبب نفقات القوات المسلحة البريطانية الوفيرة التي عسكرت في البلاد وبسبب حاجات المجهود الحرب المتعاظمة التي فرضت على بريطانيا تعديل سياستها القديمة، التي هدفت إلى الإبقاء على البلاد سوقا لسلعها الصناعية، فمكنت الصناعات المحلية من التطور لسد حاجات البلاد.

 

وكان من الطبيعي أن تستفيد من هذا الوضع على نطاق واسع الصناعية في القطاع اليهودي إذ كانت أكثر تطورا لأنها لم تتعرض إلى القدر ذاته من الضغوط الإمبريالية ومثلت في بعض القطاعات (الأسمنت والزيوت والصابون) تعاونا رأسماليا بين احتكارات بريطانيا ورأسماليين يهود محليين.

 

ولذلك كانت حصيلة التطور الاقتصادي في نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945 ازدياد التفاوت بين القطاعين العربي واليهودي بحيث أصبح القطاع اليهودي يحتل مكان الصدارة في حياة البلاد الاقتصادية وبالتحديد في ميداني المال والصناعة.

 

وحسب تقرير حكومة فلسطين بلغت احتياطات البنوك التي يمتلكها العرب في 1945 9.3 مليون جنيه، في حين بلغت تلك الاحتياطات التي يملكها اليهود 50.3 مليون جنيه .(ص565). أما الأموال المودعة فكانت النسبة 39.3 مليون للعرب و16.7 مليون لليهود. (ص566).

 

وكان التباين عميقا في ميدان الصناعة ففي حين بلغت منشآت العرب 1.558 منشأة (وجلها صغير) برأسمال مليونين من الجنيهات بلغت منشآت اليهود 1907 برأسمال 12 مليون جنيه ... وهكذا الأمر ظهر في حجم الإنتاج فكانت النسبة في ميدانه حوالي 5.6 مليون (يعود للعرب) وحوالي 29 مليون (يعود لليهود) (ص 567).

 

ووطد هذا التطور الاقتصادي الوطن القومي اليهودي في فلسطين وساعد على عملية التحول الكيفي في ماهية الجماهير اليهودية الناجم عن التغييرات الكمية.

ففي نهاية الحرب العالمية، في عام 1945 كان قد بلغ عدد اليهود في فلسطين حوالي 660.000 وتعمقت، إلى حد ما، نتيجة التطورات الاقتصادية والثقافية، عملية تلاحم أبناء الطوائف اليهودية المختلفة الذين وفدوا إلى البلاد، وزاد هذه العملية سرعة ضغوط الحرب العالمية الثانية وسياسة النازية اللاسامية التي خلقت بين اليهود شعورا بالمصير الواحد.

 

في هذه الفترة كان من الممكن رؤية التغيير إلي طرأ على الجماهير اليهودية في فلسطين واتضح أنهم يسيرون في طريق التبلور القومي بحيث جعل في الإمكان القول أن فلسطين تتغير من قطر ذي قومية واحدة، هي القومية العربية وجماهير يهودية حكمها حكم الأقلية، إلى قطر ثنائي القومية يعيش فيه شعبان: العربي واليهودي.

 


 

سياسة القيادة الصهيونية

عند نشوب الحرب كتب حاييم وايزمن إلى نيفل تشمبرلين رئيس وزراء بريطانيا: "نشأت مؤخرا خلافات بين الوكالة اليهودية والدولة المنتدبة في الميدان السياسي ولكننا نرغب في أن تخلي هذه الخلافات مكانها لضرورات الزمن الأكثر الحاحا" (روبرت سانت جون:بن غوريون ص72).

 

وصرح دافيد بن غوريون الذي كان يقترب من القيادة بوصفه زعيم "ماباي" القوة السياسية الكبرى في القطاع اليهودي: "سنحارب الكتاب الأبيض كأن لا حرب هناك، وسنقاتل في الحرب كأن لا وجود للكتاب الأبيض" (المصدر ذاته).

 

وهكذا يمكن تلخيص سياسة القيادة الصهيونية خلال الحرب العالمية الثانية بملمحين جوهريين: مقاومة الكتاب الأبيض عن طريق تجاوز قيوده على الهجرة وانتقال الأراضي من ناحية، وتأييد الجبهة المعادية للنازية بشتى الطرق على اعتبار أن دحر النازية سيخلق ظروفا أفضل لتمارس لصهيونية سياستها من ناحية أخرى.

 

وقد توقع بن غوريون أن تؤدي الحرب إلى قيام الدولة اليهودية فكان يقول: إذا كانت الحرب العالمية الأولى قد جاءت بوعد بلفور فالحرب الثانية ستأتي بالدولة اليهودية" (المصدر ذاته ص 73).

 

وانطلقت القيادة الصهيونية في سياستها من مواقعها الجوهرية القائمة على التعاون مع الدول الإمبريالية التي تتناقض مصالحها مع مصالح ألمانيا النازية وايطاليا الفاشية واليابان العسكرية.

 

وتعميق التمايز داخل القيادة الصهيونية إزاء الدول الإمبريالية في الجبهة المعادية للنازية خلال سنوات الحرب ورجحت شيئا كفة القوى الموالية للإمبريالية الأمريكية.

 

وقد انتبه إلى هذه الحقيقة روبرت سانت جون حين كتب يصف تفكير بن غوريون: "لقد رأي حتى في حالة كسب الحلفاء الحرب أن بريطانيا ستهبط بوصفها دولة كبرى وستندفع الولايات المتحدة إلى موقع قيادة العالم" (كتابة بنو غوريون ص82).

 

ومن العوامل التي أسرعت في عملية التحول إلى الإمبريالية الأمريكية ازدياد نفوذ الطائفة اليهودية الأمريكية بوصفها أضخم وأغنى طائفة في الحركة الصهيونية، خصوصا وأن الطوائف اليهودية في أوروبا تدهورت وكانت الكارثة النازية تعمل على تصفيتها ببربرية لا مثيل لها في التاريخ.

 

وجسم هذا الانتقال من الاعتماد على الإمبريالية البريطانية إلى الاعتماد على الإمبريالية الأمريكية المؤتمر الطارئ الذي عقدته "لجنة الطوارئ الأمريكية للشؤون الصهيونية" في فندق بيلتمور في نيويورك في أيار (مايو) 1942 وصادقت فيه على برنامج بيلتمور في نيويورك في أيار 1942 "برسالة أمل وتشجيع إلى اليهود في الغيتوات ومعسكرات الاعتقال الهتلرية"، ويحيي الوكالة اليهودية واللجنة القومية في فلسطين على إنجازات الوطن القومي اليهودي... ويسجل تحويل الصحاري إلى جنات يانعات ‍‍!! ويدعو- وهذا كان بيت القصيد- إلى تنفيذ هدف وعد بلفور الأصلي وهو "اعترافاً بالعلاقات التاريخية بين الشعب اليهودي وفلسطين تقرر تمكين اليهود كما أعلن ذلك الرئيس ويلسون من إقامة دولة يهودية فيها".

 

وطالب القرار- بعد أن رفض الكتاب الأبيض ودعا إلى إلغائه- بفتح أبواب فلسطين أمام الهجرة، وتخويل الوكالة اليهودية صلاحية ترتيب الهجرة والاستيطان، كما طالب بتأليف قوة يهودية عسكرية تحارب تحت علمها. (مجموعة الوثائق التي جمعها ولتر لاكير – ص87).

 

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1942 أقر المجلس الصهيوني الضيق، برنامج بيلتمور كما أقرته الوكالة اليهودية وأكثرية الأحزاب في فلسطين بما فيها الحزب الإصلاحي.

لقد دخلت المنظمة الصهيونية- بعد فترة من الحذر- المعركة الجوهرية تحت شعارها الأصيل- شعار الدولة اليهودية.

وحظيت المنظمة الصهيونية بتأييد متعاظم في الولايات المتحدة ونشط الشيوخ والنواب في الكونغرس الأمريكي من أجل إقرار برنامج بيلتمور الداعي إلى إقامة الدولة اليهودية في فلسطين.

 

وما أن جاء عام 1944 حتى قدم عدد كبير من الشيوخ والنواب إلى الكونغرس الأمريكي مشروع قرار يدعو إلى هجرة غير محدودة إلى فلسطين وإلى إقامة الدولة اليهودية.

 

وفي معركة انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة في خريف 1944 نشر الشيخ وغنر نص رسالة كتبها الرئيس الأمريكي روزفلت وأعلن فيها تأييده "فتح أبواب فلسطين لهجرة يهودية غير محدودة واستيطان كولونيالي يؤدي إلى إقامة دولة يهودية ديمقراطية وحرة في فلسطين" (تقرير فلسطين المجلد 1-ص70).

وأدى هذا الانتقال من التعاون مع الإمبريالية البريطانية إلى الاعتماد على الإمبريالية الأمريكية إلى انتقال القيادة من أيدي حاييم وايزمن على أيدي بن غوريون .

 

وفي هذا الصدد كتب جميس واربورغ أن المصادقة على برنامج بيلتمور وضع بن غوريون في مكان القيادة بدلا من وايزمن (كتابة تيارات متصلبة في الشرق الأوسط ص110) وشدد الشقة بين الوكالة اليهودية وبريطانيا (المصدر ذاته ص111).

 

وتوافق هذا كله مع تغيير في سياسة الولايات المتحدة، التي كانت من قبل هذه الفترة تعتبر الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط من مسؤولية بريطانيا ولكنها في الحرب العالمية الثانية بدأت تهتم بالشرق الأوسط وتنتهج سياسة مزدوجة فالرئيس روزفلت صرح أمام الصهيونيين أنه يشاركهم في هدفهم إقامة الدولة اليهودية وفي الوقت ذاته وعد ابن سعود ملك السعودية بأن لا يقوم بأي إجراء يضر بالقضية العربية. (المصدر ذاته ص121).

 

ولكن حين نقرر أن سياسة القيادة الصهيونية اتسمت بملمحين: تجاوز الكتاب الأبيض وخاصة قيوده على الهجرة اليهودية إلى فلسطين أولاً، وتأييد الحلفاء في محاربة النازية ثانياً، فلا بدلنا من أن نؤكد أن العنصر المقرر كان تجاوز الكتاب الأبيض أو على الأصح تنفيذ المخطط الصهيوني كما فهمته القيادة آنذاك.

ولهذا حين ذاعت أنباء جرائم النازية المروعة في تصفية اليهود في معسكرات الاعتقال لم تعمل القيادة الصهيونية على مجرد إنقاذ اليهود من الكارثة التي كانت تنتظرهم بل ركزت جهودها جوهريا على تهجير اليهود إلى فلسطين بغض النظر عن العواقب المخيفة في بعض الأحيان.

 

ولو كانت القيادة الصهيونية تهتم بإنقاذ اليهود عامة لاستطاعت إنقاذ مئات الألوف.

وفي هذا الصدد أعلن أ. ليفنه في ندوة طاولة مستديرة عقدتها "معاريف"(ونشرت وقائعها بين 10-24 نيسان (أبريل) 1966) . لو كان الهدف إنقاذ اليهود لمجرد الإنقاذ لا تهجيرهم إلى فلسطين، ولو كرست المنظمات الصهيونية المسلحة جهودها لهذه الغاية لأنقذت مليونا من اليهود.

 

وكان غرق 240 مهاجرا غير شرعي في ميناء حيفا نتيجة نسف السفينة "بتريا" في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 1940 إحدى الأدلة على مدى استهتار القيادة الصهيونية بأرواح اليهود في سعيها نحو أغراضها فالوكالة اليهودية- كما يجمع الكتاب الآن- هي التي نظمت الانفجار في الباخرة لمنع سفرها مع المهاجرين غير الشرعيين إلى موريتوس وبذلك سببت هذه المأساة (1).

 

ويحمل جيمس واربورغ الوكالة اليهودية قسطا من المسؤولية عن غرق السفينة (ستروما) في البحر الأسود وهي تحمل 769 مهاجرا يهوديا، لم ينج منهم غير واحد وكتب أن السفينة ستروما غرقت بعد شهرين من الجدال بين الحكومة البريطانية والوكالة اليهودية.

 

وأضاف: "ولو كانت الاعتبارات الإنسانية هي التي حركت الوكالة اليهودية لاقترحت السماح للسفينة بالإبحار إلى حيفا بينما ناقشت (السلطات البريطانية) حول حق اللاجئين في النزول في فلسطين". أما بريطانيا فكانت تريد أن ترسل "ستروما" إلى حيفا ومن هناك إلى ماريتوس.(كتابة تيارات متصلبة في الشرق الأوسط ص108).

 

وتكثفت هذه الحقائق أثناء المحكمة التي دارت حول الزعيم الصهيوني ر.كاستنر- في القدس عام 1952. فحسب قرار المحكمة تعاون كاستنر وكان يرأس لجنة إنقاذ اليهود في هنغاريا زمن الحرب العالمية الثانية مع السفاح النازي ايخمان من أجل إنقاذ حوالي ألف من الصهيونيين وأنصارهم من أغنياء اليهود وبذلك سكت عن عملية تصفية ربع مليون يهودي هنغاري أرسلوا ليلقوا حتفهم في معسكرات الإبادة.

أن التأكيد على الهجرة وتنظيم هجرة غير مشروعة إلى فلسطين كان جزءا لا يتجزأ من التخطيط الصهيوني الهادف إلى تجميع أكبر عدد ممكن من اليهود- والمحاربين خاصة- في فلسطين حتى تحين ساعة الحسم العسكري.

 

ولهذا أيضا رفعت القيادة الصهيونية في وقت مبكر من الحرب العالمية الثانية، في عام 1940، شعار تنظيم الفرقة اليهودية في الجيش البريطاني ورفضت أن تتألف وحدات عسكرية من اليهود والعرب في إطار جيوش الحلفاء (تقرير فلسطين – مجلد1 ص57).

لقد كانت تريد تدريب أكبر عدد ممكن من المحاربين اليهود بشكل منظم وموحد ليعملوا في الهجاناه- القوات الصهيونية المسلحة.

 

وكتب في هذا الصدد ولتر بريوس في شيء من الصراحة "كون عدد كبير من الجنود اليهود خدموا في الجيش البريطاني وشاركوا في معاركة وبذلك تدربوا عسكريا لم يكن بدون أثر على التطورات في السنوات التي سبقت قيام الدولة" (حركة العمال في إسرائيل ص 132).

وتراوح عدد الجنود اليهود الذين تدربوا في الجيش البريطاني بين 30-40 ألف جندي يضاف إليهم أولئك الذين كانوا يتدربون في البلاد بعلم السلطات البريطانية، أو يعملون في أجهزة الأمن في البلاد.

 

وهذا يعني أن الصهيونية عندما دقت ساعة الحسم استطاعت أن تعتمد على عشرات الآلاف من الجنود المدربين.

وفي الوقت ذاته كان يجري تهريب السلاح على قدم وساق كما بدأت الهاجاناه في بناء منشآت سرية لصنع السلاح الممكن صنعه في تلك الظروف.

وفي هذه الفترة بالذات استخدام البريطانيون رجال الهجاناة لأغراض خاصة في أوروبا والشرق الأوسط. ومن هذه الأغراض محاولة اغتيال مفتي القدس في بغداد (جيمس واربورغ في كتابة تيارات متصلبة في الشرق الأوسط ص 105) ونسف مصفاة البترول في طرابلس في لبنان والاستكشاف عند احتلال سوريا ولبنان (2).

 

ويحتل مكانا خاصة في الجهاز الحربي السياسي دور المنظمات الصهيونية في إقامة شبكات تجسس في الأقطار العربية في خدمة الدول الأمبريالية وفي هذا الصدد كتب مؤرخ الهجاناه، في يوم من الأيام، الدكتور إسرائيل بير: "من 1941 وبعده استخدمت دائرة المخابرات البريطانية، ودائرة المخابرات الأمريكية ودائرة الحلفاء الاستراتيجية أعداداً متزايدة من اليهود الفلسطينيين" (مجلة فلسطين والشرق الأوسط 7/8/1946 المجلد 18).

 

وأضاف ليؤكد أهمية هذه الخدمة: "أن الكولونيل الأمريكي هيملر من دائرة الاستخبارات الأمريكية قال: حتى لو لم يقم اليهود بغير ذلك (أي الخدمة في دوائر الاستخبارات) حتى لو لم يكن لهم ادعاء آخر، فخدمتهم الأمنية كسبت لهم حق أن يكونوا أمة حرة في بلادهم " المصدر ذاته ص160).

 

لقد أسهمت القيادة الصهيونية بالحرب العالمية الثانية ولكنها كانت إلى جانب خدمتها للدول الإمبريالية تنظر إلى مصالحها العينية وتعد للمعركة القادمة.

ولم تمنع المشاركة في الحرب ضد النازية من قيام المنظمات المسلحة اليمينية في الحركة الصهيونية بأعمال تخريب وإرهاب بغية الضغط على الحكومة البريطانية لتفتح أبواب فلسطين أمام الهجرة وتلغي الكتاب الأبيض.

 


 

سياسة الحركة القومية العربية

لقد خلفت ثورة 1936 والأحداث التي تلتها، الحركة القومية العربية بدون قيادتها التقليدية التي شردتها الحكومة البريطانية أو التي غادرت البلاد هربا من الاعتقال والقمع.

 

وانقسمت هذه القيادة، فذهب نفر منها، وعلى رأسهم المفتي، إلى برلين النازية، واعتقلت السلطات آخرين، مثل جمال الحسيني وأمين التميمي، وأبعدتهم إلى روديسيا، وتهاود نفر آخر مع الإمبريالية البريطانية وعادوا إلى البلاد.

 

وكان الملمح البارز في هذه الفترة أن الحركة القومية العربية كانت هامدة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية.

ومع هذا جرت محاولات بريطانيا للاتصال بالقيادة العربية التقليدية والاتفاق معها على حل للقضية الفلسطينية.

 

وذكر في هذا الصدد محمد عزة دروزة في كتابة حول الحركة العربية الحديثة أن الكولونيل نيمو كمب البريطاني اتصل في عام 1940 بوزير الخارجية العراقي وعن طريقة بجمال الحسيني وموسى العلمي "وتم الاتفاق خطيا على التعاون في خطة إيجابية على أساس الكتاب الأبيض" على أساس البدء في المرحلة الأولى بإيجاد "مجلس مديرين ثم يسار في المراحل الأخرى على ما جاء ذلك في محاضر مشاورات الوحدة" (المجلد الثالث ص 249).

 

ولكن إذا كانت القيادة العربية التقليدية قد اتخذت موقفا سلبيا من الحرب المعادية للنازية فقد ظهرت علنا على المسرح السياسي لأول مرة في القطاع العربي حركة شيوعية تحت اسم: عصبة التحرر الوطني، وبدأت تعمل تحت شعارات: تأييد الحرب ضد النازية من ناحية والمطالبة بالحريات الديمقراطية وبالحقوق القومية من ناحية ثانية، وكان برنامجها الجوهري: الاستقلال وإنشاء دولة فلسطينية ديمقراطية.

 

حرك نشاط عصبة التحرر الوطني قيادة الحركة القومية التقليدية، وهكذا فما أن جاء عام 1943 حتى كانت بعض الأحزاب القديمة قد نشطت من جديد.

كذلك ظهرت فكرة إقامة لجان قومية في المدن الرئيسية ولكنها في هذه الفترة المبكرة لم تتعد حيفا.

 

وتحاول المصادر الصهيونية والمحافل الغربية التي تؤيدها عند كتابتها التاريخ تصوير العرب الفلسطينيين وكأنهم أنصار المفتي والنازية، ولكن الوقائع تختلف تماما، وتقرير فلسطين (الذي وضعته بريطانيا) يقرر أن مكانة أنصار المفتي هبطت بين الشعب العربي الفلسطيني بعد فشل ما عرف بثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق في أيار (مايو) 1941 وأصيبت هذه المكانة بنكسة أشد حين فر المفتي، الحاج أمين الحسيني، إلى أقطار محور النازية. (المجلد الأول ص 62).

 

وانعكس النشاط الاقتصادي الواسع النطاق في المجتمع العربي الفلسطيني في ميدانين: ميدان العمال وميدان البرجوازية العربية، فقد اتسعت صفوف الطبقة العاملة العربية اتساعا لا مثيل له بدخول عشرات ألوف العمال العرب إلى معسكرات الجيش البريطاني للعمل في منشآتها، كما دخل بضعة ألوف أخرى المنشآت العربية التي نمت في ظروف الحرب العالمية الثانية. وأثر هذا التطور في نهوض الحركة النقابية العربية فقام اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب في حيفا من نقابات عمال النفط وغيرها واستأنفت جمعية العمال العربية الفلسطينية عملها بعد الركود الذي أصابها بفعل القمع البريطاني عام 1936.

كذلك انتعشت الصناعة العربية بعد أزمة الإضراب العام وثورة 1936 وبدأت توطد مواقعها القديمة وتنشئ مواقع جديدة.

 

وكان لا بد من أن يؤثر هذا الوضع في الحركة القومية العربية ويغير شيئا من طابعها خصوصا وأن العمال بدأوا يمارسون نفوذهم في هذه الحركة من مواقع اليسار والوسط.

 

ونضجت نتيجة هذا كله فكرة تنظيم حزب برجوازي عصري يتبنى برنامجا ديمقراطيا ويستطيع أن يواجه تحديات عالم ما بعد الحرب. وفعلا تنظم هذا الحزب سرا وعرف باسم حزب الشعب وضم في صفوفه البرجوازية وأبناء البرجوازية الصغيرة من أصحاب المهن الحرة وقادة الحركة النقابية الإصلاحية (في جمعية العمال العربية الفلسطينية).

 

ولكن هذا الحزب لم يمارس نفوذه عمليا لأن صراعا داخليا بين يمينه ويساره عرقل ظهوره خصوصا وأن بعض قادته ترددوا في مواجهة زمرة المفتي التي كانت تحاول اللجوء إلى الاغتيال لوقف تنظيم القوى السياسية خارج إطارها.

ولم يكن من الممكن أن تبقى فلسطين في عزلة عن أحداث المشرق العربي ومن أبرزها إعلان استقلال سوريا ولبنان بعد دخول القوات الحليفة هذين القطرين وتقدم فكرة الوحدة العربية وحركتها لتحتل مكان الصدارة.

 

وحاولت بريطانيا ركوب الموجة خوفا من أن يسبقها إليها النازيون ولذلك صرح وزير الخارجية البريطاني عند نهاية ثورة رشيد عالي الكيلاني أن حكومته تعطف على أماني سوريا في الاستقلال وستؤيد مساعي الدول العربية في سبيل تقوية روابطها الثقافية والاقتصادية والسياسية.

وفي هذه الظروف خطط الموالون للإمبريالية البريطانية مشروعا لحل القضية الفلسطينية في إطار خططهم لإقامة شكل من أشكال الوحدة العربية.

وعرف المشروع بالكتاب الأزرق وارتبط باسم نوري السعيد وكان موضع بحث في لندن والقاهرة في أوائل عام 1943.

 

ونص المشروع الذي كان شكلا من أشكال مشروعات الهلال الخصيب على أن تتوحد سوريا وفلسطين ولبنان وشرق الأردن من جديد في دولة واحدة ويقرر الأهالي فيها شكل الحكم أجمهوريا أو ملكيا، وتنشأ على الأثر جامعة عربية تنضم إليها العراق وسوريا الموحدة مباشرة وتستطيع أن تنضم إليها الدول العربية الأخرى متى شاءت.

 

ونص المشروع أيضا على أن يكون مجلس الجامعة العربية مسؤولا عن الدفاع والشؤون الخارجية والنقد والمواصلات والجمارك وحماية الأقليات، وعلي أن يتمتع اليهود في فلسطين بحكم ذاتي ويكون لهم الحق في إدارة أقاليمهم في المدن والريف بما فيها المدارس والمؤسسات الصحية والبوليس مع الخضوع لإشراف الدولة السورية الموحد.

 

وأكد المشروع على أن تكون القدس مفتوحة أمام المنتسبين إلى كافة الأديان. كذلك قرر أن موارنة لبنان يستطيعون إذا أرادوا أن يتمتعوا بنظام حكم ذاتي مثل الذي ساد في أواخر الحكم العثماني . (الوحدة العربية- أحمد طربين- ص 263-264).

ورفضت القوى الوطنية المعادية للإمبريالية

 

 


 

 

نص قرار التقسيم

 

 

نص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بالموافقة على مشروع تقسيم فلسطين بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947

 

"أن الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، بعد أن عقدت دورة خاصة بناء على طلب الدولة المنتدبة- بريطانيا- للبحث في تشكيل وتحديد صلاحية لجنة خاصة يعهد إليها بتحضير اقتراح للنظر في مسالة حكومة فلسطين المستقلة في دورتها الثانية.

 

وبعد أن شكلت لجنة خاصة أناطت بها مهمة إجراء تحقيق حول جميع المسائل المتعلقة بمشكلة فلسطين وتحضير مقترحات بغية حل هذه المشكلة.

 

وبعد أن تلقت وبحثت تقرير اللجنة الخاصة "مستند رقم 364/أ" الذي يتضمن توصيات عدة قدمتها اللجنة بعد الموافقة عليها بالإجماع، ومشروع تقسيم اتحاد اقتصادي وافقت عليه أغلبية اللجنة، تعتبر أن الحالة الحاضرة في فلسطين من شانها إيقاع الضرر بالمصلحة العامة والعلاقات الودية بين الأمم.

 

وتحيط علماً بتصريح الدولة المنتدبة الذي أعلنت بموجبه أنها تنوي الجلاء عن فلسطين في أول آب (أغسطس) سنة 1948.

 

وتوصي المملكة المتحدة، بصفتها الدولة المنتدبة على فلسطين وجميع أعضاء الأمم المتحدة بالموافقة وبتنفيذ مشروع التقسيم مع الاتحاد الاقتصادي لحكومة فلسطين على الصورة المبينة أدناه، وتطلب:

 

أ‌- أن يتخذ مجلس الأمن التدابير الضرورية المنوه عنها في المشروع لتنفيذه.

 

ب-أن يقرر مجلس الأمن إذا أوجبت الظروف ذلك أثناء المرحلة الانتقالية ما إذا كانت الحالة في فلسطين تشكل تهديدا للسلم. فان قرر مجلس الأمن أن مثل هذا التهديد قائم بالفعل فيجب عليه المحافظة على السلم والأمن الدوليين أن ينفذ تفويض الجمعية العامة وذلك باتخاذ التدابير وفقا للمادتين 39 و41 من الميثاق، لتخويل لجنة الأمم المتحدة سلطة في أن تمارس في فلسطين الأعمال التي يلقيها هذا القرار على عاتقها.

 

ج- أن يعتبر مجلس الأمن كل محاولة ترمي إلى تغيير التسوية التي يهدف إليها هذا القرار بالقوة تهديدا للسلم أو قطعا أو خرقا له أو عملا عدوانيا بموجب نص المادة 39 من الميثاق.

 

د- أن يبلغ مجلس الوصاية بالمسؤولية المترتبة عليه بموجب هذا المشروع.

 

وتدعو الجمعية العامة سكان فلسطين إلى اتخاذ جميع التدابيرالتي قد تكون ضرورية من ناحيتهم لوضع هذا المشروع موضع التنفيذ، وتناشد جميع الحكومات والشعوب الامتناع عن كل عمل قد يعرقل أو يؤخر تنفيذ هذه التوصيات.

 

وتأذن للامين العام أن يسدد نفقات سفر ومعيشة أعضاء اللجنة المشار إليها في القسم الأول الجزء "ب" الفقرة الأولى أدناه على الأساس والشكل اللذين يراهما مناسبين، وفقا للظروف، وان يزود اللجنة بما يلزم من موظفين ومستخدمين لمساعدتها في المهام التي ألقتها الجمعية العامة على عاتقها.

 

أن الجمعية العامة تفوض الأمين العام أن يسحب من صندوق المال المتداول مبلغاً لا يزيد على مليوني دولار للغايات المبينة في الفقرة الأخيرة من قرار مستقبل حكومة فلسطين.

 

(الاجتماع الثامن والعشرين بعد المائة) في  29 نوفمبر سنة 1947

وفي اجتماعها الثامن والعشرين بعد المائة بتاريخ 29 نوفمبر سنة 1947 انتخبت الجمعية العامة وفق أحكام القرار المذكور أعلاه الأعضاء الآتية أسما.

 

التصويت على القرار:

وافقت على القرار 33 دولة هي الآتية:

(استراليا وبلجيكا وبوليفيا وبيلوروسيا وكندا وكوستاريكا وتشيكوسلوفاكيا والدانمارك وجمهورية الدومينيكان وايكوادور وفرنسا وغواتيمالا وهاييتي وايسلندا ولبيبريا ولوكسمبرغ وهولندا ونيوزليندا ونيكاراغوا والنرويج وبنما وباراغواي وبيرو والفلبين وبولندا والسويد واوكرانيا وجنوب افريقيا والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية واوروغواي وفنزويلا).

 

وصوت ضد القرار 13 دولة هي:

(أفغانستان وكوبا ومصر واليونان والهند وإيران والعراق ولبنان وباكستان والمملكة العربية السعودية وسورية وتركيا واليمن).

 

وامتنعت عن التصويت 10 دول هي:

(الأرجنتين وتشيلي والصين وكولومبيا والسلفادور والحبشة وهندوراس والمكسيك والمملكة المتحدة ويوغسلافيا).

 

وحين أعلنت النتيجة هب مندوبوا العرب يعلنون بطلان القرار لمخالفته ميثاق الأمم المتحدة. وانسحبوا من الاجتماع ليعلنوا في بيان جماعي رفضهم القرار واستنكارهم إياه وتنديدهم بالضغط والتهديد اللذين بذلاه لأخذه.

 

وقال ممثل باكستان في القاعة يخاطب المتآمرين على تقسيم فلسطين :" ولا تنسوا أنكم بحاجة إلى حلفاء وأصدقاء الشرق الأوسط وأنكم تقامرون برأس مالكم في تلك البلاد، ما هي غايتكم من إنشاء الدولة اليهودية؟  إذا كان الدافع إنسانياً، فلماذا تقفلون حدودكم أمام اليهود الذين لا ملجأ لهم؟ لماذا تريدون أن تسكنوهم في فلسطين وتساعدوهم على إقامة دولة لهم ليشردوا مليون عربي......" وندد بشدة بقرار الأمم المتحدة التي تهب ما لا تملك لأقلية دخيلة، مخالفة بذلك ميثاقها ومبادئ العدل والحق.

 

المصدر:

وثائق فلسطين، دائرة الثقافة، منظمة التحرير الفلسطينية، 1987.

 


 

 

ردود الأفعال العربية والدولية حيال قرار التقسيم

 

 

بعد صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 بتاريخ 29/ نوفمبر عام 1947 الذي يقضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين (دولة عربية ودولة يهودية ) ظهرت العديد من ردود الأفعال والمواقف تجاه هذا القرار كان أهمها :

1- رد الفعل الفلسطيني

2 - رد الفعل العربي.

3- رد الفعل اليهودي.

4- رد الفعل البريطاني.

 

وفيما يلي بيان تفصيلي لهذه الردود

 

1. رد الفعل الفلسطيني

 

- لقد كان لهذا القرار بالغ الأثر على الفلسطينيين، فبين عشية وضحاها فقد الفلسطينيين جزءا كبيرا من وطنهم نتيجة لهذا القرار ليمنحه إلى مهاجرين يهود جاءوا من أنحاء المعمورة لا تربطهم بفلسطين أي رابطة،  " لقد كان وقع نبأ موافقة الأمم المتحدة على قرار التقسيم،  أشبه بوقع القنبلة على الفلسطينيين الذين باتوا اشد غضبا وتصميما على رفض هذا القرار ومقاومته، والعمل على إلغاءه" (1) ،  وتحول هذا الغضب والرفض من قبل الفلسطينيين لقرار التقسيم إلى خطوات عملية،  كانت بداياتها التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني ( نوفمبر) عام 1947  ولتتواصل حتى العام 1948 وما شهدته من أحداث خطيرة ومن ابرز هذه الخطوات : 

- "عمت الإضرابات والمظاهرات أرجاء فلسطين وخاصة مدينة القدس ويافا وحيفا وسقط مئات الشهداء والجرحى.

 

- تم الإعلان عن الجهاد طريقاً للتحرير،  وبدأت الثورة بالعمل على السيطرة على الطرق الرئيسية ونسف وتدمير مقر الوكالة اليهودية في القدس ونشبت معارك اشهرها معركة "القسطل".(2)

 

- "وأخذ أبناء فلسطين يبحثون عن السلاح في كل مكان وكانوا يقبلون بأي نوع من أنواع السلاح يتوفر لديهم حتى اضطروا إلى شراء السلاح القديم  وما خلفته الحرب العالمية الثانية وسرعان ما تم تنظيم المجاهدين وأسست فرقة الفدائيين وفرقة التدمير وأنشئت جماعات الإسعاف وحاميات للأمن العام والمدن والقرى وفرقة القناصة والمغاوير" (3).  

1-عزت طنوس ، الفلسطينيون ماض مجيد ومستقبل باهر، الجزء الأول ، مركز الأبحاث ، منظمة التحرير الفلسطينية ، الطبعة الأولى ،1982، صفحة 353-354 .

2-زكريا إبراهيم، مشاريع تسوية قضية فلسطين من عام (1920) حني نهاية (1991) ؛ صفحه 41 .

3 –صالح مسعود أبو يصير؛ جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن. دار السادر للنشر والتوزيع؛ الطبعة العربية ألثالثه 1988 صفحه 324 .

 


 

2. رد الفعل العربي:

 

أ-رد الفعل العربي الرسمي:

 

جاء الموقف العربي الرسمي والشعبي رافضا لقرار التقسيم، " فبينما كانت المظاهرات الصاخبة تجوب شوارع القاهرة المقر الرئيسي لجامعة الدول العربية، نشطت التحركات السياسية في أروقة الجامعة العربية،  حيث عقدت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية اجتماعات في الفترة مابين (8ـ17 كانون الأول/ ديسمبر 1947) حضرها رؤساء الوزارات،  وقررت العمل لإحباط مشروع التقسيم،  والحيلولة دون قيام دولة يهودية في فلسطين،  وقد أذاع رؤساء الوزارات المجتمعون بياناً نددوا فيه بقرار الأمم المتحدة التي أوصت بتقسيم فلسطين،  وإقامة دولة يهودية فيها، وإهدار حق كل شعب في تقرير مصيره، و كان ضمن ما جاء في البيان ما يلي: "وهي قد رسمت للتقسيم حدوداً تجعله غير قابل للتنفيذ وتجعله مصدر الاضطرابات والفتنة فأدخلت فيما أسمته بالدولة اليهودية أجود أراضي العرب وأوسعها رقعة وأكبر موارد الثروة الاقتصادية، ووضعت نصف مليون من العرب مسيحيين و مسلمين تحت نير الصهيونيين وسيف إرهابهم،  وهم أنفسهم لا يجاوزون عدد العرب الذين وضعهم تحت سلطان الصهيونية الدخيلة وذلك بعد أن نزعت الدولة المنتدبة من العرب سلاحهم ومكنت الصهيونية من رقابهم.

 

وأن حكومات دول الجامعة العربية تقف صفاً واحداً إلى جانب شعوبها في نضالها لتدفع الظلم عن إخوانهم العرب،  وتمكينهم من الدفاع عن أنفسهم ولتحقيق استقلال فلسطين.

 

وقد قرر رؤساء وممثلو هذه الحكومات في اجتماعهم بالقاهرة أن التقسيم باطل من أساسه،  وقرروا كذلك عملاً بإرادة شعوبهم أن يتخذوا من التدابير الحاسمة ما هو كفيل بعون الله بإحباط مشروع التقسيم الظالم ونصرة حق العرب".

 

وقررت اللجنة السياسية تقديم أسلحة وتوزيعها على أهل فلسطين حالاً خصوصاً من كان منهم أكثر عرضة للخطر، واعتماد الأموال اللازمة للإنفاق على حركة المتطوعين وعلى وسائل الدفاع وإجراء التسهيلات لإرسال المتطوعين إلى معسكر قطنا في سورية للتدريب" (1).

-فلسطين تاريخها و قضيتها؛مؤسسة الدراسات الفلسطينية . صفحه 108-109 .

 

-"كما أنهم قرروا توزيع القوات المحاربة إلى قسمين هما:

1- جيش الإنقاذ، الذي كلف بإنشائه الفريق طه الهاشمي واللواء إسماعيل صفوت والقائد فوزي القاوقجي،   و يتكون من الضباط والجنود المتطوعين من البلاد العربية الذين يتدربون في معسكرات قطنا في سورية تحت إشراف اللجنة العسكرية.

 

2- جيش المجاهدين الفلسطينيين،  الذي يعمل داخل فلسطين وتشرف عليه الهيئة العربية العليا،  وقد سمي فيما بعد "قوات الجهاد المقدس" بقيادة عبد القادر الحسيني.

 وتجدر الإشارة إلى أن اجتماع ألقاهره سبقه اجتماع اخر في السابع من تشرين الأول عام 1947 في عالية بلبنان وذلك لمناقشة قرار لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين حيث نتج عن هذا الاجتماع موافقة مجلس الجامعة على تقرير الخبراء العسكريين بوضع عرب فلسطين في وضع مماثل لليهود من حيث تسليحهم وتدريبهم وتحصين مدنهم وقراهم وجعلهم الأساس في الدفاع عن بلادهم لأنهم أعرف بمواقعها وطرق مسالكها كما قرر أن ترابط الجيوش النظامية للدول العربية على حدود فلسطين دون دخولها لتقوية الفلسطينيين ولمساعدة المجاهدين عند الضرورة بالعتاد والضباط وبعض الوحدات الفنية".

 

وتقرر في هذا الاجتماع أن يكون نصيب كل دولة عربية في تمويل الأعمال العسكرية كما يلي: مصر 42%، سوريا ولبنان 23%، السعودية 20%، العراق 15%.

 

- ولقد قامت اللجنة العسكرية التابعة للجامعة بتقسيم فلسطين إلى أربع قيادات عسكرية مستقلة على النحو التالي:

1. اللواء الشمالي، ويمتد من الحدود السورية اللبنانية ويشمل جبهة: الناصرة وجنين ونابلس وطولكم وجلجولية وعكا ، وعهدت بقيادتها إلى فوزي القاوقجي.

 

2. القدس ـ رام الله ـ أريحا ـ الخليل ـ وعهدت بقيادتها إلى عبد القادر الحسيني.

 

3. منطقة اللد والرملة ويافا وقراها وعهدت بقيادتها إلى حسن سلامة.

 

4. منطقة غزة والجنوب بقيادة طارق الأفريقي.

 

- وعينت لمدينة يافا قيادة خاصة سلمت إلى المقدم العراقي عادل نجم الدين، وكذلك حيفا كانت قيادتها مستقلة عهد بها إلى الملازم الأول الأردني محمد الحنيطي".(1)

 

1- احمد طربين ،فلسطين في عهد الانتداب البريطاني. الموسوعة الفلسطينية، المجلد الثاني ،الدراسات التاريخية ،الطبعة الأولي بيروت 1990 صفحه 1087 .

 

 جيش الإنقاذ

 

"جيش الإنقاذ هو الجيش الذي شكلته الجامعة العربية تلبية لقرارها بضرورة التدخل العسكري لمنع التقسيم وإعلان فلسطين دولة عربية مستقلة".(1)

"تألف هذا الجيش من ثماني كتائب وهي:

1. كتيبة اليرموك الأولى بقيادة محمد صفا من سوريا.

2. كتيبة اليرموك الثانية بقيادة أديب الشيشكلي من سوريا.

3. كتيبة اليرموك الثالثة بقيادة عبد الحميد الراوي من العراق.

4. كتيبة القادسية بقيادة هادي صالح العاني من العراق.

5. كتيبة حطين بقيادة مدلول عباس من العراق.

6. كتيبة أجنا دين بقيادة ميشيل العيس من فلسطين.

7. كتيبة العراق بقيادة عادل نجم الدين من العراق.

8. كتيبة الدروز بقيادة شكيب عبد الوهاب من سوريا ".(2)

- "ضمت هذه القوات حوالي (7700) متطوع، (2500) منهم من داخل فلسطين والباقي من متطوعى البلاد العربية والإسلامية.

- نال المتطوعون قسطاً من تدريباتهم في معسكرات قطنا في سورية وعينت الجامعة العربية فوزي القاوقجي قائداً لهذا الجيش".(3)

- "بدأ تدريب هذا الجيش في أول يناير 1948" (4).

 

1-مصطفي الطحان، فلسطين و المؤامرة الكبرى. المركز العالمي للكتاب الإسلامي،الطبعة الأولي 1994 ،صفحه 257.

2-عزت طنوس ،المرجع السابق . صفحه 362.

3-مصطفي الطحان، فلسطين والمؤامرة الكبرى. المركز العالمي للكتاب الإسلامي، الطبعة الأولي 1994 صفحه257.

4-عزت طنوس ، المرجع السابق.صفحه 362.

 

- "في نهاية مارس 1948 قدم قائد جيش الإنقاذ تقرير إلى جامعة الدول العربية عن حالة قواته فقال :" إن مستوى تدريب المتطوعين هو أدنى من المتوسط وقدرتهم القتالية منخفضة ويرجع هذا إلى قلة عدد الضباط وضعف النظام العسكري ونوعية السلاح الرديء".

 

- أقام القاوقجي مقر قيادته في قرية جبع على سفوح حوريش بين نابلس وجنين ووجه فور تسلمه مهمته بياناً جاء فيه :" جئنا إليكم بقلب واحد وهدف واحد وهو إلغاء قرار التقسيم وتدمير الصهيونية وافتداء عروبة فلسطين".

 

- كان جيش الإنقاذ مثار جدل بين اللجنة العسكرية التابعة للجامعة العربية وبين المفتي الحاج أمين الحسيني فقد كان الأخير يرى أن يتولى الفلسطينيون قيادة القتال في بلادهم وأن يقتصر دور الدول العربية على تقديم العون المادي والعسكري لإخوانهم في الوقت التي كانت تعارض بعض الدول العربية مثل هذا التوجه.

-       بالرغم من أن جيش الإنقاذ استطاع في أول الأمر القيام بدور جيد في إدارة بعض المعارك المهمة لكنه كان يفتقر إلى هيئة أركان عامة الأمر الذي أحاله إلى جيش مهلهل مفكك" (1).

 

- "دخل أول فوج من جيش الإنقاذ إلى أرض فلسطين في شهر كانون الثاني/ يناير 1948 وتمركز في شمالها". وعسكر الفوج الثاني في منطقة بيسان نابلس في (شباط/ فبراير). ودخل الفوج الثالث في آذار/مارس وعسكر في مثلث نابلس ـ جنين ـ طولكرم" (2).

 

- "انسحب القاوقجي من فلسطين في 25/5/1948 بعد أن أخفق جيشه في معظم المعارك التي خاضها ولم يحل دون سقوط طبريا وحيفا وعكا ويافا بأيدي اليهود" (3).

 

· قوات الجهاد المقدس (بقيادة عبد القادر الحسيني):

"ضمت هذه القوات أصنافاً مختلفة من المناضلين من نظاميين قدمت إليهم الهيئة العربية العليا السلاح والعتاد، إلى جماعات رابطت في مناطقها وساهمت الهيئة العربية في تسليحها، إلى أفراد من عرب فلسطين تسلحوا بأنفسهم وأخذوا على عاتقهم مهمة الدفاع عن وطنهم وهؤلاء هم جماعات قومية مدينية وريفية ولعل عدد المناضلين في قوات الجهاد المقدس لم يتجاوز الخمسة آلاف مناضل وكان استعدادهم القتالي محدوداً بسبب أسلحتهم الصغيرة المختلفة الأنواع والمقاييس ونقص الذخيرة" (4).

 

1-مصطفي الطحان، المرجع السابق. صفحه 257-258 .

2-احمد طربين، المرجع السابق.صفحه 1087.

3-مصطفي الطحان، المرجع السابق. صفحه 258.

4--فلسطين تاريخها و قضيتها، المرجع السابق. صفحه 109.

 

 

*ب- رد الفعل العربي الشعبي العربي :

 

- لم تكن القضية الفلسطينية ومستجداتها بمعزل عن اهتمام الشعوب العربية وترابطها بها فبينما تم الإعلان عن قرار التقسيم " إذ طفت موجه من الاستنكار والسخط على أقطار الوطن العربي وأخذت شكل الإضراب الشامل والمسيرات الصاخبة وحتى الصدام الدموي ففي سوريا جاب المتظاهرون جميع المدن وهم يستنكرون مشايعة واشنطن وموسكو للتقسيم وهاجموا المفوضية الأمريكية في دمشق ومكتب الحزب الشيوعي وشجبت الفئات المثقفة الواعية تقاعس الحكومات العربية عن تنظيم الشعب العربي وتعبئة قواه وتسليحه وإعداده للمعركة الوشيكة وكانت الحالة في العراق والأردن تماثل ما كانت عليه سوريا من هياج وسخط واستنكار وتم في بغداد وفي العواصم العربية الأخرى تشكيل لجان للتبرع وأخرى للتطوع كما هاجم المتظاهرون في عمان مقر شركة تايلاند وأحرقوا سياراتها في بيروت كما في عمان فتح باب التطوع وفي المملكة العربية السعودية ساند الشعب قضية فلسطين بالتبرع لها والمطالبة بنقل المتطوعين إلى فلسطين لنجدة إخوانهم العرب فيها وفي مصر خرجت مظاهرة ضخمة من جامع الأزهر جابت شوارع القاهرة داعية إلى الجهاد".

 

* د. أحمد طربين، فلسطين في عهد الانتداب البريطاني . المرجع السابق ص1086.

 


 

3. رد الفعل اليهودي:

 

- "كان اليهود في فلسطين بل في العالم كله في غاية الفرح وكان فرحهم لما حصلوا عليه من نجاح بل لأنهم حصلوا على نواة دولة ليبنوا عليها إمبراطوريتهم العتيدة هدفهم البعيد"(1).

 

- فبذلك وصل اليهود إلى مرماهم بصدور قرار التقسيم هذا " و ذلك لأنهم أخذوا تلك الدولة التي أعطاها لهم هذا القرار وبموافقة دولية مع اعتراضهم على كون الدولة اليهودية لا تشمل فلسطين كلها.

 

وعندما عقد مؤتمر صهيوني سأل أحد المعارضين حاييم وليزمن في المؤتمر الصهيوني: ماذا عن النقب والجليل؟ قال بهدوء: (إنهما لن تهربا)".(2)

 

- "وعلى أرض الواقع وكرد فعل معاكس للمقاومة الفلسطينية"قام اليهود بتقسيم قواتهم فتولت الهاجاناة حراسة المدن والقرى والطرق والقوافل بين القدس وتل أبيب وحيفا والمستعمرات في غور بيسان وغيرها وأنزلت البالماخ لملاقاة المجاهدين وخص لعصابة الأرغون زفاي ليومي القيام بأعمال التدمير والنسف والإرهاب ضد المدنيين".(3)

 

1- عزت طنوس ،المرجع السابق . صفحه 352.

2- زكريا إبراهيم، المرجع السابق، صفحه 42.

3- صالح مسعود أبو يصير، المرجع السابق ،صفحه 324.

 


 

4. رد الفعل البريطاني:

"بلغ سرور الحكومة البريطانية شأواً عظيماً عند صدور قرار التقسيم لأن القضية الفلسطينية وهي العبء الثقيل الذي حملته على كتفيها ثلاثين عاماً أنزلت عن كاهلها ولقد أحست براحة كبرى حين وضعت العبء على عاتق الأمم المتحدة.

 

كان هدف بريطانيا التخلص من مأزق فلسطين وقد تم لها ذلك بصدور قرار التقسيم هذا فبذلك ينتهي انتداب بريطانيا لفلسطين".(1)

 

- "وقد بادر المندوب البريطاني فأعلن عقب القرار أن حكومته تقبل قرار الأمم المتحدة وتبذل كل المساعي لتطبيقه".(2)

 

- "  فلقد قرر الإنجليز "وقف الإدارة المدنية وتصفيتها اعتباراً من أول آذار/ مارس وتبديل صفة المندوب السامي ليصبح حاكماً عسكرياً فمضوا ينسحبون من تل أبيب والمناطق المخصصة لليهود تاركين إداراتها لهم وكان وزير الدولة البريطاني لشئون المستعمرات قد أعلن منذ 2 كانون الثاني/ يناير أنه سمح للعرب واليهود باتخاذ ترتيبات لضمان أمنهم في المناطق التي يشكلون فيها الغالبية حتى يتسنى لقوى الأمن البريطانية أن تحتشد في القدس والمناطق المختلفة الأخرى.

 

- وكانت الوكالة اليهودية مستعدة لملء الفراغ والتحول فعلاً إلى حكومة يهودية تضع يدها على المرافق العامة وتجبي الضرائب وتفرض التجنيد وتستولي على ميناء تل أبيب ومطارها وعلى المطارات وما يجاورها وبذلك سنحت الفرصة لجلب المدربين والأسلحة والخبراء والضباط والمتطوعين جواً وبحراً في حين كانت السلطات البريطانية في المناطق العربية تشدد قبضتها على زمام الإدارة ولا تسمح بمرور المتطوعين والعتاد والتموين إلى فلسطين".(3)

 

- "إن في إعلان بريطانيا قبولها قرار الأمم المتحدة "وأنها عازمة على إنهاء انتدابها وسحب قواتها وجهازها الإداري وأنها ستترك فلسطين لمن يقيم فيها نافضة يدها من مسؤولية الانتداب الذي نفذته لصالح الصهيونية على مدى ثلاثين عاماً"(4)  "يعني هذا أنها ألزمت نفسها بتأييد ما تظاهرت بالامتناع عن التصويت له وبحياد موقفها منه"(5).

 

1-عزت طنوس، المرجع السابق.صفحه352.

2-فلسطين تاريخها و قضيتها، المرجع السابق. صفحه 108.

3-احمد طربين، المرجع السابق.صفحه1090.

4-مصطفي الطحان، المرجع السابق.صفحه250.

5-فلسطين تاريخها و قضيتها، المرجع السابق. صفحه 108.

 

-"إنشاء لجنة من قبل الجمعية العمومية للأمم المتحدة تسمى لجنة فلسطين الخماسية:

- إن الجمعية العمومية حين تبنت قرار التقسيم نصت على أن تقوم في فلسطين لجنة من خمسة أعضاء يذهبون إلى فلسطين مباشرة للتعاون مع السلطة المنتدبة فتعمل بالنيابة عن مجلس الأمن وتتحمل مسؤولية الانتداب بالتدريج فيكون دورها بداية لتنفيذ التقغير أن هذه اللجنة لم تستطع القيام بمهمتها لسببين:

1. رفضت حكومة الانتداب التعاون معها وتقديم التسهيلات لها.

2.  أن الحرب الأهلية في فلسطين جعلت عملها مستحيلاً حتى لو قدمت الحكومة لها التسهيلات وعليه لم يكون بوسعها غير إرسال التقارير إلى مجلس الأمن حول الأحداث المحزنة الدائرة في البلاد".(1)

1-عزت طنوس ، المرجع السابق.صفحه 385.

 

 

 

 


 

 

 

المقاومة الفلسطينية بعد صدور قرار التقسيم

 

المقاومة الفلسطينية

 

- "بدأت المقاومة الفلسطينية أعمالها على أرض الواقع في حربها ضد اليهود إثر قرار الهيئة العربية العليا القاضي باعتبار يوم 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 يوم حداد وناشدت فيه الشعب أن يستمر في المقاطعة وأن يضرب ثلاثة أيام وهي 2 و3 و4 كانون الأول/ ديسمبر وسرعان ما ارتفعت أسعار السلاح لندرته لأن كل عربي في فلسطين هرع للحصول على قطعة منه ليدافع بها عن وطنه المهدد، وبلغت ثورة النفوس أوجها في أيام الإضراب الثلاثة عندما هاجم المتظاهرون وقد أثارتهم الاحتفالات اليهودية التي أعقبت قرار التقسيم سوق اليهود التجاري (الشماعة) في القدس كما وقعت صدامات كثيرة في أنحاء مختلفة من البلاد كان أهمها ما وقع في مدينة يافا حيث تعرضت الأحياء التي تربط يافا بتل أبيب لعمليات تدميرية واسعة النطاق، ويمكن القول أن الإضراب الأخير قد شل جميع مرافق الحياة في المدن والقرى.

 

ولقد دارت رحى معارك طاحنة في الأشهر الخمسة التي تلت قرار التقسيم أبدى فيها مجاهدو فلسطين ومتطوعو الأقطار العربية ضروب الإقدام والتضحية والصبر وعلى الرغم من وفرة سلاح العدو ووحدة قيادته واكتمال الوسائل الآلية والإسعافية لديه، فقد كانت الحرب سجالاً بين الطرفين طوال الأشهر الأربعة الأولى وكان الفلسطينيين أسياد الموقف والمسيطرين على ناصية المبادرة منذ يوم القتال الأول".(1)

 

 1-احمد طربين،المرجع السابق.صفحه1087.

 

- "وقد تفوق العرب أيضاً في معارك الطرق ذلك أن أيام القتال الأولى اتخذت شكل المصادمات البسيطة ومهاجمة القوافل اليهودية المارة بالأحياء العربية. وعمد الصهيونيون بعد المصادمات إلى تغيير خط سير مختلف عن طريق المستعمرات الممتدة بين تل أبيب ومدن الشمال والوسط والجنوب غير أنه كان لابد من عبور أراضٍ وقرى عربية مما نجم عنه غالباً شل حركة المواصلات تماماً واحتدام معارك كبيرة أثرت على مجرى الحرب، كما أثرت على نفوس اليهود المحاصرين في مستعمراتهم وخاصة في القدس، ولكن هذا الإجراء لم يخفف من حدة القتال.

 

- فلا يكاد يمضي يوم دون أن يشتبك فيه العرب مع قوافل اليهود التي كانت تسير بأعداد كبيرة من سيارات النقل والركاب التي تحمل المؤن للمستعمرات، و التي عمد الصهيونيون  إلى تصفيح بعضها لتقاوم الرصاص، ولقد تضرر الصهيونيون كثيراً بحرب المواصلات التي جرت معاركها بين المجاهدين والقوافل الصهيونية وكان النصر فيها حليف العرب. وفي معركة كفار عصيون استسلم يهود إحدى هذه القوافل واستولى العرب على جميع أسلحة القافلة وسياراتها وسمحوا للأحياء بالسفر إلى القدس وكان عدد الناجين منهم 161 وعدد الجرحى 19 جريحاً ولولا شهامة القائد العربي عبد القادر الحسيني لأبيد جميع أفراد القافلة اليهود وعددهم يقارب الثلاثمائة.

 

- ولكن المناضلين العرب وقفوا جامدين تجاه المستعمرات اليهودية المحصنة لأنهم لا يملكون السلاح اللازم لاقتحامها ولذا فقد التفوا في هذه المرحلة بقطع التموين عنها والاستيلاء على الطرق المؤدية إليها وفي واحدة من المعارك نجح العرب في القضاء على مفرزة من الهاغاناة مؤلفة من 35 رجلاً كانوا قد أرسلوا لمساندة فئة من الهاغاناة في كفار عصيون المؤلفة من 4 مستعمرات منعزلة في الهضاب الواقعة بين القدس والخليل.

 

- وعلى الصعيد نفسه قام المناضلون العرب في القدس يوم 26 كانون الثاني/ يناير 1948 بنسف شارع هاسوليل، ونجم عن ذلك تدمير ثماني عمارات ضخمة على من فيها وقد أصيب الصهاينة بخسائر فادحة في الأرواح لم يكشفوا عن أرقامها وجاوزت خسائرهم المادية نصف مليون جنيه. ومنها هجوم العرب على حي مونتيفيوري في القدس حيث نسفوا بعض منازله وانسحب المناضلون بعد تدخل الجيش البريطاني".(1)

 

1-احمد طربين،المرجع صفحه 1088.السابق

 

"وفي هذا الصدد يجب علينا أن لا ننسى الدور العظيم الذي قامت به "قوات الجهاد المقدس" هذه القوات وبالرغم من ضآلة عدد أفرادها وضعف ما تمتلك من عده فقد استطاعت هذه القوات إنزال الضربات القاسية بالصهيونيين إذ أنها اشتركت في معارك السيطرة على الطرق الرئيسية وقاتلت في شوارع المدن والأحياء كما قامت بأعمال النسف والتدمير فقد نسفت شارعين رئيسيين في قلب الأحياء اليهودية في القدس، كما نسفت مقر الوكالة اليهودية في القدس (11 آذار/ مارس 1948) وخاضت غمار قتال شديد في يافا وضواحيها ولعل أهم معركة في سبيل السيطرة على الطرق الرئيسية كانت معركة القسطل التي تبعد ثمانية كيلو مترات غربي القدس فحالت دون ربط القدس بالقوى الصهيونية في الساحل وقد أحكمت هذه القوات طوق الحصار حول الحي اليهود داخل القدس القديمة واشتركت في معارك باب الواد (1-10 أيار/مايو) للسيطرة على الطريق الموصل بين القدس الجديدة وتل أبيب فقطعت بذلك الإمدادات والمؤن عن (100 ألف يهودي من سكان المدينة الجديدة وظلت هذه القوات ترابط في بعض الخطوط الأمامية حتى 15 أيار (مايو)" (1).

 1-فلسطين تاريخها و قضيتها، المرجع السابق. صفحه 109-110.

 


 

المعارك التي دارت بين الفلسطينيين و اليهود بعد قرار التقسيم و نتائجها

 

" إن النجاح والتفوق الذي حققه الفلسطينيون في أيام القتال الأولي والذي استمر لفترة قصيرة لم يلبث في آذار/مارس 1948 أن تحول إلى جهة الصهيونيين، وأصبح واضحاً ولاسيما منذ أواسط نيسان/ أبريل 1948".(1)

 

- ولم يكن هذا التراجع في الصمود والتحدي الذي تملك المقاومة آت من فراغ ولكنها كانت  تعاني ومنذ بدء المعركة من مصاعب ومشاكل كثيرة واجهتها ولم تستطع أن تتغلب عليها.

 

- " من أهم هذه المشاكل والمصاعب "نقص التسلح بشكل واضح حيث كان السلاح يتناقص بسرعة وموارد الإمداد هزيلة فكان الكل يبحث عن السلاح ومستعداً لشرائه بأي ثمن وكان هذا شأن "الجهاد المقدس".(2)

 

- ولعله أفضل ما قيل من وصف عن حالة الفلسطينيين شعبا و مقاومه وقت صدور قرار التقسيم هو ما قاله مؤرخ معاصر حيث أنه قال: “شعب أعزل لا سلاح لديه لطمته هيئة من أكبر الهيئات الدولية بأظلم وأقسى قرار عرفه التاريخ ويقضي عليه بالتجزئة والحرمان وضياع الأمل بالحرية التي كان ينشدها والوحدة التي كان يصبو إليها والأمن والاستقلال الذي طالما تمناه ويرى بعين دامية وقلب واجف، الهوة السحيقة التي حضرت أمامه والتي سيقع فيها إذا لم يهب لإنقاذ بلاده قبل أن يتمكن الأعداء من تأسيس دولتهم ولكن وسائله محدودة ووسائل أعدائه متوفرة فيقف حائراً متسائلاً ما العمل؟ وكيف السبيل إلى النجاة". (3)

 

- إن هذه المشكلة التي كان يعاني منها المقاومون الفلسطينيون وهي نقص التسلح كانت غير موجودة عند طرف الحرب الأخر اليهود الصهاينة فهم كانوا يتفوقون علي المقاومة بدرجة كبيرة في امتلاك السلاح والذخائر وغيرها من الأجهزة التي تستخدم في الحروب وإلى جانب ذلك كانت هذه المعدات والأسلحة أحدث من ما تمتلكه المقاومة وأيضاً كانت المؤن التي تصل للعدو أكبر منها للتي تصل للمقاومة".

 

1-احمد طربين ،المرجع السابق. صفحه 1090.

2-عزت طنوس، المرجع السابق.صفحه 389.

3-مصطفي الطحان، المرجع السابق.

 

وعند المقارنة بين العدو والمقاومة من ناحية الجاهزية ا لحربيه من أسلحه و ذخائر ومؤن ........ الخ نجد أن هناك عنصراً مهماً كان يرجح كفة العدو على كفة المقاومة في هذا الجانب هذا العنصر هو البريطانيين.

 

- إن البريطانيين كانوا بمثابة عقبة صعبة ومشكلة كبيرة تقف أمام المقاومة الفلسطينية "حيث أنه عندما نشئت الثورة الفلسطينية ضد التقسيم سارعت بريطانيا وقواتها المسلحة إلى قمعها ومساعدة الصهيونيين بالمؤن والأسلحة والذخائر للتصدي للعرب الثائرين وغير ذلك من أنواع المساعدات الأخرى.

 

- ولقد قدر ثمن ما منحه الإنكليز من أسلحة للعصابات الصهيونية في تلك الفترة وحدها بخمسة ملايين جنيه هذا عدا عن 24 طائرة وعشرات السيارات الكبيرة والصغيرة والمصفحات والأجهزة المختلفة كما باع الإنجليز الصهيونيين معسكرات وثكنات ومطارات بريطانية بأكملها لفرض الأمر الواقع عندما تحين الساعة وانسحبت القوات الإنجليزية في شهر فبراير ومارس 1948 من تل أبيب ومساحات واسعة من الأراضي التي تقع فيها مستعمرات صهيونية وسلموها للوكالة اليهودية لإدارتها فجعل الصهيونيين يستوردون عبر ميناء تل أبيب الأسلحة والذخائر والمعدات والمؤن في حين جعلوا يستقبلون في هذه المناطق الطائرات القادمة باستمرار من براغ حاملة الأسلحة والمتطوعين من شرق أوروبا وغربها على السواء بحيث أصبحت قواتهم جاهزة للحرب".(1)

 

- "وذهبت بريطانيا إلى فعل أكثر من هذا ضد المقاومة حيث كانت حكومة لندن تلوح بالوعيد في وجه الحكومات العربية إذا ظهر لها أن الأسلحة البريطانية التي كانت تتلقاها بعض الدول العربية تحول إلى فلسطين مع علمها أن جميع الأسلحة الثقيلة والمدرعات و وسائل الاقتحام التي كان يملكها الجيش الأردني بقيادته البريطانية كان محظوراً استعمالها ضد اليهود بينما كانت السلطات البريطانية تغض النظر والطرف عن نزول السلاح الثقيل المتنوع في تل أبيب وتسلم الصهيونيون أواخر آذار/ مارس كميات كبيرة، من السيارات المصفحة والدبابات مع السلاح والعتاد من معسكراتها في وادي الصرار ورأس العين وصرفند وغيرها".(2)

 

1-محمد عزيز شكري، البعد الدولي للقضية الفلسطينية. الموسوعة الفلسطينية، المجلد السادس، ألطبعه الأولي، بيروت 1990، صفحه 15.

2-احمد طربين، المرجع السابق.صفحه 1090.

 

ولقد ساهمت بريطانيا في الكثير من مساندة اليهود في العديد من المواقف وعلى طول الحرب القائمة بين اليهود والفلسطينيين، وذلك بالطبع على حساب المقاومة والشعب الفلسطيني.

 

- وبعد هذا التوضيح لطبيعة الموقف البريطاني تجاه كل من: المقاومة الفلسطينية والذي كما رأينا كان موقفا سلبيا يتمثل بالقمع والوقوف في وجهها. ثم موقفها من اليهود الذي كان داعما ومؤيدا ومساندا لهم بالدرجة الأولي. نتطرق ألان لذكر أهم المعارك الحاسمة التي دارت بين طرفي الحرب الفلسطينيين من جهة واليهود الصهاينة من جهة أخري.

 


 

1. معركة القسطل:(1)

 

"أ. معركة القسطل الأولى في 4 نيسان (أبريل) 1948:

- تقع قرية القسطل على هضبة عالية تبعد نحو 8 كم عن القدس غرباً وتشرف إشرافاً تاماً على طريق القدس ـ تل أبيب ـ يافا، وهي بذلك تؤلف موقعاً إستراتيجياً مهماً إذ أن من يحتلها يتحكم بالشريان الرئيسي للقدس الغربية وقد جرت فيها المعركة المسماة باسمها.

 

- في 3 نيسان 1948 قامت مجموعة من اليهود (البالماخ) مؤلفة من سرية مصفحات وفصيلة هندسة ميدان ونحو 500 مقاتل من حرس المستعمرات بهجوم مباغت على هذه القرية بقصد فك الحصار المضروب وتأمين تموين مائة ألف يهودي في القدس الغربية وفي المستعمرات المحيطة بها ولم تكن القرية محصنة ومع ذلك فقد صمد أهلها العرب بما تيسر لهم من أسلحة خفيفة وبنادق عادية وذخيرة لم تكن تكفيهم للصمود طويلاً وقاموا بصد الهجمات المتكررة والمستمرة لعناصر يهودية مستميتة ومزودة بأحدث أنواع الأسلحة ومدافع الهاون.

 

- وفي النهاية نفذت ذخيرة المدافعين العرب ولم يكن فيها من القوة ما يكفي للدفاع عنها حيث كان فيها 50 مسلحاً فقط وانسحبوا من قريتهم التي احتلها اليهود وتمركزوا فيها وراحوا يعملون على تحصينها وتشييد استحكامات قوية فيها.

 

- أثار سقوط القسطل في أيدي اليهود حمية المجاهدين العرب وقررت قيادة منطقة القدس مهاجمة القرية قبل أن تستقر فيها أقدام اليهود فتجمع ما يقارب من (300) مجاهداً. واتجهوا جميعاً ومن جهات مختلفة وخاصة الجهة الجنوبية للقسطل (عين كارم والمالحة) لمحاصرتها وقطع الإمدادات عنها بقصد احتلالها وقد قسم الـ300 مجاهد إلى عدة فرق كل فرقة تحت قيادة معينة.

- بدأت المعركة صباح 4 نيسان 1948 فطوق المجاهدون البلدة واحتلوا التلال الواقعة بينها وبين عين كارم وذلك بعد معركة عنيفة خسر فيها المجاهدون ثلاثة شهداء وخمسة جرحى بينما خسر اليهود خمسة وعشرين قتيلاً وعشرات الجرحى.

 

- في 5 نيسان 1948 نسف المجاهدون جسراً يقع بالقرب من قالونيا ويصل القسطل بالمستعمرات المجاورة لها إلا أن اليهود تمكنوا من إعادة بناءه في اليوم نفسه.

 

- في 6 نيسان هاجم المجاهدون (محاجر الجيشار) اليهودية ونسفوها بعد أن قضوا على الحراس فيها واحتلوها وخسر اليهود في هذه الهجمة الكثير من جنودهم ولكن المجاهدين لم يتمكنوا من الاحتفاظ بهذا الموقع نظراً لأن ذخيرتهم قد نفذت أو كادت فشن اليهود عليهم هجوماً معاكساً بعد أن وصلتهم إمدادات كثيرة من الرجال والسلاح والمؤن بواسطة الطائرات وتمكنوا من استرداد الموقع في اليوم نفسه واستشهد من المجاهدين خمسة رجال وصرح عدد منهم ثم أخذ اليهود يضيقون الخناق على القرى المجاورة حتى لا يتحرك أهلها لنجدة المقاتلين حول القسطل وأخذ القتال يتحول ضد المجاهدين العرب بعد أن أصبحوا محاصرين من يهود مستعمرات (عطاروت والنيفي يعقوب)، وبذلك انتهت معركة القسطل الأولى.

 


ب. معركة القسطل الثانية:

- كانت بدايتها في 6 نيسان 1948 عندما التحق عبد القادر الحسيني بالمجاهدين،   في صباح ذلك اليوم، وكان هذا بعد مغادرته القدس عن طريق المالحة عين كارم وفي عين كارم اجتمع عبد القادر مع المجاهد عبد الفتاح درويش فترة، نصح درويش القائد عبد القادر بأن لا يدخل مثل هذه المعركة لأن حساباتها تدل على أنها معركة خاسرة له و لأعوانه.

 

- وفي يوم 7 نيسان 1948 زحف القائد عبد القادر بقوات المجاهدين حسب خطة قد تم إعدادها مسبقاً لهذه المعركة على معاقل العدو المحيطة بالقسطل، فاستطاع رجال عبد القادر من تطويق القسطل بعد عراك شديد مع العدو الصهيوني وبعد ذلك دخلت مجموعة من رجال عبد القادر القرية محاولة شن هجوم على اليهود الذين هم فيها ولكن هذا الهجوم فشل بسبب نفاذ الذخيرة من كثير من المجاهدين، وذلك بعد اشتباكاً ضارياً قد دار بينهم وبين العدو وقد قتل من المجاهدين الكثير وجرح منهم عدد وبذلك توقفوا عن متابعة التقدم في داخل القرية.

 

- ولما وصل النبأ إلى القائد عبد القادر ذهب هو بنفسه ليتولى قيادة المعركة، ودخل القرية هو ورجاله الباقين والتحم باليهود الذين هالهم ما رأوه من تصميم المجاهدين واستماتتهم في الهجوم ودار عبد القادر هو ورجاله معركة شديدة كان فيها شجاعاً مقداماً، ولكن سرعان ما نفذت أسلحته هو والمجاهدين، فأصبح عبد القادر و من معه وحدهم دون ذخيرة أمام مراكز العدو المحصنة والتي عززت بإمدادات كثيرة من الرجال والعتاد فشعر اليهود بحراجة وضع عبد القادر ورجاله فأطبقوا عليه وحاصروه بإحكام وعم خبر محاصرة اليهود لعبد القادر ورجاله فزحف المتطوعون والمجاهدون من كل حدب وصوب لنجدتهم، وبلغ عدد المجاهدين الذين هبوا لنجدة عبد القادر ورجاله 500 مجاهد، وأطبقوا على القسطل من جميع الجهات.

 

- في 9 نيسان وبعد معركة ضارية دارت بين الطرفين فر اليهود مهزومين من القرية واستطاع عبد القادر وأعوانه أن يحقق معجزة حربية بطرد اليهود من القسطل لكنه استشهد أثناء هذه المعركة، وكان ذلك في قمة التل ولما علم رجال عبد القادر الخبر أصابتهم فاجعة وحزنوا حزناً شديداً على قائدهم ولم يفرحوا بنشوة الانتصار الذي حققوه معه.

 

وبعد هذا الانتصار وبعد استشهاد عبد القادر غادر الذين كانوا يقاتلون معه القرية لأسباب دفعتهم لذلك ففريق منهم غادر القرية لنفاذ ذخيرته و فريقاً آخر غادرها بسبب أن القتال أتعبه ومنهم من غادرها ليحضر مآتم الشهيد.

 

فاستغل الصهيونيون هذه الظروف كلها فسارعوا بعد ساعات، واحتلوا القرية ثانية ودمروا بيوتها وحصونها ومسجدها، وبذلك سقطت قرية القسطل ثانية بأيدي الإرهابيين اليهود."(1)

- "وبعد استشهاد عبد القادر الحسيني دارت مفاوضات طويلة بين القدس والهيئة العربية العليا في دمشق من أجل تعيين خلف لعبد القادر وتم الاتفاق على تعيين خالد الحسيني لقيادة "الجهاد المقدس".(2)

 

1-عيسي خليل محسن، فلسطين ألام و ابنها البار عبد القادر الحسيني.دار الجليل للنشر والدراسات و الأبحاث الفلسطينية، عمان، الطبعة الأولي 1986، صفحه 373-377.

2-عزت طنوس، المرجع السابق.صفحه 393.

 


معركة طبريا:

- "تقع طبريا على بحيرة طبريا أكثرية سكانها من اليهود استمر القتال فيها خلال كانون الأول ديسمبر 1947 وكانون الثاني (يناير، وشباط) فبراير 1948 أعلنت بعدها هدنة بين الطرفين في 14 آذار (مارس)، غير أن الهدنة في العرف اليهودي هي حدث مؤقت لم يدم هذه المرة سوى شهر واحد، ففي السادس عشر من نيسان (أبريل) بدأت الأرغون هجومها على طبريا، ولكن الجيش البريطاني تدخل هذه المرة وأعلن هدنة أخرى ثلاثة أيام وفي اليوم الثالث أقنع الضابط البريطاني المدافعين العرب بترك طبريا واستعملت وسائل نقل الجيش البريطاني لإخلاء السكان العرب جميعاً لأنه لم يكن باستطاعته ضمان سلامتهم، وبذلك سقطت عكا بأيدي الاحتلال اليهود".(1)

1- عزت طنوس، المرجع السابق.

 


 معركة حيفا:

- "بدأ القتال في حيفا بعد تبني قرار التقسيم مباشرة فكان شديداً كان الهجوم والهجوم المضاد مستمرين بين العرب واليهود وكانت الأضرار والخسائر فادحة.

 

- لم ينحصر القتال في حيفا بل امتد إلى عكا وكل القرى المجاورة وحصلت معركة على الطريق بين حيفا وعكا عندما تصدى إرهابيون يهود لقافلة عربية من عدة عربات مليئة بالذخائر في طريقها إلى حيفا فلم يصل منها إلى هدفها غير عربتين بينما دمر الباقي فقد حطم العرب ذخيرتهم بأنفسهم كي لا تسقط بين أيدي اليهود، وكان عدد من استشهد في هذه المعركة 15 عربياً، بعد أن قاتلوا قتالاً مجيداً.

 

- كان لضياع مثل هذه الذخيرة وفقدان الشجعان الذين تدربوا على استعمالها أثر سيئ على وضع العرب في المدينة وصار الوضع أسوأ حين صادر الجيش البريطاني كعادته إمدادات جديدة جاءت للمناضلين في حيفا ونظراً لأن بريطانيا العظمى كانت تريد أن ترى حيفا بأيدي اليهود قبل 15 أيار 1948 وهو آخر وقت لانتدابها اتفق الجنرال ستوكويل البريطاني قائد القطاع الشمالي سراً مع الإرهابيين اليهود لتسليمهم مواقع الجيش البريطاني المسيطرة الحصينة يوم انسحابهم، كما أفشى لهم سراً آخر إذ أنبأهم دون أن ينبئ العرب بأن انسحاب الجيش البريطاني في حيفا سوف يحدث في وقت مبكر أي يوم الثالث والعشرين من نيسان (أبريل)، وليس في أول أغسطس (آب)، كما أعلن من قبل ومن أجل أن يزيد في مساعدتهم قسم الجيش البريطاني حيفا في اليوم الحادي والعشرين من نيسان (أبريل) إلى قسمين وصادر كل الإمدادات العربية، وهي في طريقها إلى المدينة، فاستغلت الهاغاناة الوضع بالتواطؤ مع الجنرال ستوكويل، وقامت في اليوم نفسه بهجوم مفاجئ على حيفا فصارت المدينة في آخر اليوم التالي أي يوم 22 نيسان (أبريل) في أيديهم".

 

1-عزت طنوس، المرجع السابق.صفحه 395-396.

  


 

معركة يافا:

 

- "بدأ الهجوم الكبير على يافا يوم الخامس عشر من آذار (مارس) 1948 غير أن المناضلين العرب ردوا هذا الهجوم وفي العشرين من آذار (مارس) شن الإرهابيون هجوماً أقوى على أبو كبير وهو من جوار يافا الهامة ورد هذا الهجوم أيضاً وتكرر الهجوم، في الثاني والعشرين، وكذلك الثالث والعشرين من الشهر نفسه على أبو كبير.

 

- أخافت هذه الهجمات المتكررة على يافا وقضائها سكان المدينة، فاستنجدت اللجنة القومية العربية في يافا باللجنة العسكرية في دمشق وذلك لكي تنقذها من هذه الهجمات.

 

- أرسلت اللجنة العسكرية في السادس والعشرين من مارس كتيبة القادسية إلى يافا، واتخذت مواقعها في حي المنشية والبصة.

 

- في الرابع والعشرين من نيسان (أبريل) هاجم الصهيونيون حي المنشية، وفي اليوم التالي ألقوا قنابل الهاون والصواريخ على المدينة كلها، واستمر الهجوم بالقوة نفسها حتى الثامن والعشرون من نيسان (أبريل).

 

- وفي ذلك الوقت، أرسل القاوقجي قطعة من جيش الإنقاذ بقيادة النقيب ميشيل العيس لدعم المقاومة، ولكن فوجئ النقيب ميشيل العيس أن النقيب نجم الدين كان يتمركز في المواقع الإستراتيجية وهو قائد كتيبة القادسية أنه أخلاهما لخلافه مع القاوقجي فتمكن العدو من احتلال المنشية وتل الريش دون خسارة وفي اليوم نفسه سقطت سلمه والعباسية وبيت دجن من قضاء يافا في أيدي اليهود فدب الرعب، فاندفع الناس فارين ووقع في الشرك النقيب ميشيل العيس ورجاله فقد أحاط بهم العدو من كل الجهات. وفي الخامس من أيار (مايو) فر النقيب العيس ورجاله وبعض أعضاء اللجنة القومية من المدينة المحاصرة فبهذا الانسحاب زاد الرعب في قلوب سكان المدينة وأصيبوا بالذهول وهم يشاهدون القوات العربية ترحل عن يافا وعمت الفوضى وتركت آلاف السكان بيوتها خالية وهي تبحث عن وسيلة للفرار من يافا وهكذا وقعت مأساة الاحتلال الصهيوني لمدينة يافا.

 

- وبعد سقوط يافا في 28 نيسان (أبريل) 1948 وجد المناضلون الذين كانوا يسيطرون على مركز مياه رأس العين أنفسهم يواجهون خطر الهجوم عليهم، وبما أن القدس العربية تشرب من مياه أخرى مثل عين فارة وبرك سليمان فقد عمدوا إلى تحطيم آلات ورأس العين قبل أن يغادروها".

 

1-عزت طنوس، المرجع السابق.صفحه 413-414.

 


 

معركة حي القطمون في القدس:

- "ظل حي القطمون العربي منذ أن تبنت الأمم المتحدة قرار التقسيم مسرحاً للهجمات اليهودية نظراً لموقعه الإستراتيجي ولقد هز المدينة نسف فندق سمير أميس في الخامس من كانون الثاني (يناير) 1948 ونتج عنه 22 عربياً تحت الأنقاض ونسفت ثلاثة بيوت.

 

- شن الصهيونيون هجومهم الأكبر على القطمون في السابع والعشرين من نيسان (أبريل) وكان أول ما سقط من القطمون في أيدي اليهود دير الروم الأرثوذكس وقد تبين لإبراهيم أبو ديه الذي كان متولي الدفاع عن القطمون ضخامة القوى المهاجمة فطلب النجدة فأرسل له النقيب فاضل العبد الله من جيش الإنقاذ فصيلاً من رجاله لكنهم لم يستطيعوا البقاء، في ساحة المعركة إلا ساعات قليلة وأرسل في اليوم نفسه خالد الحسيني خمسين رجلاً من "الجهاد المقدس" لكن هذا العدد القليل لا يمكن اعتباره مساعدة حقيقية.

 

- واضطر أبو دية إلى الانسحاب في أول أيار (مايو) مع قلة من المناضلين الذين بقوا على قيد الحياة، وبذلك أخذ الناس الذين يسكنون حي القطمون يتركونه خوفاً على حياتهم من مجازر يرتكبها الصهاينة بحقهم فبهذا أصبحت الفرصة سانحة لليهود أن يحتلوا حي القطمون، وبذلك تم احتلالها.

 

وفي 14 أيار انسحبت الكتيبة السادسة من جيش الإنقاذ من القدس، وكانت بقيادة الرقيب عبد الله التل حيث أن مهمة هذه الكتيبة حراسة القوافل الفلسطينية في رحلاتها إلى بيت لحم والخليل ورام الله.... الخ. وكان قرار مغادرة هذه الكتيبة من القدس قد صدر عن غلوب باشا حيث أنه تم مغادرة هذه الكتيبة من القدس إلى أريحا."(1)

 


 

 تشكيل لجنة هدنة لوقف القتال في القدس:

 

- "كانت لجنة الهدنة تتألف من ثلاثة قناصل عامين في القدس: بلجيكا وفرنسا والولايات المتحدة عينتها الأمم المتحدة.

 

- في 12 من أيار (مايو) 1948 أرادت هذه اللجنة أن توقف القتال في القدس لتجنب المدينة المقدسة ويلات الحرب وقابلت هذه اللجنة الطرفين بشأن هذا الأمر وتمت موافقة الطرفين على وقف إطلاق النار على أن يبدأ العمل به في 14 أيار (مايو) 1948.

 

- في يوم 14 أيار (مايو) بدأ الصهيونيون منذ الصباح الباكر بقصف الأحياء العربية كلها قصفاً كثيفاً فبذلك نقض اليهود اتفاق وقف إطلاق النار منذ أول يوم في تطبيق هذا الاتفاق، وبذلك فشلت الهدنة". (1)

 

1-عزت طنوس، المرجع السابق.صفحه 438.

 


 

معركة بيسان في 12 أيار (مايو) 1948:

 

- "بيسان مدينة حدودية على بعد أميال قليلة من بحيرة طبريا وأربعة كم من الحدود السورية كان وضعها العسكري ضعيفاً بعد انسحاب فوزي القاوقجي

 في 25 من نيسان من مستعمرة هايميك وفي الثاني عشر من أيار (مايو) تجمعت قوات يهودية من كل المستعمرات المحيطة بها وقامت بهجومها على المدينة الصغيرة التي لم يتجاوز عدد المدافعين عنها المائتين أكثرهم من أهلها الأشداء وقد ربح العدو المعركة، واحتل هذه المدينة وكان احتلالها قبل ثلاثة أيام من موعد دخول الجيوش العربية لفلسطين".(2)

 

1-عزت طنوس ، المرجع السابق.صفحه 410-411.

2-عزت طنوس المرجع السابق. صفحه 414.

 


 

معركة صفد: (1)

 

- "كانت المعارك في صفد وحولها مستمرة ككل مدن فلسطين وقراها، وكان مجموع سلاح العرب منذ بدء القتال حتى نهايته وبما أرسلت لجنة دمشق مضافاً إلى ما تمكن أهل صفد من شرائه لا يزيد عن أربعمائة بندقية بعضها فرنسي وبعضها إنجليزي، وكان أديب الشيشكلي هو قائد القطاع الذي يضم صفد، وانسحب الإنجليز من صفد المدينة التاريخية التي تضم حوالي 12 ألف وخمسمائة عربي انسحبوا منها في السادس عشر من أبريل (نيسان) 1948 ودخل العرب المدينة، فاحتلوا كثيراً من جوانبها وكانوا حوالي ستمائة مقاتل منهم قرابة أربعمائة وسبعين من الفلسطينيين ومائة وثلاثين من جيش الإنقاذ.

 

- قبل هذه المعركة تمكن اليهود من احتلال القريتين العربيتين عين الزيتون وبيريا، فبذلك عزلوا صفد عن القرى العربية المهمة، وبينما يستمر القتال بين الفريقين دون انقطاع يتلقى اليهود في يومي 5، 6 مايو (أيار) نجدات عسكرية في 172 سيارة عسكرية كان الصفديون يرون هذه النجدات فلم تكن ميادين القتال بعيدة عن مرمى العين بل هي شوارع وميادين ومناطق وأخذ الشيشكلى يستنجد بقيادة جيش الإنقاذ وقائده فوزي القاوقجي وكان الرد دائماً "لا يوجد احتياطي"، وانهارت معنويات الشعب وأخذ جنود جيش الإنقاذ يتسللون هاربين فلم يبق إلا القليل.

 

- وسافر وفد من صفد لإقناع اللواء إسماعيل صفوت بحاجة صفد إلى سلاح وعون ولكن اللقاء كان سيئاً والعون كان عراكاً وتمسك الصفديون بمواقعهم يدافعون ويستشهدون في سبيلها وأخذ الشيشكلي يدك بمدافعه مواقع اليهود وتجددت روح الوطنية واشترك عدد من العراقيين بمدافعهم فأسهموا بقدر كبير في تحطيم الحي اليهودي وجمع اليهود جحافلهم، وهاجموا المواقع الصفدية في ثلاثة صفوف في اليوم الثامن من مايو (أيار)، وكان اليهود يستعملون راجمات صنعوها بإتقان مع قنابل الهاون، وانكسر الهجوم اليهودي أمام صلابة العرب المدافعين، ولكن الذخائر العربية وهي المشكلة المتكررة بدأت تنقص وتقل.

 

- يقول الكاتب اليهودي "مايرفيشر": إن العرب استأنفوا قصف المدافع يوم السبت 9 والأحد 10 مايو (أيار) وكانت هذه المرة أشد فتكاً وإحكاماً وكانت قذائفهم تزرع الموت والدمار حيثما تساقطت وكادت صفد تسقط بأيدي العرب لولا أنها ركضت نجدات كبيرة أخرى من قوات البالماخ يقودها قائدها الأعلى، وكانت هذه القوات مسلحة بأسلحة كثيرة ووفيرة وكان بينهما عدد غير قليل من مدافع "الفيات" وكان الجو ماطرا و التحم الفريقان في كل مكان ولاسيما في عمارة البوليس من دار إلى دار ومن غرفة إلى غرفة وقد استعملا السلاح الأبيض عندما سكت صوت المدفع ونفذت ذخائر العرب، فسقطت عمارة البوليس في 11 أيار.

 

- على أن هذا القتال الذي يصلاه أهل صفد لم يشترك فيه ضباط وقادة جيش الإنقاذ فقد كان الشيشكلي قد قصد دمشق طالباً للسلاح منذ اليوم التاسع وكان ساري الفنيش الضابط الأردني الذي عينه الشيشكلي قائداً للحامية قد غادر هو أيضاً صفد حاملاً ثيابه غير ناو عوده.

 

- على أن القائد الجديد أميل جميعان أمر الجيش بالانسحاب بعد منتصف ليلة العاشر من مايو (أيار) وفي الثاني عشر منه كان اليهود قد احتلوا صفد.

 

- ودفع العرب قرابة مائة شهيد على حين فقد اليهود فيها ثمانمائة وخمسين ولعل صفد ما كانت لتسقط بيد العدو لولا تلك الأزمات التي قابلتها من نقص التسلح وتخلي اللجنة العسكرية عن عونها وروح الهزيمة كانت مسيطرة على قائدها الأردني ساري الفنيش".(1)

صالح مسعود أبو يصير ، المرجع السابق ،صفحه 393- 394.

  


 

معركة كفارإتسيون الكبرى في 13 أيار (مايو) 1948:

 

- "كانت كفارإتسيون كبرى أربع مستعمرات يهودية واقعة على منتصف الطريق بين القدس والخليل وأشدها تحصيناً.

 

- في السادس من أيار (مايو) 1948 كانت وحدة من الجيش العربي في طريقها إلى الخليل يرافقها عدد من السيارات فسقطت عليها قنابل الهاون من دير الشعار وهو دير قريب من المستعمرة احتله اليهود، ونتج عن ذلك قتل جندي وجرح الآخر، فاندلعت معركة أجبرت الضابط على الوحدة بطلب النجدة من القدس وحين وصلت النجدة اشتدت المعركة ثم توقف اليهود فجأة عن إطلاق النار فاستأنفت القافلة العسكرية طريقها.

 

- وفي اليوم التالي هاجم الجيش العربي دير الشعار يدعمه 500 من المناضلين وقاموا باحتلاله بعد ما فر من بقي فيه من اليهود إلى كفارإتسيون.

 

- وسار الجيش العربي في سبيله إلى القدس بعد أن ترك عدداً قليلاً من المناضلين لحراسة الدير فاستغل اليهود ذلك وهاجموا الدير وتمكنوا من استعادته في اليوم التالي.

 

- وفي 12 أيار هاجم الجيش العربي المستعمره، ومعه مئات من المناضلين الفلسطينيين واشتبكوا مع اليهود وبعد عدة ساعات تطورت المعركة إلى مأزق فطلب الضابط قائد العملية في الجيش العربي معونة باللاسلكي فأمر غلوب باشا النقيب عبد الله التل بالتنفيذ.

 

- اتخذ النقيب التل مكانه على رأس القطعة المصفحة الحسنة التجهيز وأمر مائة من رجاله بالتقدم لنزع الأسلاك الشائكة وحين بدأ بالقصف رفعت المستعمرة العلم الأبيض حتى إذا تقدم الجنود باتجاه المستعمرة فتحت الهاغاناة النار غدراً فقتلت اثني عشر وجرحت ثلاثين وشن الهجوم ثانية، واندفع مئات من المناضلين الفلسطينيين إلى المستعمرة فاحتلوها ولقد خسر العدو معظم الذين كانوا يدافعون عن المستعمرة".(1)

1-عزت طنوس المرجع السابق. صفحه414-416.

 


 

معركة عكا:(1)

 

- "استطاع شعب فلسطين أن يحتفظ بثغر عكا البحري والقرى المجاورة لها طوال أيام الصراع الدموي مع اليهود من نوفمبر (تشرين الثاني) 1947 إلى مايو (أيار) 1948.

 

- وحين وصل جيش اليرموك بقيادة أديب الشيشكلي في أواخر يناير (كانون الثاني) من عام 1948 استبشر أهل عكا بالعرب المنجدين ولكن إخوانهم رجال اليرموك وهم قسم من جيش الإنقاذ لم يتركوا معهم إلا ثلاثين مقاتلاً وكان أهل عكا شوكة في جنب اليهود يتربصون بسيارتهم ويعترضون مقاتليهم.

 

- واستمرت عكا محتفظة بكيانها العربي حتى هوت حيفا تحت سنابك اليهود وكثر عندئذ ساكنوها من اللاجئين وتفرغت لها وحدات اليهود المقاتلة وأخذت تصب عليها نيران مدافعها وأخذ أبناء عكا والمهاجرون من أبناء حيفا يواصلون قتالهم على حين راح قائد جيش اليرموك يستنجد بلجنة دمشق العسكرية دون جدوى وفي الحادي عشر من مايو (أيار) قرر الشيشكلي الانسحاب بجيشه وبقى أهل عكا وحدهم يقاتلون وحين خاب الأمل في عون لجنة الجامعة بدمشق ذهب وفدهم يستنجد بالملك عبد الله في عمان ولكن هذه المحاولة أيضاً ذهبت دون جدوى وأدرك شعب عكا أن الجميع قد تخلى عنه.

 

- ودارت معارك دامية عند تل نابليون واستشهد العديد من شباب عكا الذين حاولوا وقف الزحف اليهودي ودارت معركة في الجانب الأخر من عكا ذهب فيه كل المدافعين في تلك الجهة من شباب عكا شهداء، واستمر الموقف مضطرباً خطيراً وأن التاريخ يشير إلى اليوم الرابع عشر من مايو (أيار) ودخول الجيوش العربية لم يعد بعيداً.

 

- لقد فشل وفد عكا الذي استنجد بالملك عبد الله وفشل أيضاً استنجاد القائد الشيشكلي بلجنة دمشق وأقفرت كل الآمال ولكن شعب عكا لم ييأس بعد، فليذهب وفد من ثلاثة رجال إلى الجارة القريبة من عكا إلى الحكومة اللبنانية يطلبون أن تمدهم بالسلاح عن طريق الجو وذهبت هذه المحاولة أيضاً أدراج الرياح في غمرة اليأس جاء فريق من المناضلين.

 

- كانوا في جيش أديب الشيشكلي فقاتلوا يوماً وليلة ثم انسحب أغلبهم ولم يبق منهم إلا 48 محارباً خاضوا المعركة بحماس، واستمر القتال في عكا قتال شوارع ونزال أمتار.

 

- وفي الخامس عشر من مايو (أيار) حين كانت الأنظار تتجه إلى حدود فلسطين مترقبة دخوله الجيوش العربية السبعة الزاحفة في ذلك اليوم تمكن الفلسطينيون من انتزاع محطة السكة الحديد من اليهود وأخرجوهم أيضاً من بناية مصلحة الشئون، واحتفظ المناضلون بمواقعهم وسط القتال المستمر حتى إذا انتصف النهار كانت المدفعية اليهودية وجحافل اليهود أقوى منهم وبينما هم ينسحبون تاركين عدداً جديداً من الشهداء كان فريق منهم يخوض معركة دامية تدور عند دار السينما الأهلية حتى أشرف الليل بظلامه وترك اليهود هناك ستين قتيلاً.

 

- وتقوت روح أهل عكا المعنوية بنصرهم هذا وازداد أملهم والإذاعات تعلن زحف جيوش الدول العربية من كل صوب واستمر القتال الليل بطوله وعند الصباح ظهرت حقيقتان خطيرتان لمجاهدي عكا كانت الأولى أن الذخائر نفذت لطول العراك وكانت الثانية أن الجيوش العربية لم تصل عكا ولم تبعث لها بالمجندين.

 

- وتلفت المناضلون إلى ذويهم وأسرهم فكانت نكبة أخرى لقد كان الجوع يفتك بالأطفال والنساء بل لقد عمد اليهود إلى بث مكروب التيفوئيد في المياه، فاتسع خرق المتاعب على العرب، إن المرضى يطلبون علاجاً وإن الأصحاء يطلبون حقناً للوقاية وأن الجميع لم يجد ماء للشرب والاستعمال.

 

- وسقطت عكا تحت سنابك اليهود في السادس عشر من مايو (أيار) 1948 بعد يوم من زحف الجيوش العربية السبعة على فلسطين وبعد سبعة أشهر من ثورة الفلسطينيين العارمة نوفمبر (تشرين الثاني) 1947 إلى مايو (أيار) 1948".(1)

 

- "وبعد سقوط عكا سقطت أيضاً القرى التالية: شعيب والمغار والدامون وتمره وأم الفرج والكابرة والزيب والبصة وعمقا وترشيحا في أيدي الصهيونيين.

 

- لقد كان سقوط عكا والقرى المحيطة بها خسارة عظيمة ولو أنها لم تكن خسارة كلية لأن جزءاً كبيراً من منطقة الجليل بقي في الأيدي العربية ومنها مدينة الناصرة عاصمة الجليل الهامة المقدسة".(2)

 

1- صالح مسعود أبو يصير ، المرجع السابق ،صفحه 395-397.

2-عزت طنوس المرجع السابق. صفحه 419-420.

  

 ملخص لأهم أسباب هزيمة الثوار (المقاومة الفلسطينية) في المعارك التي حدثت قبل دخول الجيوش العربية إلى فلسطين:(5)        

 

1.  "حيازة اليهود على أسلحة في ذلك الوقت من طائرات وسفن حربية ودبابات ومدافع وقاذفات قنابل وأسلحة رشاشة حصلوا عليها من الغرب في الوقت الذي كان فيه الثوار لا يملكون سوى البنادق القديمة وعدد من الأسلحة الرشاشة وعدد قليل من مدافع الهاون.

 

2.  وقوف القوات البريطانية وحتى يوم انسحابها بتاريخ 14/5/1948 إلى جانب اليهود في مواجهة الثوار وتسهيل عملياتهم الهجومية على المدن والقرى الفلسطينية في الوقت الذي كانت فيه هذه القوات تهاجم الثوار وتقتل بعضهم وتعتقل البعض الآخر وتصادر أسلحتهم وتفرض أقصى العقوبات على كل فلسطيني يملك قطعة سلاح.

 

3.  عدم جدية القوات العربية التي دخلت فلسطين في دعم الثوار خلال معاركهم مع اليهود وتآمر بعضها لتسهيل قيام الدولة اليهودية، وذلك بأمر من القيادات السياسية لبعض القوات العربية أو القيادات العسكرية للبعض الآخر".(5)

 

(1،3)-عزت طنوس، المرجع السابق.صفحه 410

(4،2)-صالح مسعود أبو يصير. المرجع السابق.صفحة 394،497.

 5-طلال أبو عفيفه،الاستراتيجيه الفلسطينيه من الخيار العسكري إلي خيار المفاوضات 1917-1993.الطبعة الأولي 1993. صفحه62.

 


 

الاعتداءات والمجازر الصهيونية ضد الفلسطينيين بعد قرار التقسيم

 

- "لم يسلم الفلسطينيون بعد قرار التقسيم من الإجرام الصهيوني واعتداءاته ومجازره البشعة والتي كانت تتصف بالخيانة والغدر حيث أن اليهود كانوا في بداية المعارك بينهم وبين المقاومة الفلسطينية "يهربون من الميدان ولا يبرزون إلا بزي الغدر والإرهاب حيث أنهم تفوقوا في بادئ الأمر في أعمال النسف والتدمير بقصد الفتك بالعرب وإلحاق الخسائر المادية بهم وبث الرعب في نفوسهم وقد لجأ الصهيونيون إلى المكر والخداع لتنفيذ جرائمهم كارتداء الزي العربي أو البريطاني العسكري وأهم أعمالهم الإجرامية هي : نسف السرايا القديمة في يافا (آذار) مارس 1948 وكانت مصلحة الشئون الاجتماعية تستعمل المبنى لإيواء الأيتام والمعوزين وإطعامهم وقد قتل سبعة عشر عربياً وجرح ما يزيد على المائة معظمهم من الشيوخ المقعدين والأطفال، ثم بعد ذ لك قاموا بنسف عمارة بنك باركليس في يافا، وأفضى الحادثان إلى تصديع عدد كبير من المباني المجاورة من بينها البنك العربي ودار البلدية القديمة في القدس ونسفت الهاغاناة فندق سمير اميس في حي القطمون العربي فتهدم على نزلائه وبلغ عدد الشهداء ثمانية عشر رجلاً وامرأة وزاد عدد الجرحى عن العشرين كما ألقى الإرهابيون الصهيونيون برميلاً من المتفجرات بين الجموع المحتشدة في باب الخليل بالقدس، فاستشهد عشرون عربياً وجرح ستة وثلاثون، وفي حيفا تسلل نفر من الإرهابيين اليهود بالزي العسكري البريطاني إلى عمارة فنسفوها على من المدنيين العزل ودحرج بعض الإرهابيين برميلاً مليئاً بالمواد الناسفة من قمة حي يهودي على مرتفع في حيفا على حي العباسية العربي فاستشهد عدد كبير من العرب العزل معظمهم من النساء والأطفال وفي اليوم التالي كان سكان الحي قد هجروه تماماً لوقوعه تحت الحي اليهودي مباشرة ولافتقاره إلى وسائل الدفاع".(1 

 

1-احمد طربين،المرجع صفحه 1088.السابق.

 

"ولقد زادت وتيرة الاعتداءات والمجازر الصهيونية بشكل يوحي بمدى خطورة الوضع عندما "بدلت حكومة الولايات المتحدة رأيها في مشروع التقسيم وأصبحت تفضل دعم اتفاق الوصايا الذي توضع فيه فلسطين تحت انتداب الولايات المتحدة، وذلك بسبب الاضطرابات الدامية، التي أثارتها توصية التقسيم وقد أيد هذا البيان الكثير من الدول".

 

- " هنا قرر الصهيونيون لإحباط كل محاولة يقوم بها مجلس الأمن الدولي قد تبطل أو ترجئ مفعول قرار التقسيم أن يجابهوا الأمم المتحدة بالأمر الواقع اعتباراً من مطلع شهر نيسان/ إبريل، حيث بدأ اليهود هجوماً عاماً يتمثل في (عملية نخشون من مخطط داليت) وذلك بحركتين:

- الأولى من تل أبيب والثانية من القدس ويستخدم اليهود في هذه العمليات ولأول مرة قوات بحجم اللواء هدفها الالتقاء في سهل اللطرون وشطر فلسطين إلى شطرين مع فتح الطريق من تل أبيب إلى القدس واكتساح العشرات من القرى العربية ويوضح بن غوريون ما أسفر عنه الهجوم اليهودي بقوله:

- وفي عملية نخشون نظفت الطريق المؤدية إلى القدس في مطلع نيسان/ أبريل وتم احتلال القدس الجديدة كلها تقريباً وطرد الثوار من حيفا ويافا وطبريا وصفد بينما كان الانتداب لا يزال قائماً في البلاد وقد قامت الهاغاناة بواجبها".

 

- إذن قصد الصهيونيون من هجومهم العام أن يثبتوا للأمم المتحدة أن في مقدورهم تنفيذ التقسيم بالقوة ولذلك تصاعدت عملياتهم الحربية ونجم عنها الاستيلاء على قرية القسطل العربية" والتي سنتحدث عن هذه المعركة فيما بعد وذلك على وجه التفصيل.

 

- "وفي الوقت نفسه وكجزء من خطة الهجوم العام بادر الصهيونيون إلى تدبير مذبحة قرية دير ياسين العربية المسالمة الواقعة في ضواحي القدس الغربية وحدثت هذه المذبحة بتاريخ 9/4/1948 وتفاصيلها:

- جاءت حملة مسلحة من عصابتي الأرغون وشيترن وأنذرت السكان الآمنين بمغادرة منازلهم خلال ربع ساعة فأذعن فريق منهم وبقى آخر فما كان من الإرهابيين إلا أن اقتحموا القرية بالمدافع والقنابل ومثلوا بالقتلى الذين بلغوا مئتين وخمسين عربياً نصفهم من النساء والأطفال". (1)

 

1-احمد طربين ،المرجع السابق.صفحه 1090-1091"لقد وضحت مجزرة دير ياسين وغيرها من المجازر الصهيونية التي حدثت فيما بعد بحق الفلسطينيين سياستهم البشعة التي كانوا يتبعونها خلال الحرب إنها "تلك السياسة "فرار العرب رعباً" بواسطة المجازر المحسوبة فهي كانت شعار الوكالة اليهودية التي خططت له من قبل مذبحة دير ياسين بزمن طويل على أن يبدأ التنفيذ في شهر نيسان (أبريل) 1948 أي قبل انتهاء الانتداب بشهر واحد".(1)

 

-"ووصف الكاتب اليهودي جون كيمحي هذه الجريمة الوحشية "بأنها أبشع وصمة في تاريخ اليهود". "وكتب مناحيم بيغن الذي تزعم الهجوم يقول: " لولا النصر في دير ياسين لما كانت هناك دولة إسرائيل".

 

-ووصف ممثل الصليب الأحمر مجزرة دير ياسين عندما زار القرية بعد المجزرة بيومين، وذلك بفعل إعاقة الصهيونيين له "بأنها مذبحة متعمدة لا مبرر لها مطلقاً سوى الزهو بالقتل والتنكيل بالعرب الآمنين".(2)

 

مذبحتا قريتي بيت الخوري ونصر الدين:

"لم تكن مجزرة دير ياسين وحدها التي أرهبت الشعب الفلسطيني ودفعته إلى الفرار من وطنه فقد تلتها مذبحتان أخريان "محسوبتان" في العاشر من نيسان (أبريل) في شمال فلسطين إذ وقع اختيار اليهود الإرهابيين على قريتي بيت الخوري ونصر الدين الواقعتين قرب طبريا لتؤديا الضريبة ذاتها فكان عدد الضحايا أقل مما كان في دير ياسين فقد ذبح 60% من أهل القريتين".(3)

 

1-عزت طنوس، المرجع السابق.صفحه 391.

2-احمد طربين، المرجع السابق. صفحه 1091.

عزت طنوس، المرجع السابق.صفحه 393-394.

 

- هدف اليهود من وراء هجماتهم علي العرب منذ نيسان\ابريل

 

"لقد لوحظ أن هجمات العدو الصهيوني في نيسان (أبريل) على الفلسطينيين شعباً ومقاومة أنها لم تعد مناوشات كما في الشهور السابقة وإنما أصبحت معارك يخوضونها لاحتلال الأراضي وإخلائها من سكانها العرب وقد خططوا لها على أن تبدأ في نيسان (أبريل) وتنتهي قبل الخامس عشر من أيار (مايو) 1948 وعلى ذلك احتلت سمخ وطبريا وأخليتا في التاسع عشر من نيسان (إبريل) وحيفا في الثامن والعشرين منه ويافا في الثامن والعشرين والقطمون في القدس في الثلاثين منه" (1) و"صفد في 12 أيار (مايو)" (2) "وبيسان في الحادي منه " (3)"وعكا في السادس عشر منه"(4).

 

 

 


 

 

إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين

 

 

- " أعلنت بريطانيا عن عزمها على الانسحاب من فلسطين دون الرجوع إلى الأمم المتحدة أو التنسيق معها بحجة أنها تريد أن تنهي الانتداب، وأن تترك للأمم المتحدة حرية القرار بشأن مستقبل فلسطين السياسي، ولم يكن وضع برنامج الانسحاب البريطاني بشكل سابق على اتفاق الأمم المتحدة بشأن فلسطين قراراً اعتباطياً أو متعاوناً، لأن أبسط القوانين الدولية تؤكد أن بريطانيا قد احتفظت باحتلال فلسطين تحت ستار صك الانتداب، ولو أرادت خدمة المنظمة الدولية أو تحقيق أهداف الانتداب المعلنة فعلاً لانتظرت صدور قرار إعفائها من الانتداب، ثم نفذت خطة دولية لتطبيقه لقد قررت بريطانيا أن تنسحب بهذه الصورة لتمكن الحركة الصهيونية من تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية المتوخاة من هذا الانسحاب المبكر وغير الخاضع للتنسيق الدولي.

 

- بدأت بريطانيا في سحب قواتها من الأحياء والمناطق الخاضعة لليهود بدءاً من 19/2/1947، بينما غادرت المناطق العربية في 15/5/1948، وكان ذلك بهدف تمكين حكومة الحركة الصهيونية من ترتيب صفوفها وفرض سيطرتها على المناطق الواقعة تحت حوزتها، ولتتمكن من تعزيز قدراتها السياسية والاقتصادية والإدارية وتمهيد لفرض سيطرتها، وإقامة دولتها على أكبر مساحة من فلسطين إن لم يكن عليها بالكامل.

 

- لقد أرادت بريطانيا والحركة الصهيونية أن يفاجأ العرب بالواقع الجديد دون أن تكون لديهم القدرة على مواجهته إدارياً أو عسكرياً أو اقتصادياً، وقد كانت المعدات العسكرية البريطانية فعلاً نواة المعدات الحربية التي ساهمت في بناء الأساس الذي قامت عليه قوات الدولة الإسرائيلية فيما بعد.

 

- وإذا كانت الخطوة السابقة هي أولى خيوط مؤامرة الانسحاب، فإن الخطوة الثانية هي أن بريطانيا ظلت تسمح لقوات وعصابات الحركة الصهيونية بالتسلح حتى آخر لحظة ، بل لم تكتف بذلك حيث نجدها تسلم القوات الصهيونية مئات الآليات ومئات المدافع الثقيلة وعشرات المواقع العسكرية بكامل إمكاناتها وقدراتها القتالية بما في ذلك المطارات والمعسكرات والخطوط الدفاعية، وعلى رأسها خط استحكامات إيدن على الحدود الشرقية الشمالية لفلسطين.

 

- ولقد دربت أيضاً القوات البريطانية رجال الهاجاناة وغيرهم من عصابات الحركة الصهيونية على أساليب حرب العصابات بحجة مشاركتهم إلى جوار الخلفاء في الحرب العالمية الثانية.

 

- لقد فعلت بريطانيا كل ذلك، ولكن الأمر الأشد سوءاً وفضحاً لحقيقة المؤامرة البريطانية هو أنها رفضت السماح للعرب بالتسلح ومنعت وصول الأسلحة للمناطق العربية، بل شنت على الأحياء والمناطق العربية آلاف المداهمات والحملات التفتيشية المباغتة لجمع الأسلحة من أيدي المقاتلين الفلسطينيين ومعاقبة المسلحين منهم وقد استمر هذا الوضع على ذلك حتى آخر لحظة في عمر الانتداب البريطاني في فلسطين.

 

- وقد كان من نتيجة هذه المؤامرة أن فرضت العصابات الصهيونية سيطرتها على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية بعد سلسلة العمليات العسكرية الناجحة التي بدأت مع أوائل أبريل سنة 1948، وكان أخطر العمليات الصهيونية في ذلك الحين معركة القسطل ثم تلتها في اليوم التالي مجزرة دير ياسين ثم تواصلت الهجمات الصهيونية بالتنسيق مع القوات الإرهابية حيث سيطرت القوات اليهودية على طبريا وحيفا وصفد ويافا وبيسان وعكا وحي القطمون في القدس، وهكذا لم تكن بريطانيا تسحب آخر قواتها وقبل أن تتدخل الجيوش العربية النظامية في الصراع كان الصهاينة سيطرا على كل تلك المناطق والتي من بينها مناطق تقع تحت السيطرة العربية الفلسطينية حسب قرار التقسيم.

 

- وقد تشرد من أهل فلسطين من جراء هذه الأحداث نحو أربعمائة ألف مواطن ثم أتبعهم الصهاينة بعد ذلك بطرد مواطني اللد والرملة وبئر السبع والجليل الغربي وذلك بين مايو وأكتوبر سنة 1948" (1).

1-رياض محمود الاسطل ،تاريخ فلسطين الحديث والمعاصر. الطبعة الأولي 1998 ،صفحه-254

 

في يوم انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين:

- " أعلن اليهود قيام دولتهم إسرائيل في الخامس عشر من مايو (أيار) 1948 وسرعان ما اعترف "ترومان" رئيس الولايات المتحدة بهذه الدولة التي أقيمت في الأرض العربية وبعيد مضى دقائق على هذا الإعلان، وأصبح لليهود كيان دولي مفروض اغتصبوا من أجله الأرض وحاربوا في سبيله شعباً عريقاً في عقر داره وبدأت إخطارهم تقترب من جميع البلدان العربية المجاورة".

 

 

 


 

 

حكومة عموم فلسطين

 

 

عندما أعلنت بريطانيا عن نيتها التخلي عن انتدابها على فلسطين، ثم أحالت قضيتها على الأمم المتحدة، أدركت القيادة الفلسطينية، ممثلة آنذاك بالهيئة العربية العليا لفلسطين بزعامة الحاج أمين الحسيني، أهمية التهيؤ لهذا الحدث واستباقه بإيجاد إطار دستوري يملا الفراغ الذي سوف ينجم عن انتهاء الانتداب البريطاني. وقد تأكدت هذه الأهمية، بل الضرورة، في أعقاب إعلان النتائج التي توصلت إليها انسكوب، وبعد أن أتضح أن الأمم المتحدة تتجه نحو تقسيم فلسطين، كذلك بعد أن تبين أن المشروعات الفلسطينية التي قدمتها الهيئة العربية العليا في إطار الأمم المتحدة لن ترى النور.

 

وكان الإطار الدستوري الذي يسد هذا الفراغ المتوقع هو إقامة حكومة عربية فلسطينية، وهو مشروع اقترحه أمين الحسيني على مجلس الجامعة العربية الذي عقد في عالية في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 1947 على مستوى رؤساء الحكومات. وقد حضر الحسيني، الذي لم توجه له دعوة، المؤتمر في يومه الثاني. وعلى الرغم من أن حضور نفسه قد ووجه بمعارضة، فقد تقدم ببيان حاول فيه أن يقنع المؤتمرين بإقامة حكومة عربية فلسطينية، إلا أن ممثلي العراق والأردن رفضا الاقتراح "بدعوى أن زعامة المفتي ستواجه بمعارضة واسعة النطاق في العالم".

 

وقد تأكد مثل هذا الموقف بعد صدور قرار التقسيم، إذ طلبت الهيئة العربية العليا من جامعة الدول العربية، في أوائل شباط (فبراير 1948) ، الموافقة على إنشاء حكومة فلسطينية تتولى شؤون الإدارة العامة عند انتهاء الانتداب في 15 أيار (مايو) 1948 وقد اقترحت الهيئة، استناداً إلى ما تتمتع به من ثقة الشعب الفلسطيني والى حقها في التحدث باسمه، ذلك باعتراف الانتداب البريطاني وهيئة الأمم المتحدة، اقترحت قيام نظام مؤقت في البلاد باسم الإدارة الفلسطينية العامة، تتألف من الهيئة العربية العليا لفلسطين، معلنة بذلك استقلال فلسطين كدولة ديمقراطية، وذلك في الخامس عشر من أيار (مايو)1948، وتتولى إدارة البلاد متمتعة بجميع السلطات التي تتمتع بها الحكومات الديمقراطية المستقلة، وفقا لدستور يتم إقراره. وتكون مهمة الإدارة الفلسطينية العامة المحافظة على الأمن والنظام، وتامين حقوق السكان ومصالحهم، وتوفير أسباب السلام والطمأنينة لهم، وتسيير الخدمات العامة والدوائر الرسمية، وتعمل على احترام حقوق الأقليات ومصالحها، وعلى المحافظة على حرية العبادة والشعائر الدينية لجميع الطوائف، وعلى حماية الأماكن المقدسة، على اختلافها، وتأمين زيارتها للجميع. وعند توفر الفرصة المناسبة، ستدعى البلاد إلى انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور لدولة ديمقراطية مستقلة، يتم خلالها اختيار نوع الحكم.

 

إلا أن جامعة الدول العربية لم توافق على المشروع، فجددت الهيئة مطالبتها مرة أخرى، في نيسان (ابريل) من العام نفسه، و تكرر رفض الجامعة.

 

وبذلك قامت الحرب في فلسطين وانتهى الانتداب البريطاني عليها، دون أن يكون هناك تصور واضح، من وجهة نظر عربية، لما سوف تكون عليه فلسطين المستقبل ودون أن يكون هناك مشروع محدد للشكل الدستوري لفلسطين، والاهم من ذلك، دون أن يجري التفكير في إعطاء الكيان الفلسطيني صفة قانونية دولية. ولم يمثل إعلان اليهود قيام دولتهم ليلة انتهاء الانتداب حافزا لإعلان قيام دولة عربية فلسطينية من الجانب العربي. وكان أقصى ما تم التوصل إليه في هذه المرحلة هو إنشاء إدارة مدنية، غير سياسية، مؤقتة، لتسيير الشؤون العامة، والخدمات الضرورية،على ألا يكون من  اختصاصها، في الوقت الحاضر، أن تتدخل في الشؤون السياسية العليا لفلسطين.

 

وكان نص القرار كالتالي:

1. تشكيل إدارة مدنية من عشرة أعضاء.

 

2. تنحصر مهمة هذه الإدارة في الشؤون المدنية العامة.

 

3. تسترشد هذه الإدارة بتوجيهات الجامعة العربية والهيئة العربية العليا، ويعين مديرها بناء على اتفاق بينهما.

 

4. تضم الإدارة العامة الدوائر التالية: المالية والعدلية والصحة والمواصلات والشؤون الاجتماعية والإدارة العامة والاقتصاد الوطني والأمن العام والرعاية والنشر،وبناء على هذا القرار عين احمد حلمي عبد الباقي في منصب رئاسة المجلس والشؤون الإدارية العامة.

 

ورغم أن هذه الإدارة تنقص من دور الفلسطينيين ومن حقهم في تشكيل دولتهم، فإنها لم تر النور، لتجدد المعارك بين العرب واليهود بدءاً من 9/7/1948م... ومن هنا كان على  الهيئة العربية أن تجدد مطالبها مرة أخرى، حيث تقدمت للجامعة العربية، في سبتمبر من نفس العام، بطلب إقامة الحكومة الفلسطينية، وبناء على ذلك تمت مداولات عديدة بين الهيئة العربة العليا وبين اللجنة السياسية في الجامعة العربية- رغم معارضة حكومة الملك عبد الله للطلب- وانتهى الأمر بالموافقة على إنشاء حكومة لفلسطين، تكون مسؤولة أمام مجلس نيابي، على أن تكون الإدارة المدنية، سابقة الذكر، بمثابة حكومة مؤقتة إلى أن يتم تشكيل مجلس وطني يمثل الأمة.

 

غير أن مسالة الحكومة العربية الفلسطينية، أصبحت ضرورة ملحة عشية الدورة الجديدة للجمعية العامة لهيئة الأمم  في خريف عام 1948، من اجل تمثيل فلسطين في اجتماعاتها. وقد تبنت الهيئة العربية من اجل كسب تأييدها. وفي 23/9/1948 أعلن في غزة عن تشكيل حكومة عموم فلسطين. وقام رئيسها احمد حلمي عبد الباقي بإبلاغ ذلك إلى الحكومات العربية والىالامين العام للجامعة العربية، كما أذيع بيان إلى الشعب العربي الفلسطيني باسم الحكومة الجديدة، وطلب منه التعاون مع حكومته الوطنية.

 

ضمت حكومة عموم فلسطين كلا من احمد حلمي عبد الباقي رئيسا،وجمال الحسيني، ورجائي الحسيني، وعوني عبد الهادي، وأكرم زعيتر، والدكتور حسين فخري الخالدي، وعلى حسنة، وميشيل ابكاريوس، ويوسف صهيون،وأمين عقل أعضاء، وكان معظم هؤلاء قد سبق تسميتهم لمجلس الإدارة المدنية الفلسطينية السابق.

 

وبالرغم من تفهم الحكومات العربية ضرورة قيام الحكومة الجديدة وموافقتها على ذلك (وفي ذلك موافقة ممثل الأردن في الجامعة العربية)، إلا إن الملك عبد الله قاوم إنشاء الحكومة الجديدة، وتطورت مقاومته لها إلى حملة عنيفة ضد الحكومة الجديدة، وقد حاولت الجامعة العربية الوساطة، وقام رئيس وزراء لبنان رياض الصلح بالسعي لرأب الصدع، غير أن الملك عبد الله لم يغير موقفه.

 

إزاء موقف الملك عبد الله هذا قررت الهيئة العربية العليا والحكومة الجديدة، الدعوة إلى مجلس وطني فلسطيني لتأكيد شرعية الحكومة وإظهار تأييد الشعب العربي الفلسطيني لها. وقد انعقد المؤتمر في 1/10/1948 في غزة برئاسة الحاج محمد امين الحسيني، وحضرته جمهرة كبيرة من الشخصيات الفلسطينية. وقد تم الإعلان عن شرعية الحكومة الجديدة، كما تقرر إعلان استقلال فلسطين وإقامة دولة حرة ديمقراطية ذات سيادة. ورسم الإعلان حدود فلسطين، وهي الحدود الدولية مع سورية ولبنان شمالا،  مع شرق الأردن شرقا، والبحر الأبيض المتوسط غربا، ومع مصر جنوبا، وشجب المؤتمر محاولة اليهود إنشاء دولة في الأراضي المغتصبة، واقر أيضا دستورا مؤقتا لفلسطين، وعقد قرض لا يزيد عن خمسة ملايين جنيه.

 

وسعى الملك عبد الله من جانبه إلى عقد مؤتمر فلسطيني أخر في عمان  برئاسة الشيخ سليمان التاجي الفاروقي في اليوم ذاته الذي انعقد فيه مؤتمر غزة، حيث انكر المجتمعون في عمان، على المؤتمرين في غزة، تمثيل الشعب الفلسطيني، وعقد الملك مؤتمرا ثانيا في أريحا بتاريخ 1/12/1948 برئاسة الشيخ محمد علي الجعبري رئيس بلدية الخليل تم الإعلان فيه عن وحدة الأراضي الفلسطينية والأردنية، ومبايعة عبد الله ملكا على فلسطين. وفي أواخر كانون الأول من العام نفيه، جمع الملك شمل مؤتمر ثالث في رام الله أيد فيه المؤتمرون قرارات مؤتمر أريحا كما دعوا إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتنفيذ تلك القرارات. وقد صاحب المؤتمرات التي جمعها الملك عبد الله، جولات قام بها الملك في أنحاء من فلسطين اخذ خلالها البيعة لنفسه، وبلغت الحكومات العربية والأمانة العامة للجامعة العربية، نتائج تلك المؤتمرات.

 

أثار موقف الملك عبد الله المشار إليه معارضة جديدة في الأوساط العربية والفلسطينية الرسمية والشعبية، مما أدى إلى تعليق القضية حتى نيسان 1950.

 

وعلى أية حال، نالت حكومة عموم فلسطين اعتراف الحكومات العربية آنذاك باستثناء شرق الأردن، ودعيت حكومتها إلى حضور مجلس الجامعة العربية المنعقد في 30/10/1948 وأحيلت إليها بعض القضايا لكي تمارس صلاحياتها فيها.

 

باشر رئيس المجلس الوطني بالتعاون مع الحكومة، العمل القومي وإعداد الفلسطينيين لاستئناف الجهاد. وفي خضم الجهود التي كانت تبذل في هذا السبيل، جرت اتصالات بين جامعة الدول العربية وحكومة عموم فلسطين للبحث في حلول للقضية، ولعدم خلق أجواء تعطي الأعداء الفرصة للقيام بأعمال عدوانية ضد العرب. لكن الفلسطينيين رفضوا حتى مجرد البحث في حلول لقضية فلسطين، وأعلنوا تمسكهم المطلق بالدستور المؤقت وبقرار إعلان استقلال فلسطين اللذين أصدرهما المجلس الوطني في 1/10/1948.

 

وبعد أيام قليلة مرت على بدء الفلسطينيين الإعداد، وحشد المجاهدين، تدخلت السلطات الملكية المصرية فنقلت المفتي بالقوة إلى القاهرة، وأجبرت عددا من أعضاء المجلس الوطني على مغادرة غزة إلى القاهرة. وظل رئيس الحكومة وأعضاؤها في غزة، ولكن السلطات المصرية لم تلبث أن أكرهتهم على الانتقال إلى مصر.

 

وبقيت الحكومة قائمة في مصر، دون أن تستطيع  القيام بأي من الأعمال المنوطة بها، لاسيما في الحقل السياسي. في حين فرضت السلطات المصرية حصارا على دار الهيئة العربية العليا في القاهرة، ووضعت المفتى تحت رقابة شديدة حرمته من حرية العمل والتنقل.

 

وخلال المدة التي بقيت الحكومة فيها قائمة لم تدخل في أية مباحثات أو مفاوضات لحل قضية فلسطين، وظلت متمسكة بالدستور وبقرار المجلس الوطني الذي أكد استقلالها، ولم تقدم حكومة عموم فلسطين أي مشروع لحل القضية، إذ كان الرأي مستقرا على وجوب تحرير فلسطين كلها واستعادتها كاملة كما كانت قبل 15/5/1948.

 

لم تعترف منظمة الأمم المتحدة بحكومة عموم فلسطين، فكان ذلك ضربة لها في المجال الدولي، وكان لموقف الملك عبد الله منها تأثيره المباشر على وضعها عموما، وعلى موقف الحكومات العربية منها فيما بعد، كذلك أدى تطور الأحداث في فلسطين إلى إضعاف دورها في المحافل العربية، وقد حاولت حكومة عموم فلسطين رأب الصدع بينها وبين الملك عبد الله، فتقرر، لأجل ذلك، إيفاد رئيسها احمد حلمي عبد الباقي ، ووزير خارجيتها جمال الحسيني إلى عمان، لكن لم يحصل تقدم يذكر، وهكذا شهدت الأيام التالية استقالة قسم من أعضائها، وانقطاع الآخرين عن حضور اجتماعاتها.

 

ولم تعد حكومة عموم فلسطين غير هيئة شكلية استمرت في وجودها لاعتبارات سياسية، فقد ظلت تبعث بممثلين عنها لحضور اجتماعات مجلس الجامعة العربي، واستمرت الجامعة من جانبها في تقرير موازنة الحكومة، وتامين نفقاتها على امتداد الخمسينات ومطلع الستينات، وحتى حلول منظمة التحرير الفلسطينية محلها.

 

 


 

 

إعلان قيام دولة إسرائيل

 

انسحبت بريطانيا من فلسطين في 14 مايو/ أيار 1948، وأعلن ديفد بن غوريون في اليوم نفسه قيام الدولة الإسرائيلية وعودة الشعب اليهودي إلى ما أسماه أرضه التاريخية. وفيما يلي نص إعلان الدولة.

 

"أرض إسرائيل هي مهد الشعب اليهودي، هنا تكونت شخصيته الروحية والدينية والسياسية، وهنا أقام دولة للمرة الأولى، وخلق قيما حضارية ذات مغزى قومي وإنساني جامع، وفيها أعطى للعالم كتاب الكتب الخالد.

 

بعد أن نفي عنوة من بلاده حافظ الشعب على إيمانه بها طيلة مدة شتاته، ولم يكف عن الصلاة أو يفقد الأمل بعودته إليها واستعادة حريته السياسية فيها.


سعى اليهود جيلا تلو جيل مدفوعين بهذه العلاقة التاريخية والتقليدية إلى إعادة ترسيخ أقدامهم في وطنهم القديم، وعادت جماهير منهم خلال عقود السنوات الأخيرة.. جاؤوا إليها روادا ومدافعين، فجعلوا الصحارى تتفتح وأحيوا اللغة العبرية وبنوا المدن والقرى، وأوجدوا مجتمعًا ناميا يسيطر على اقتصاده الخاص وثقافته.. مجتمعاً يحب السلام لكنه يعرف كيف يدافع عن نفسه، وقد جلب نعمة التقدم إلى جميع سكان البلاد وهو يطمح إلى تأسيس أمة مستقلة.

 

انعقد المؤتمر الصهيونى الأول في سنة 5657 عبرية (1897 ميلادية) بدعوة من ثيودور هرتزل الأب الروحي للدولة اليهودية، وأعلن المؤتمر حق الشعب اليهودي في تحقيق بعثه القومي في بلاده الخاصة به.

 

واعترف وعد بلفور الصادر في 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 بهذا الحق، وأكده من جديد صك الانتداب المقرر في عصبة الأمم، وهي التي منحت بصورة خاصة موافقتها العالمية على الصلة التاريخية بين الشعب اليهودي وأرض إسرائيل واعترافها بحق الشعب اليهودي في إعادة بناء وطنه القومي.

 

وكانت النكبة التي حلت مؤخرا بالشعب اليهودي وأدت إلى إبادة ملايين اليهود في أوروبا دلالة واضحة أخرى على الضرورة الملحة لحل مشكلة تشرده عن طريق إقامة الدولة اليهودية في أرض إسرائيل من جديد.. تلك الدولة التي سوف تفتح أبواب الوطن على مصراعيه أمام كل يهودي، وتمنح الشعب اليهودي مكانته المرموقة في مجتمع أسرة الأمم حيث يكون مؤهلا للتمتع بكافة امتيازات تلك العضوية في الأسرة الدولية.

 

لقد تابع الذين نجوا من الإبادة النازية في أوروبا وكذلك سائر اليهود في بقية أنحاء العالم عملية الهجرة إلى أرض إسرائيل غير عابئين بالصعوبات والقيود والأخطار، ولم يكفوا أبدا عن توكيد حقهم في الحياة الحرة الكريمة وحياة الكدح الشريف في  وطنهم القومي.

 

وساهمت الجالية اليهودية في هذه البلاد خلال الحرب العالمية الثانية بقسطها الكامل في الكفاح من أجل حرية وسلام الأمم المحبة للحرية والسلام وضد قوى الشر والباطل النازية. ونالت بدماء جنودها ومجهودها في الحرب حقها في الاعتبار ضمن مصاف الشعوب التي أسست الأمم المتحدة.

 

أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1947 مشروعا يدعو إلى إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل. وطالبت الجمعية العامة سكان أرض إسرائيل باتخاذ الخطوات اللازمة من جانبهم لتنفيذ ذلك القرار. إن اعتراف الأمم المتحدة هذا بحق الشعب اليهودي في إقامة دولة هو اعتراف يتعذر الرجوع عنه أو إلغاؤه.

 

إن هذا هو الحق الطبيعي للشعب اليهودي في أن يكون سيد نفسه ومصيره مثل باقي الأمم في دولته ذات السيادة.

 

وبناء عليه نجتمع هنا نحن أعضاء مجلس الشعب ممثلي الجالية اليهودية في أرض إسرائيل والحركة الصهيونية في يوم انتهاء الانتداب البريطاني على أرض إسرائيل. وبفضل حقنا الطبيعي والتاريخي وبقوة القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، نجتمع لنعلن بذلك قيام الدولة اليهودية في أرض إسرائيل والتي سوف تدعى "دولة إسرائيل".

 

ونعلن أنه منذ لحظة انتهاء الانتداب هذه الليلة عشية السبت في السادس من مايو (أيار) سنة 5708 عبرية (الموافق الخامس عشر من مايو سنة 1948 ميلادية) وحتى قيام سلطات رسمية ومنتخبة للدولة طبقا للدستور الذي تقره الجمعية التأسيسية المنتخبة في مدة لا تتجاوز أول أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1948.. منذ هذه اللحظة سوف يمارس مجلس الشعب صلاحيات مجلس دولة مؤقت وسوف يكون جهازه التنفيذي الذي يدعى "إسرائيل".

 

وسوف تفتح دولة إسرائيل أبوابها أمام الهجرة اليهودية لتجميع شمل المنفيين، وسوف ترعى تطور البلاد لمنفعة جميع سكانها دون تفرقة في الدين أو العنصر أو الجنس.

 

وسوف تضمن حرية الدين والعقيدة واللغة والتعليم والثقافة، وسوف تحمى الأماكن المقدسة لجميع الديانات وسوف تكون وفية لمبادئ الأمم المتحدة.

 

إن دولة إسرائيل مستعدة للتعاون مع وكالات الأمم المتحدة وممثليها على تنفيذ قرار الجمعية العامة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1947، وسوف تتخذ الخطوات الكفيلة بتحقيق الوحدة الاقتصادية لأرض إسرائيل بكاملها.

 

وإننا نناشد الأمم المتحدة أن تساعد الشعب اليهودي في بناء دولته، ونحن نستقبل دولة إسرائيل في مجتمع أسرة الأمم.

 

ونناشد السكان العرب في دولة إسرائيل وسط الهجوم الذي يشن علينا ومنذ شهور أن يحافظوا على السلام، وأن يشاركوا في بناء الدولة على أساس المواطنة التامة القائمة على المساواة والتمثيل المناسب في جميع مؤسسات الدولة المؤقتة والدائمة.

 

إننا نمد أيدينا إلى جميع الدول المجاورة وشعوبها عارضين السلام وحسن الجوار، ونناشدهم إقامة روابط التعاون والمساعدة المتبادلة مع الشعب اليهودي صاحب السيادة والمتوطن في أرضه. إن دولة إسرائيل على استعداد للإسهام بنصيبها في  الجهد المشترك لأجل تقدم الشرق الأوسط بأجمعه.

 

وإننا نناشد الشعب اليهودي في جميع أنحاء المنفى الالتفاف حول يهود أرض إسرائيل ومؤازرتهم في مهام الهجرة والبناء والوقوف إلى جانبهم في الكفاح العظيم  لتحقيق الحلم القديم.. ألا وهو خلاص إسرائيل.

 

إننا نضع ثقتنا في الله القدير ونحن نضيف توقيعنا على هذا الإعلان خلال هذه الجلسة لمجلس الدولة المؤقت على على أرض الوطن في مدينة تل أبيب عشية هذا السبت اليوم الخامس من مايو (أيار) سنة 5708 عبرية (الموافق الرابع عشر من مايو 1948)."

 

 


 

 

 

إعلان الاستقلال

 

بتاريخ الرابع عشر من أيار / مايو عام 1948 - الموافق الخامس من شهر أيار العبري عام 5708 حسب التقويم العبري أعلن أعضاء مجلس الشعب عن قيام الدولة. من الممكن تقسيم وثيقة الاستقلال إلى أربعة أقسام : القسم الذي يصف تاريخ الشعب اليهودي وكفاحه من أجل استئناف حياته السياسية وتحقيق الاعتراف الدولي بحقه هذا / القسم التنفيذي الذي يعلن تأسيس الدولة / القسم الذي يعلن الخطوط العامة التي تنتهجها دولة إسرائيل, ودعوة كل من الأمم المتحدة وسكان الدولة العرب, الدول العربية, واليهود في المنفى.

 

على الرغم من أن هذا الإعلان ليس بمثابة قانون أو مستمسك قضائي عادي إلا أن له مفعول قضائي إذا أن القسم الأول والثالث منه قد استخدمتها المحكمة العليا لأهداف تفسيرات معيارية . أما القسم الثاني فيشكل أول مصدر لتخويل الصلاحية في نظام الأحكام الإسرائيلي.

 

هناك من مال إلى اعتبار وثيقة الاستقلال وخاصة قسمها التصريحي  دستورا , لكن المحكمة العليا قررت بسلسلة من القرارات بأنه لا يوجد لهذا التصريح مفعول الدستور وهو ليس بمثابة قانون فوقي يمكن بواسطته إلغاء القوانين والأنظمة التي تناقضه.

 

 إعلان إقامة دولة إسرائيل

" نشأ الشعب اليهودي في أرض إسرائيل , وفيها أكتملت صورته الروحانية والدينية والسياسية , وفيها عاش حياة مستقلة في دولة ذات سيادة , وفيها أنتج ثرواته الثقافية والقومية والانسانية وأورث العالم أجمع كتاب الكتب الخالد . وعندما أجلي الشعب اليهودي عن بلاده بالقوة , حافظ على عهده لها وهو في بلاد مهاجره بأسره ولم ينقطع عن الصلاة والتعلق بأمل العودة إلى بلاده واستئناف حريته السياسية فيها .

 

وبدافع هذه الصلة التاريخية التقليدية أقدم اليهود في كل عصر على العودة إلى وطنهم القديم والاستيطان فيه , وفي العصور الأخيرة أخذوا يعودون إلى بلادهم بآلاف مؤلفة من طلائعيين ولاجئين ومدافعين , فأحيوا القفار وبعثوا لغتهم العبرية وشيدوا القرى والمدن وأقاموا مجتمعها آخذا في النمو شيد اقتصادياته وثقافته ينشد السلام ويدافع عن دياره ويزف بركة التقدم إلى جميع سكان البلاد متطلعا إلى الاستقلال الدولي .  

 

وفي عام 5657 عبرية للخليقة الموافق عام 1897 ميلادية عقد المؤتمر الصهيوني تلبية لنداء صاحب فكرة الدولة اليهودية ثيودور هرتسل وأعلن حق اليهود في النهضة الوطنية في بلادهم .

 

وقد أعترف بهذا الحق في تصريح بلفور في اليوم الثاني من شهر تشرين الثاني عام 1917 . وتمت المصادقة على هذا الحق في صك الانتداب الصادر عن عصبة الأمم والذي أكسب بصفة خاصة مفعولية دولية للصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بأرض إسرائيل ولحق الشعب اليهودي في إعادة تشييد وطنه القومي .

 

 إن الكارثة التي حلت باليهود في الآونة الأخيرة والتي كان من ضحاياها الملايين من يهود أوروبا . إن هذه الكارثة قد عادت وأثبتت بالفعل ضرورة حل مشكلة الشعب اليهودي المحروم من الوطن والاستقلال باستئناف الدولة اليهودية في أرض إسرائيل لتفتح باب الوطن على مصراعيه من أجل كل يهودي وتؤمن للشعب اليهودي حياة أمة متساوية الحقوق مع سائر الأمم في العالم .

 

إن البقية الباقية التي أنقذت من المجزرة النازية الفظيعة في أوروبا مع يهود سائر البلدان لم يكفوا عن اللجوء إلى أرض إسرائيل رغم جميع الصعوبات والعراقيل والأخطار . ولم ينقطعوا عن المطالبة بحقهم في حياة من الكرامة والحرية والعمل الشريف في وطنهم .

 

وفي الحرب العالمية الثانية ساهم المجتمع اليهودي في أرض إسرائيل بنصيبه كامل في نضال الأمم نصيرة الحرية والسلام ضد قوى الظلم النازية , وقد اكتسب اليهود بدماء جنودهم وبجهودهم الحربية حق اعتبارهم من الشعوب التي وضعت الأسس لميثاق الأمم المتحدة .

 

وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 1947 اتخذت الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة قرارا ينص على إقامة دولة يهودية في فلسطين وطالبت الجمعية العمومية للأمم المتحدة أهالي فلسطين باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتنفيذ هذا القرار بأنفسهم .

 

إن اعتراف الأمم المتحدة بحق الشعب اليهودي في إقامة دولته غير قابل للإلغاء . إنه لمن الحق الطبيعي للأمة اليهودية في أن تكون أمة مستقلة في دولتها ذات السيادة مثلها في ذلك مثل سائر أمم العالم .  

 

وعليه فقد  اجتمعنا نحن أعضاء مجلس الشعب . ممثلو المجتمع اليهودي في البلاد والحركة الصهيونية في يوم انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين . وبحكم حقنا الطبيعي والتاريخي بمقتضى قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة , نعلن عن إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل في " دولة إسرائيل " .

 

وإننا لنقرر أنه ابتداء من اللحظة التي ينتهي فيها الانتداب الليلة , ليلة 6 أيار عام 5708 عبرية , الموافق 15 أيار عام 1948 ميلادية , وإلى أن تقام سلطات الدولة المنتخبة والنظامية طبقا للدستور الذي يضعه المجلس التأسيسي المنتخب في موعد لا يتأخر عن مطلع شهر تشرين الأول عام 1948 , يقوم مجلس الشعب مقام مجلس الدولة الموقت وتكون هيئته التنفيذية . أي الإدارة الشعبية - هي الحكومة الموقتة للدولة اليهودية التي تسمى إسرائيل .

 

تكون دولة إسرائيل مفتوحة الأبواب للهجرة اليهودية ولجمع الشتات , تدأب على ترقية البلاد لصالح سكانها جميعا وتكون مستندة إلى دعائم الحرية والعدل والسلام مستهدية بنبوءات أنبياء إسرائيل . نقيم المساواة التامة في الحقوق اجتماعيا وسياسيا بين جميع رعاياها من غير تغيير في الدين والعنصر والجنس وتؤمن حرية الأديان والضمير والكلام والتعليم والثقافة وتحافظ على الأماكن المقدسة لدى كل الديانات وتكون أمينة لمبادىء ميثاق الأمم المتحدة .

 

إن دولة إسرائيل لمستعدة للتعاون مع مؤسسات وممثلي الأمم المتحدة على تنفيذ قرار الجمعية العمومية الصادر بتاريخ 29 تشرين الثاني عام 1947 . وللعمل على إنشاء اتحاد اقتصادي يشمل أرض إسرائيل برمتها .

 

إننا نناشد الأمم المتحدة أن تمد يد المساعدة للشعب اليهودي في تشييد دولته وقبول دولة إسرائيل ضمن أسرة الأمم . إننا ندعو أبناء الشعب العربي سكان دولة إسرائيل - رغم الحملات الدموية علينا خلال شهور - إلى المحافظة على السلام والقيام بنصيبهم في إقامة الدولة على أساس المساواة التامة في المواطنة والتمثيل المناسب في جميع مؤسساتها المؤقتة والدائمة .

 

إننا نمد يد السلام وحسن الجوار لجميع البلدان المجاورة وشعوبها وندعوهم إلى التعاون مع الشعب اليهودي المستقل في بلاده , وإن دولة إسرائيل مستعدة لأن تساهم بنصيبها في مجهود مشترك لرقي الشرق الأوسط بأسره .

 

إننا ندعو الشعب اليهودي في جميع مهاجره إلى التكاتف والالتفاف حول يهود هذه البلاد في الهجرة والبناء والوقوف إلى جانبهم في كفاحهم العظيم لتحقيق أمنية الأجيال وهي - تحرير إسرائيل .

 

إننا بعد الاعتماد عليه سبحانه وتعالى , نثبت تواقيعنا على هذا الإعلان في اجتماع مجلس الدولة الموقت في أرض الوطن , في مدينة تل أبيب اليوم , يوم الجمعة الخامس من شهر أيار عام 5708 عبرية الموافق الرابع عشر من شهر أيار عام 1948 م " .

 

 ملاحظة: ننشرنا إعلان الدولة العبرية وإعلان الاستقلال ووثيقة الاستقلال هنا لأغراض التوثيق التاريخي بصرف النظر عما يعتريهم من تشويه متعسف للتاريخ والجغرافيا.

 

 

المصدر:

وثائق فلسطين، دائرة الثقافة، منظمة التحرير الفلسطينية، 1987.

 

 


 

 

قيام دولة إسرائيل والمرحلة الجديدة في تطور القضية الفلسطينية

 

 

لم ينفذ قرار التقسيم حسب نصوصه وذلك على أثر التطورات التي أعقبت هذا القرار والتي كانت معالمها:

أ‌. نشوب حرب فلسطين عام 1948 وقيام دولة إسرائيل على مساحة أوسع من المساحة التي حددها قرار التقسيم.

ب‌. تحول الشعب العربي الفلسطيني بأكثريته إلى لاجئين انتشروا في الأقطار العربية أو تجمعوا في المناطق العربية الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة).

ت‌. حرمان الشعب العربي الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير في المناطق التي بقيت خارج حدود إسرائيل وبالتحديد الضفة الغربية (التي ضمتها شرق الأردن) وقطاع غزة (الذي سيطرت عليه مصر).

ث‌. نجاح دولة شرق الأردن، الدمية البريطانية برئاسة الملك عبد الله في ضم الضفة الغربية وإعلان قيام المملكة الأردنية الهاشمية.

ج‌. اتساع القضية الفلسطينية حين تحولت أيضاً إلى أزمة علاقات دولية بين إسرائيل والدول العربية أو نزاعاً عربياً إسرائيلية.. ففي أوضاع التضامن العربي تدخلت الدول العربية في الأزمة عسكرياً.. وبذلك انخرطت في القضية وأصبحت طرفاً من أطرافها.

 

أما العوامل التي قادت إلى هذه النتائج فكانت كما يأتي:

 

1.  تآمر الإمبريالية وتناقضاتها:

 فالدولتان الامبرياليتان الولايات المتحدة وبريطانيا في موقفهما من القرار انطلقتا من مواقع متناقضة، في سبيل تحقيق أهدافها. فبريطانيا التي لم تؤيد قرار التقسيم وزعمت أنها ترفض المساهمة في تنفيذ قرار لا يوافق عليه الطرفان، سعت إلى تقسيم إقليمي يمهد إلى ضم المناطق العربية الفلسطينية لمملكة شرق الأردن فذلك يخلق قاعدة أقوى لتنفيذ المخطط البريطاني ـ سوريا الكبرى (توحيد سوريا ولبنان ودولة الأردن المتوقعة) الذي اعتقدت الإمبريالية البريطانية أنه يوطد مواقعها في المنطقة إزاء الهجوم الإمبريالي الأمريكي.. ويجهض حركة التحرر القومي العربية. ولهذا أيدت بريطانيا تدخل الجيش الهاشمي في حرب فلسطين ولكنها في الوقت ذاته رسمت خطوط هذا التدخل في إطار مشروعها الاستراتيجي ولم تسمح بامتداده خارج تلك الحدود. وأما الإمبريالية الأمريكية فأيدت قادة إسرائيل إستراتيجياً، وبعد إعلان الدولة، تصدت لمناورات بريطانيا في تدعيم مواقع عملائها العرب. وقد استخدمت الولايات المتحدة نفوذها في الدول العربية (في مصر حيث كانت قد كسبت مواقع هامة في القصر) لتحبط مشاريع بريطانيا وذلك بتشجيع معارضة حكام مصر والسعودية لمخطط الملك عبد الله ضم المناطق العربية الفلسطينية إلى دولته. ومن أبرز أمثلة هذا الصراع تأييد بريطانيا مشروع الوسيط الدولي برنادوت الذي نص على توحيد المناطق العربية الفلسطينية وشرق الأردن، وعلى ضم النقب إلى الدولة الجديدة.. وقد قاومت الولايات المتحدة بشدة ضم النقب إلى الأردن.

وهكذا قامت الدولتان الامبرياليتان الولايات المتحدة وبريطانيا بدور خطير في تأجيج الحرب وبذلك كل منهما مجهودات جبارة لتكون نتائجها متفقة مع مصالحها في المنطقة ـ الآنية والمستقبلية.

 

2. أطماع الصهيونية وتطلعاتها القومية التوسعية:

لقد وافقت القيادة الصهيونية على قرار التقسيم. وفي تصريحه ـ إعلان الاستقلال ـ دعت عرب البلاد إلى التعاون والسلام. ولكنها في ممارستها اليومية انطلقت من منطلقين:

أ‌. إخلاء الدولة اليهودية من المواطنين العرب بالمساهمة الفعلية في عملية التشريد (دير ياسين.. وعمليات الطرد العسكرية..).

ب‌. الاتفاق مع الملك عبد الله وبذلك تحقيق الأطماع الصهيونية في التوسع الإقليمي.. فقدرة الملك عبد الله كانت محدودة.. ولهذا كان مستعداً على الاتفاق مع القادة الإسرائيليين بدون اعتبار مصالح الشعب العربي الفلسطيني.

وقد ظهرت هذه الممارسة المزدوجة في ملاحقة وقمع القوى العربية التقدمية التي أيدت قرار التقسيم ـ في المناطق العربية التي احتلتها إسرائيل وبالتحديد في الجليل. فالسلطات الإسرائيلية أما طردت تلك القوى عبر الحدود وأما زجتها في المعتقلات. وفقط بعد اتفاقيات الهدنة وكفاح القوى التقدمية اليهودية أفرج عن تلك القوى.

 

3. أطماع الرجعية العربية وتناحرها:

لقد نشبت حرب فلسطين عام 1948 في ظرف احتدم فيها التناحر بين مجموعتين من المحافل الحاكمة في الدول العربية المجاورة لفلسطين أو المتورطة في قضيتها. المجموعة الهاشمية (العراق وشرق الأردن) الموالية لبريطانيا ومحور القاهرة ـ الرياض (مصر والمملكة السعودية) الذي كان يميل إلى الولايات المتحدة.

وفي إطار هذا التناحر بين المجموعتين استفادت بريطانيا من مواقعها في شرقي الأردن، سياسياً وعسكرياً، لدعم الرجعية الهاشمية المنطلقة إلى إقامة دولة أكبر من شرق الأردن والمناطق العربية في فلسطين. وفي الوقت ذاته إرادات الولايات المتحدة توطيد مواقعها في العالم العربي ـ في السعودية ومصر فأثرت في مسيرة حرب فلسطين بحيث منعت وحدة القوات العربية في المعركة وفجرت تناقضات ـ قائمة أصلاً ـ منعت الاتفاق على خط موحد في القضية الفلسطينية.. وفي الواقع أن محور القاهرة ـ الرياض رفض ضم المناطق العربية الفلسطينية إلى شرقي الأردن وهكذا بقي قطاع غزة في إطار الإدارة المصرية. ومن المؤكد أن التناحر بين المجموعتين كان تناحراً عربياً يدور حول الحسم في العالم العربي.. ولهذا لم تكن له أبعاد فلسطينية فقط.

 

4. فقر الحركة القومية العربية الفلسطينية:

ومن المؤكد أن القيادة القومية التقليدية الفلسطينية قد أخفقت في الارتفاع إلى مستوى الأحداث، فرفضت قرار التقسيم، حيث لم تكن في وضع لا يمكنها من قيادة الشعب العربي الفلسطيني فحسب بل ساعدت بتهيجها اللاعقلاني ـ موضوعياً ـ القوى التي عملت في سبيل إفشال قرار الأمم المتحدة. ومع أنها حافظت على مكانتها في البداية، إلا أن التطورات التي أعقبت نشوب حرب فلسطين، بعد قيام إسرائيل في 15 أيار 1948، جرفتها من على مسرح الأحداث، ومع الأيام أفقدتها الطاقة على المساهمة في مسيرة الشعب العربي الفلسطيني الذي أصيب بنكبة لم يشهد مثله تاريخ المنطقة المعاصر.

 

المصدر:

ايميل توما، جذور القضية الفلسطينية (الأعمال الكاملة) المجلد الرابع، حيفا 1995.

 

 


 

 

دخول الجيوش العربية إلى فلسطين

 

 

لقد سبق التحرك العسكري العربي ضد العصابات الصهيونية انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، وإعلان قيام دولة إسرائيل، حيث تشكل جيش الإنقاذ الذي سبق الإشارة إليه وغيره من المتطوعين، وقد خاضت الجيوش العربية معارك عديدة مع العصابات الصهيونية ولكن قبل إن نتناول هذه المعارك نرى من الضروري الإشارة إلى الوضع العسكري العام قبل الحرب .

 

الوضع العسكري العام قبل الحرب

 

1. الوضع العسكري الصهيوني:

"كان الوضع العسكري الصهيوني في أواسط شهر أيار (مايو) قوياً منظماً، فهناك قوة ضاربة (البالماخ) كاملة الاستعداد قوامها 6000 مجند موزعين على ألوية قد حددت لها معالم العمل، إلى جانب احتياطي من سكان المدن والمستعمرات يقارب 40.000 مقاتل وقوى بوليس المستعمرات اليهودية تقدر بنحو 16.000، يضاف إلى هذا كله الحرس المحلي وعصابتا الأرغون وشتيرن اللتان أصبحتا بعد قيام دولة إسرائيل من أذرعة الجيش الصهيوني وهذه القوى كلها (نحو 70 ألف مقاتل) كانت مسلحة فقد أعطت السلطات البريطانية في حزيران/ يونيو 1947 قوى بوليس المستعمرات ما يزيد على 7000 بندقية وأضيف إليها ما لا يقل عن ثلاثة آلاف حتى بدأ الحرب.

 

كما تغاضت السلطات البريطانية عن عمليات استيلاء الصهاينة على مخازن الأسلحة الخاصة بالجيش البريطاني عشية إنهاء الانتداب على فلسطين، بالإضافة إلى الشحنات التي كانت تصلهم من الخارج.

 

لقد كان الجنود اليهود في وحداتهم الضاربة في أغلبيتهم على الأقل من سكان المستعمرات وهذا يعني أنهم كانوا يعرفون بالبلاد وطرقها ومسارها.

 

لقد كانت طرق المواصلات والتموين بالنسبة إلى الصهيونيين قصيرة لأنها تقع داخل البلاد تم إنهم كانوا تحت إشراف قيادة واحدة موجهة.

 

كما أن الاستراتيجية الإسرائيلية بالنسبة إلى الأعمال العسكرية التي بدأت على أيدي القوات الصهيونية منذ إعلان قرار التقسيم والتي استمرت بعد الانتداب كانت كلها ترمي إلى الحصول على رقعة أرض تقيم عليها دولتها بعد إخلائها من سكانها الأصليين.

 

إن قرار التقسيم الذي أوصى بدولة يهودية تقوم على 47 و56% من مساحة فلسطين اتخذ الصهيونيين منه مظله لتنفيذ مخططهم عن طريق قلب الأوضاع الديموغرافية القائمة في البلاد، فقاموا بالمذابح من أشهرها دير ياسين وغيرها وروعوا السكان وأجلوهم بالقوة كي تفرغ البلاد من أهلها ومن هنا كان النازحون عن فلسطين إلى وقت إنهاء الانتداب ربع مليون نسمة والخطة الاستراتيجية في هذا الدور الأول كانت تقوم على متابعة الانسحاب البريطاني من البلاد جزئياً (على اعتبار أنه سينتهي في 15 أيار (مايو) 1948 والحلول محل القوات في الإدارة البريطانية بقطع النظر عن نوع الوسيلة حتى إذا جاء يوم 15 أيار (مايو) وانتهى الجلاء البريطاني عن البلاد، يعلن قيام دولة إسرائيل في الفراغ القانوني الناتج عن زوال الحكم البريطاني وهكذا فإن الاستراتيجية العسكرية الصهيونية كانت قد هيأت الخطة "دال" أو "دالت" إذا استعمل اللفظ العبري للحرب"، وهي التي ترمز إلى شن هجوم واسع النطاق على المدن والقرى العربية بحيث يمكن إيجاد الحيز الجغرافي لقيام الدولة اليهودية وهذه الخطة وضعت في الواقع موضع التنفيذ قبل انتهاء الانتداب بنحو شهر ونصف الشهر وتحت بصر بريطانيا، وعلى مسمعها، وما احتلال المدن الفلسطينية الكبرى، حيفا ويافا وطبريا وصفد وعكا وبيسان وعشرات القرى العربية سوى حلقة متكاملة عن هذه الخطة وهكذا انتهى الانتداب البريطاني وواجهت القوى الصهيوني الدول العربية بأمر واقع وهو قيام دولة إسرائيل وفق خطة (دال).

 

2-الوضع العسكري العربي:

 

إن الوضع العسكري للجيوش العربية النظامية التي دخل بعض وحداتها فلسطين عند إنهاء الانتداب وجدناها مكونة من قرابة أربعة عشر ألفا من سورية والعراق وشرق الأردن ومصر ولبنان، وقد انضمت سرايا من الجيشين السعودي والسوداني إلى الفرق المصرية في وقت لاحق، إلا أن هذه القوات مع قلة عددها بالنسبة إلى القوى الصهيونية كانت تشكو من ضعف التسليح وفساد العتاد الحربي.

 

وجدير بالذكر أيضاً أن هذه الجيوش العربية كانت تتبع أنظمة عسكرية مختلفة وكانت مدربة على أساليب متباينة وأن طرق مواصلاتها وتموينها كانت طويلة (مصر إلى فلسطين والعراق إلى فلسطين) وأن أسلحتها متعددة الأشكال والأنواع وأنها جميعها تفتقر إلى الصناعات العسكرية حتى بالنسبة إلى الذخيرة للأسلحة الخفيفة وأنه لم يكن هناك خطة عسكرية متفق عليها وبطبيعة الحال لم يكن ثمة قيادة عسكرية واحدة فضلاً عن ذلك أن بعض الدول العربية كان مرتبطاً بمعاهدات مع بريطانيا تحول دون حرية التصرف الضرورية في مثل هذه الأحوال كما أن نسبة القوات العربية وهي مهاجمة إلى القوات الإسرائيلية إلى 3 أو 4 لمصلحة إسرائيل بينما الهجوم العسكري عادة يحتاج لنجاحه إلى مثل هذه النسبة لمصلحة الطرف المهاجم."(1)

 

1- فلسطين تاريخها وقضيتها،المرجع السابق.صفحه 118-120.

 

1. دور الدول العربية قبل 15 مايو (أيار) 1948 :

 

إن التحرك العسكري للدول العربية في حربها ضد العدو الصهيوني لم تكن بداياته الأولى في 15 أيار (مايو) 1948 فحسب، ولكن سبق هذا التاريخ تدخل عسكري من الممكن أن نطلق عليه اسم (التدخل العسكري الجزئي) تمثل هذا التدخل في دخول لأفواج جيش الإنقاذ إلى فلسطين قبل انتهاء الانتداب البريطاني، هذا الجيش الذي انتهت قيادته إلى فوزي القاوقجي والذي كان تابعاً للجنة العسكرية التي أنشأتها جامعة الدول العربية ، لعب دوراً مهماً في طبيعة المعركة بين الفلسطينيين واليهود قبل أن تبدأ حرب 1948 "ويمكن إجمال الأعمال التي قام بها هذا الجيش بهجماته المركزة على خطوط مواصلات العدو وعلى مستعمراته ومن أهمها معركة مشمار هايميك جنوبي شرقي حيفا) وبصمود وحداته في منطقة المثلث ما بين جنين ونابلس وطولكرم وكذلك في الغرب من منطقة اللطرون على الطريق الرئيسية بين القدس والساحل".(1)

 

معركة مشمار هايميك في 25 نيسان (أبريل) 1948:

"كانت هذه المعركة الأولى التي خاضها جيش الإنقاذ ضد مستعمرة يهودية كبرى جيدة التحصين، وهذه المستعمرات كانت تشرف على مرج ابن عامر الكبير الذي يمتد من قرب جنين حتى حيفا تقريباً حيث أنه بدأ الهجوم بعد يومين من سقوط حيفا يقوده فوزي القاوقجي القائد العام لجيش الإنقاذ وفيما كان القاوقجي يدك تحصينات المستعمرة بمدافعه فتتساقط تدخل الجيش البريطاني كالعادة وطلب من فوزي هدنة 24 ساعة كي يتمكن اليهود من إخلاء النساء والأطفال من المستعمرة ثم جددت المهلة إلى ثمانية وأربعين ساعة وهي المدة الكافية لقدوم الإمدادات من المستعمرات اليهودية المجاورة لإكراه القاوقجي على التراجع".(2)

 

1-فلسطين تاريخها وقضيتها،المرجع السابق.صفحه 110.

2-عزت طنوس، المرجع السابق.صفحه 401-402.

 


 

 

الحرب العربية الإسرائيلية الأولى وتداعياتها

 

 

دور الدول العربية من 15 مايو (أيار) 1948 إلى بعد ذلك:

 

"عقد قادة الجيوش العربية اجتماعا في مدينة الزرقاء (الأردن) لوضع خطة تشرح كيف ستدخل الجيوش العربية في 15 أيار (مايو) 1948 إلى فلسطين"(1). وتضمنت الخطة على أن "يبدأ الزحف في مساء الخامس عشر من مايو (أيار) 1948 فتلتقي الجيوش السورية واللبنانية والعراقية والأردنية جميعها عند "العفولة" في وسط فلسطين تقريباً ثم تواصل زحفها لتقسيم تجمعات اليهود وتصل إلى الساحل الفلسطيني، وأن يزحف الجيش المصري نحو عسقلان وغزة والمجدل ثم يتقدم للالتقاء بالجيوش الزاحفة الأخرى على حين يتقدم قسم من الجيش الأردني نحو رام الله والقدس، ويتقدم المتطوعون المصريون على طريق الخليل وبيت لحم لتطويق القدس متعاونين مع الأردنيين الذين يجب أن يحاصروها من الشمال والشرق".

 

" ويقدر مؤرخ عربي أن عدد الجيوش العربية الزاحفة في أواسط مايو (أيار) 1948 كان قرابة العشرين ألفا.

 

وتولى الملك عبد الله القيادة العامة لجيش مصر وسوريا والسعودية والعراق والأردن ولبنان، وكان الفريق غلوب البريطاني الأصل هو رئيس أركان حرب الجيش العربي الأردني وبذلك كانت الأوامر العسكرية التي تصدر باسم القائد العام الملك عبد الله إنما يضعها وينفذها القائد البريطاني في الجيش العربي"(2).

 

1-عزت طنوس، المرجع السابق.صفحه422.

2-صالح مسعود أبو يصير ،المرجع السابق.صفحه 406.

 

وضع الأردن قبل الحرب:

 

"كان الأردن الذي تولى ملكه قيادة الجيوش العربية عام 1948 خاضاً خضوعاً تاماً لسيادة بريطانيا على الرغم من تلك المعاهدة التي عقدتها مع (الأمير) عبد الله عام 1946 حيث أعلن استقلاله ثم استبدل لقب (أمير) بلقب (الملك) في مايو (أيار) في السنة نفسها وقد عمدت بريطانيا بذلك التغيير إلى إحداث مظهر جديد لوضع الملك والوطن حتى لا يستمر ظهوره بشكل البلد الرازح تحت حكم الانتداب والخاضع للسيطرة البريطانية،   وهي بذلك تسعى إلى تنفيذ برنامجها في خلق دولة يهودية في الجزء الخصب من فلسطين وهي في سبيل مخططها اشترطت في معاهدتها الاحتفاظ بالقواعد العسكرية والإشراف على الجيش الأردني وميزانية الدولة وغير ذلك من إمتيازات وحقوق كانت قيوداً ثقيلة على الحكومة الأردنية.

 

- ويتبين مدي تبعية الأردن لبريطانيا وخضوعه لها بشكل واضح و صريح عندما شارك جيشيه في حرب 1948 حيث كانت قيادات كتائب وألوية هذا الجيش الزاحف على فلسطين خاضعة لقيادة بريطانية صرفه حتى كأنها كتائب بريطانية ومن الغريب أن تخوض الجيوش العربية معركة مصيرية وجيش القيادة يقوده بريطانيين سعوا للتهويد وعملوا للتقسيم.

 

وقد أثبت القائد العربي عبد الله التل أسماء الضباط الإنجليز الذين تولوا مناصب قيادية في الجيش العربي الأردني وهو يخوض حرباً مصيرية في فلسطين سنة 1948 وقد بلغ عددهم 48 ضابطاً كبيراً يحملون رتباً في الجيش الأردني ويحتفظون بالولاء لبريطانيا ويعملون على تنفيذ مخططها في الوطن العربي ولقد كان على رأس هؤلاء الضباط قائد الجيش العربي القائد غلوب باشا.

 

ولقد برهنت حوادث عديدة على أن غلوب القائد البريطاني للجيش العربي إنما كان يقود هذا الجيش ليقيم دولة يهودية ويكشف أجنحة الجيوش العربية الأخرى حتى يشفى غل بريطانيا الحاقدة التي تتمنى أن يهزم العرب أمام اليهود، وحتى اللد والرملة التي تضمنها قرار التقسيم ضمن الدولة العربية تخلى عنها غلوب وسحب منها جيشه العربي وتركهما ليتصارع فيهما الشعب الفلسطيني الأعزل مع قوات اليهود المدربة المسلحة.

 

وأما بالنسبة لوجود ضباط عرب في هذا الجيش فقد كان وجودهم قليلاً ومحدوداً بلغ عددهم خمسة ضباط فقط ولكن كانوا يتلقون أوامرهم من الضباط البريطانيين الذين كانوا يمالئون الصهيونيين ويدركون أن دولتهم هي التي شجعت الصهيونية وفتحت لها الأبواب وأقامت كيانها على الأشلاء العربية، فماذا ينتظر جيش عربي لا يكون الضباط العرب في قيادته إلا أقلية صغيرة لا يملكون إلا أن ينفذوا أوامر الضباط البريطانيين" (1).

 

1- صالح مسعود أبو يصير ،المرجع السابق. صفحه 407-409.

 

 الجيوش العربية تدخل فلسطين:

 

" عندما دخلت وحدات من الجيوش العربية النظامية فلسطين كانت القوات الفلسطينية وقوات جيش الإنقاذ لا تزال تسيطر على الطريق الموصل بين القدس وتل أبيب، وبذلك فإنها كانت تعزل المدينة الجديدة في القدس عن مصدر قواتها وعتادها، وكان الجليل العربي لا يزال بعضه تحت سلطتها كما أن مطار اللد والرملة تحت سيطرتها وفي فترة الأسابيع الأربعة الأولى أحاطت القوات العربية النظامية بفلسطين".(1)

 

وقد كانت الأمور على الجبهات العربية خلال الحرب تجري كما يلي:

-على الجبهة العراقية: " استطاع الجيش العراقي أن يسترد مدينة جنين الهامة كما احتلت كتائبه مستعمرة الجسر على اليرموك وسارت باتجاهين الأول باتجاه نابلس فطولكرم والثاني في اتجاه مرج ابن عامر مشارفة مستعمرة العفولة".(2)

 

-على جبهة الجيش العربي: " الأردني: كانت أبرز معارك تلك الجبهة معركة القدس فقد حاول الجنرال غلوب أن يحول دون وصول قوات الجيش العربي إليها بحجة أنها دولية وأن الجامعة العربية قد أسقطتها من حساب المعركة الحربية، بيد أن تردي الحالة في المدينة وهجمات اليهود المستمرة على القدس القديمة وعدم تقيدهم بالهدنة التي فرضتها الأمم المتحدة بالقدس حدا بأقطاب المدينة من العرب إلى أن يهرعوا للملك عبد الله في عمان راجين الأمر بدخول الجيش العربي إلى المدينة فلبى الملك رجاء الوفود العربية واتصل بالقائد عبد الله التل قائد الكتيبة السادسة التي كانت مرابطة في أريحا والخان الأحمر وأمره أن ينجد القدس القديمة فزحفت الكتيبة السادسة وتعاونت مع المجاهدين الفلسطينيين والسوريين في الدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية، واستطاعت أن تحتل الحي اليهودي وتدمر الكنس اليهودية التي استعملها اليهود أوكاراً للقتل وباحتلال الحي اليهودي في القدس القديمة، و ارتفعت المعنويات العربية وخاصة بعد نقل الأسرى إلى عمان و الاطمئنان على المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.

 

و بالنسبة لسير الأمور في مواقع الكتائب الأردنية خارج القدس القديمة، فإنها لم تكن تسير سيراً مشجعاً فقد أخذت كتيبة باب الواد الذي تم السيطرة عليه موقع الدفاع وصلت هجمات اليهود الرامية إلى فتح طريق القدس تل أبيب وظل موقفها سلبياً وجمد الجنرال غلوب كتائبه المرابطة في منطقة رام الله ونشرها في خطوط دفاعية طويلة"(3). 

1-فلسطين تاريخها وقضيتها،المرجع السابق.صفحه 120.

2-مصطفي الطحان، المرجع السابق .صفحه 274.

3- صالح مسعود أبو يصير ،المرجع السابق. صفحه 416.

 

-على الجبهة المصرية: "زحف الجيش المصري في الموعد المحدد وانضمت إليه فيما بعد سرايا من السعوديين ومتطوعون من السودانيين والليبيين وتمركز في غزة وبئر السبع وسار في اتجاهين: الاول ، نحو الخليل وسارت فيه الوحدة التي كان يقودها أحمد عبد العزيز الذي استشهد فيما بعد، والثاني وكانت فيه القوات النظامية الرئيسية، اتجه نحو إسدود وقد تمكن الجيش المصري من السيطرة على القسم الجنوبي من فلسطين ودك حصون عدد من المستعمرات اليهودية إلا أن قسماً كبيراً منها ظل خارج السيطرة العملية للقوات المصرية وخلف خطوطها الأمامية وذلك بسبب ما كان لهذه المستعمرات من تحصين عسكري منيع"(1) "ولأن كان هدف القوة الضاربة هو تل أبيب" (2).

 

-على الجبهة اللبنانية:" تمركزت القوات اللبنانية على طول الجبهة اللبنانية ـ الفلسطينية وكانت أهم معركة خاضها الجيش اللبناني هي معركة المالكية (5ـ6) حزيران /يونيو"(3) "واستطاعت القوات اللبنانية أيضاً من احتلال الناقورة وأخذت تهيمن على معابر الجليل الغربي"(4).

 

-على الجبهة السورية: " سيطرت الكتائب السورية على (سمخ) وبدأت زحفها عبر اليرموك من جسر بنات يعقوب باتجاه طبريا".(5) "كما أنها استطاعت أن تحتل مستعمرة مشمارهايردن"(6).

"ولقد استطاعت القوات السورية أن ترابط في مواقع كبيرة ومتسعة وعلى الرغم من الأعداد الكبيرة من الشهداء التي قدمها هذا الجيش في عناد وتصميم في هذه المنطقة ظل قوياً مهيباً يحسب له اليهود حساباً لاسيما بعد أن رابط في منطقة الغور على الحدود الأردنية واحتل أيضاً هذا الجيش بمعاونة المناضلين مستعمرة مسادة اليهودية".(7)

 

1- فلسطين تاريخها وقضيتها،المرجع السابق.صفحه 120-121.

2- صالح مسعود أبو يصير ،المرجع السابق. صفحه 418.

3- فلسطين تاريخها وقضيتها،المرجع السابق.صفحه 120.

4- مصطفي الطحان، المرجع السابق .صفحه 274.

5- مصطفي الطحان، المرجع السابق. صفحه 274.

6- فلسطين تاريخها وقضيتها،المرجع السابق.صفحه 120.

7- صالح مسعود أبو يصير ،المرجع السابق. صفحه 418.

 

حال القدس الجديدة بعد دخول الجيوش العربية لفلسطين:

 

" كانت القدس الجديدة تمثل أروع صور النجاح في الزحف العربي فلقد كانت هذه المدينة تضم مائة ألف يهودي، و كانت تمثل الروح المقدسة بالنسبة لليهودية ، كانت محاصرة من جميع الجهات، وكان المجاهدون الفلسطينيون قد احتلوا منذ أمد رأس العين وبذلك حرمت جموع اليهود من الماء واعتمدوا على الآبار بداخلها ووزعوها بالبطاقات في كميات لا تكفي ولا تروي وحال المحاصرون العرب من جنود الجيش العربي وقوات المجاهد أحمد عبد العزيز والمناضلين الفلسطينيين دون وصول الإمدادات والتموين إليها فتسرب الجوع بعد العطش إلى تلك المدينة المكتظة المهمة، وواصلت المدفعية العربية قصفها ليلاً ونهاراً فحرم السكان من النوم وانهارت أعصابهم وضاق بهم محال النجاة وكان العالم كله يتوقع سقوط المدينة في يد العرب بين لحظة وأخرى ولاسيما بعد أن فشلت مساعي مندوب الصليب الأحمر في إدخال المياه إلى القدس واشترط القائد العربي أن يلقى اليهود سلاحهم وأن يأسر المحاربين منهم ولقد كاد أن يحدث لولا أن بريطانيا خشيت فشل مخططها البعيد" (1)

 

 

دور بريطانيا في فك الحصار عن اليهود في القدس الجديدة:

 

"وسط دوى المدافع الني تدك القدس الجديدة وتضيق عليها الخناق، وبينما كانت برقيات الاستغاثة تغادر القدس إلى تل أبيب وعلى أثر مظاهرات اليهود فيها طالبين السلم وإلقاء السلاح تقدمت بريطانيا إلى مجلس الأمن تطلب وقف القتال أربعة أسابيع والتعهد بعدم إرسال محاربين ومواد حربية إلى فلسطين خلال هذه الفترة، وتطبيق مادة العقوبات العسكرية والاقتصادية على من يخالف الأمر وفي 29 مايو (أيار) 1948 وافق مجلس الأمن على هذا القرار وأعلنت الحكومة البريطانية أنها ستتوقف عن إرسال الأسلحة إلى الدول العربية المرتبطة معها بمعاهدات وهي مصر والعراق والأردن كما قرر مجلس الأمن تعيين الكونت برنادوت وسيطاً منتدباً من قبل هيئة الأمم مهمته التوفيق بين العرب واليهود".

 

وما كان اقتراح بريطانيا هذا إلا صورة جديدة من صور عونها لليهود وخلق فرصة لهم ولكي يفك حصار المحاصر منهم ويستعيد قواه المرهق من مدنييهم أو مجنديهم ويستجلب السلاح بكميات أوفر وعتاد أحدث" (2).

 

 (1،2)- صالح مسعود أبو يصير ،المرجع السابق. صفحه 418-419.

 

 

رد العرب على قرار مجلس الأمن القاضي بالهدنة بين العرب واليهود:

 

" اجتمع العرب ليبحثوا قرار مجلس الأمن وطال نقاشهم ولكنه انتهى إلى الموافقة على قرار الهدنة ولقد كان توفيق أبو الهدى رئيس وزراء الأردن أعلاهم صوتاً وأطولهم لساناً في وجوب قبول الهدنة مدعياً قلة السلاح ونفاذ الذخائر،  وأن الأردن سوف ينسحب من الميدان ومن الجامعة إذا لم تقبل الهدنة وقبلت الهدنة وكانت هذه الهدنة هي بداية النصر لليهود.

 

وهذا هو وكيل القنصل الأمريكي بالقدس يقول بخصوص هذه الهدنة "إن قرار مجلس الأمن الذي فرض الهدنة الأولى هو وحدة الذي خلص اليهود وحال دون سحقهم على أيدي الجيوش العربية" .

 

التزم العرب وحدهم بالهدنة وكانوا صادقين في التزامهم هذا ولم يخرقوها"  ولكن نجد الطرف الآخر اليهود الإرهابيين أخذوا يعدون العدة لتنفيذ برنامجهم الطويل المدى حيث استمر إمدادهم بالسلاح من أوربا على مختلف أنواعه وحيث بنوا الاستحكامات والخنادق وفتحوا الطرق التي ربطت تل أبيب بالقدس بعد أن استحال عليهم ذلك مدة الحصار العربي بل استطاع اليهود أن يستوردوا الطائرات والدبابات والرجال من بريطانيا وأمريكا وواصلوا التدريب العملي الشاق ليجعلوا من عصاباتهم جيشاً منظماً". فبهذه الأعمال لم يتقيد الصهيونيين بشروط الهدنة بعكس العرب ولقد تولد عن التزام العرب بالهدنة نتائج مرعبة فيما بعد و ذلك بعد استئناف القتال" (1).

 

"ولقد سميت هذه الهدنة بعد ذلك بالهدنة الأولى ولقد بدأ تطبيقها رسمياً في 11 يوليو وانتهى العمل بها في 9 يوليو أي مدة أربع أسابيع" (2).

 

1-  صالح مسعود أبو يصير ،المرجع السابق. صفحه 419-422.

2-  عزت طنوس ، المرجع السابق .صفحه 470.

  

-زيارة برناودت الأولي للقدس:

-" لم تستطع لجنة الخمسة وهي التي عينها مجلس الأمن تبعاً لقرار التقسيم أن تمارس عملها في فلسطين أو أن تنفذ قرار التقسيم الذي تبنته الجمعية العمومية ولذلك قامت الأمم المتحدة بإلغاء اللجنة وعينت وسيطاً بدلاً عنها وهو الكونت فولك برنادوت".

 

ذهب الكونت برنادوت إلى القدس في 12 حزيران /يونيو 1948 وفي اليوم التالي لوصوله قام بترتيبات هو وكولونيل يدعي( لاشي) لتموين القدس اليهودية بالغذاء والماء فوصل الغذاء والماء إلى اليهود في القدس اليهودية ثم قام الكونت برنادوت بعد ذلك بتعيين مراقبين عسكريين تابعين للأمم المتحدة للإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار وفي السادس عشر من حزيران /يونيو 1948 وضعت مخططات تدل على موقع كل جيش في القدس"(1).

 

اليهود يهاجمون المدينة القديمة بالرغم من الهدنة:

 

-"حالما وصلت كميات السلاح إلى اليهود في القدس بدأ الإرهابيون يشنون هجماتهم على المدينة القديمة بالرغم من الهدنة وقد قامت قوات البالماخ بهجومها العنيف على باب النبي داوود يوم الثلاثين من حزيران /يونيو 1948 فاستخدمت مدافع الهاون ثلاث ساعات متتالية ولم يجب الجيش العربي حتى بدأوا تقدمهم، وكان صداماً عنيفاً انتهى بتراجع اليهود بعد أن تركوا ورائه 85 قتيلاً.

 

لم تتوقف هجمات اليهود لاحتلال الحي اليهودي في القدس القديمة خلال الهدنة الأولى ولكن لم ينتج عن هذه الهجمات أي تقدم أحرزوه.

 

وقام أمين عام جامعة الدول العربية بتقديم شكوى الي برنادوت عن انتهاكات اليهود وكانت هذه الشكوى تحتوى على  تهديد من قبل الأمين بإلغاء "اتفاق وقف إطلاق النار" إذا لم تتوقف انتهاكات اليهود للهدنة، ولكن الجامعة لم تنفذ تهديدها بالرغم من كل الانتهاكات التي فعلها اليهود خلال الهدنة" (2).

 

(2،1)- عزت طنوس ، المرجع السابق .صفحه 477-481.

 

 

برنادوت في رودس:

 

- " ذهب برنادوت إلى جريرة رودس التي جعلها مقرا لقيادته، وطلب وفدا عربيا وآخر يهوديا للذهاب إليها وذهب  الوفدان إلى الجزيرة ولكن لم تكن مهمة الوفد العربي التفاوض بل كخبراء ليجيبوا على ما يلقى عليهم من أسئلة على سبيل المعلومات ولم تأتي الاجتماعات بأية فائدة غير أن الكونت برنادت حصل على معلومات ساعدته على وضع توصياته إلى الأمم المتحدة في تقريره المؤرخ في 27 حزيران (يونيو) 1948.

 

- كانت توصياته هي عبارة عن مقترحات هدفها التسوية السلمية بين العرب واليهود وسميت هذه المقترحات بمشروع الكونت برنادوت لتقسيم فلسطين" (1)

 

- وابزر ما جاء في هذا المشروع ما يلي:

1- " أن ما يقوم اتحاد عربي يهودي بين الأجزاء المخصصة للعرب في فلسطين بعد ضمها إلى شرق الأردن" وبين الأجزاء المخصصة لليهود.

2- أن يكون كل منهما مستقلا في شؤونه الإدارية والداخلية وسياسته الخارجية.

3- أن يضم النقب إلى الجزء العربي" وقد كانت بموجب قرار التقسيم مخصصا لليهود".

4- أن تضم القدس إلى الجزء العربي "وقد كانت بموجب قرار التقسيم دوليه".

5- أن يكون لليهود في القدس بلدية مستقلة استقلالا ذاتيا.

6- أن يضم الجليل الغربي أو بعضه إلى القسم اليهودي (وقد كان بموجب قرار التقسيم من الجزء العربي).

7- أن تعتبر ميناء حيفا وأماكن تكرير البترول القريبة منها وكذلك مطار اللد مناطق حرة

8- الاعتراف بحقوق من غادر من عرب فلسطين في العودة إلى ديارهم دون قيد  أو شرط مع استعادة ممتلكاتهم.

 

- رفض اليهود مقترحات برنادوت لأنها تنص على ضم النقب والقدس للعرب.

أما العرب فقد رفضوها لأنها تقوم أساسا على فكرة التقسيم، لقد أدركوا الجريمة الكبرى التي ارتكبوها بقبولهم الهدنة الأمر الذي دفعهم إلى استئناف القتال في 9 تموز "يوليو" 1948." (2)

 

1-   عزت طنوس ، المرجع السابق .صفحه 483.

2-   مصطفي الطحان، المرجع السابق. صفحه276-277. 

 

 

استئناف القتال

 

- " تجدد القتال في التاسع من يونيو "حزيران" 1948 حيث رفض العرب تجديد الهدنة ولكن الوضع كان قد تغير فقد زال الخطر العربي الذي طالما أحدق بالقدس الجديدة وهدد جموعها بالموت وسحب الجنرال غلوب الجيش الأردني فجأة من المدينتين العربيتين اللد والرملة فمكن اليهود من احتلالهما وزاد الربكة العربية بخلق هجرة جماعية جديدة وكشف بذلك ميمنة الجيش المصري، واحتل اليهود مطار اللد العالمي الذي لا يبعد عن عاصمتها بأكثر من أربعة عشر ميلا واستولوا على 750 دونما من أخصب أراضي العرب، وكان الجيش العراقي يرابط في المثلث العربي "جنين- نابلس- طولكرم" ولم تمكنه ألقياده المنحرفة من أن يحتل "ناثانيا" على البحر المتوسط فيشطر خطوط اليهود إلى قسمين، وإذا تم استثناء معركة كوكب الهوى واستعادة جنين وقراها فان هذا الجيش الباسل لم يعط فرصة لإثبات وجوده بالمعني الصحيح بل قد سحب من مواقعه إلى نابلس، ولم يعبا برجاء السكان والمناضلين الفلسطينيين الذين كانوا يساعدونه وتركهم دون عون علما بان هذه المعارك التي خاضها جيش العراق في منطقة المثلث كانت كفاحا مشتركا مع شعب فلسطين، و لم يخضها منفردا فبينما كانت المدفعيه العراقيه تدك حصون اليهود في يوم الجمعة 9 يوليو(تموز) 1948 كان المشاة من الشعب الفلسطيني يكونون فصيلا من ثلاثمائة مقاتل يخوضون المعركة بإخلاص مع إخوانه العراقيين حيث استولوا على "فقوعة وتل الخروبة وغرانة" وحين طوق العراقيون قطاعات اليهود المعسكرة في "حلبة وصندلا" كان الفلسطينيون يكونوا جزءا مهما من هذا الطوق العسكري، وتم الاستيلاء على صندلة وجلية وواصل الفلسطينيون بمساعده العراقيين الزحف واستردوا غرانه وعربونه ودير غزالة ومقنيلة وفقوعة) وكما كان القتال مشتركا فقد كانت الخسائر أيضا مشتركة إذ فقد العراقيون ثلاثة عشرة شهيدا وفقد الفلسطينيون سبعة عشر وحين سحب الجيش العراقي فجأة وقف الفلسطينيون مشدوهين وراحوا ينظرون إلى إخوانهم المنسحبين وفي قلوبهم حسرات.

 

- ولم يحاول هذا الجيش أيضا معاونة جيش الإنقاذ الذي كان يقوده فوزي القاوقجي في منطقة الجليل حين هاجمه  اليهود بقوات كبيرة، واستولوا على الناصرة في السادس عشر من يونيو 1948 وكانت الجبهتان المصرية والسورية متحفظين بمواقفهما ".(1)

1- صالح مسعود أبو يصير ،المرجع السابق. صفحة 422-424.

 

- هذا هو الحال الذي آلت إليه الأوضاع بعد الهدنة الأولى فهو بإيجاز:

" أن أوضاع اليهود تحسنت في كل القطاعات، السلاح، توفر بكل الأنواع والمتطوعون، المدربون يستقدمون بأسلحتهم عبر 75 مركزا للتدريب أقيم في أنحاء أوروبا ، طائراتهم بدأت تغير على العواصم العربية كالقاهرة ، دمشق وعمان وزاد على ذلك

· الأوامر التي صدرت للقوات العراقية للانسحاب من راس العين وبعض مناطق مرج ابن عامر.

· القوات الأردنية تنسحب من اللد والرملة بناء على أمر مفاجئ من غلوب باشا.

· قوات جيش الإنقاذ تنسحب من أنحاء الجليل الغربي.

· إن الأمور والتغيرات التي استجدت على واقع المعركة بين العرب واليهود بعد الهدنة توصف بالسلبية للجانب العربي لم تأتي من فراغ أبدا وإنما كان مرتب لها من قبل بعض مسئولي العرب مع قادة بريطانيا وأمريكا" (1).

 

· " ان أيام القتال بعد الهدنة الأولى التي لم تطل لان مجلس الأمن فرض هدنة جديدة وكان ذلك في الثامن عشر من يوليو (تموز) 1948 "(2) وسميت هذه الهدنة "بالهدنة الثانية" (3).

1-مصطفي الطحان، المرجع السابق. صفحه 277-278.

2-صالح مسعود أبو يصير ،المرجع السابق. صفحة 424.

3-عزت طنوس ، المرجع السابق .صفحه 495.

 

" وقد تضمنت هذه الهدنة التي كانت مستمدة من ميثاق الأمم المتحدة" باختصار.

1- يقرر مجلس الأمن أن الوضع في فلسطين يكون تهديدا للسلام تبعا للمادة 39 من الميثاق .

2- يأمر مجلس الأمن تطبيقا للمادة 40 من الميثاق الفريقين بالكف عن العمليات العسكرية وإصدار الأوامر إلى قواتهما بوقف إطلاق النار في مدة لا تتجاوز الأيام الثلاثة من تاريخ هذا القرار كان إصدار هذا القرار في "15 تموز" "يوليو".

3- يعلن مجلس الأمن أن عدم الإذعان سوف يعالج حالا بموجب الفصل السابع من الميثاق .

4- يطلب المجلس من الفريقين التعاون مع الوسيط.

5- يجب إيقاف إطلاق النار حالا في القدس ونزع سلاحها وتامين حماية الأماكن المقدسة وحرية المرور إليها.

6- يشرف الوسيط على المحافظة على الهدنة على أن يطلع المجلس دائما على سير الهدنة وان يتدخل عند اللزوم.

7- يقرر أن تبقى الهدنة نافذة حتى الوصول إلى التسوية السلمية لمستقبل الوضع في فلسطين.

8- يطلب مجلس الأمن إلى الأمين العام أن يقدم للوسيط ما يلزم من الموظفين والأموال."(1)

 

- " لم يكن هناك أمام العرب من سبيل إلا قبول الهدنة فقد أدركوا عمق المأساة في قيادة غلوب الإنجليزي وعمقت لديهم ألام تسليم اللد والرملة بسحب الجيش الأردني منهما أما اليهود فقد كانوا يستفيدون من كل هدنة يعدون ويستعدون وتوالي الدول الصليبية إمدادهم بالعتاد والسلاح وكثيرا ما ضربوا بالهدنة عرض الحائط وزحفوا فاحتلوا قرى ومساحات بينما مجلس الأمن الدولي لا يحرك ساكنا ولا يسمع لشكوى العرب ولا يشغل بها (2)"  .

1-عزت طنوس ، المرجع السابق .صفحه495-496.

2-صالح مسعود أبو يصير ،المرجع السابق. صفحة424.

 

 

- الأراضي العربية التي فقدت في حرب الأيام  التسعة:(1)

· " لم يفقد الجيش المصري أية ارض خلال حرب الأيام التسعة.

· كما أن الجيش العراقي لم يخسر ولم يربح أية ارض في تلك الحرب.

· أما السوريون فقد ربحوا أرضا باحتلالهم مستعمرة هايردن التي بقيت في أيديهم حتى العشرين من تموز "يوليو" 1949 حتى وقع اتفاق الهدنة العامة بين سوريا والسلطات اليهودية.

· أما جيش الإنقاذ وقائده العام فوزي القاوقجي وقائد الجليل أديب الشيشكلي فقد خسر كل الجليل بما فيه الناصرة والرينة وعيلوط وترشيحا وكفر كنا وحطين ومسكينة..................الخ.

· فقد  الجيش العربي اللد والرملة وباب الواد وكل القرى على طريق يافا القدس ومن بينها: سيرس وبيت محسير وعين كارم وعرطوف وصوبا والمالحة ونصف بيت صفافا..الخ" .(1)

 

· محاولة اليهود احتلال القدس القديمة خلال الهدنة الثانية:

 

- " كان يحز في نفوس اليهود تحرير القدس القديمة من سلطانهم حين تعاون قسم من الجيش الأردني مع شعب فلسطين فأتم تحريرها واسر قوات آلها جانا اليهودية فيها ولهذا سرعان ما جمعوا قواتهم بقيادة موشى ديان وهاجموا في 18 من يونيو حزيران مناطق القدس ، لم يستطيعوا مفاجأة المدافعين العرب ، ولم يحققوا أي نصر وخسروا ثلاثمائة وعشرة من القتلى وما يزيد على ثلاثمائة جريح ثم عاد الهجوم بعد اقل من شهر مستهدفين القدس القديمة ولكنهم لم يستطيعوا التقدم ولا النجاح" .(2)

 

· " ولقد توالت هجمات اليهود على القدس القديمة خلال الهدنة الثانية مرات عديدة ولكن ردت هذه الهجمات بسرعة من قبل المدافعين عنها. ولم ينجح اليهود في احتلالها".(3)

 

1-عزت طنوس ، المرجع السابق .صفحه 498.

2-صالح مسعود أبو يصير ،المرجع السابق. صفحه 424.

3-عزت طنوس ، المرجع السابق .صفحه505.

 

 

·الزيارة الثانية لبرنادوت للقدس في 22 آب "أغسطس" 1948:

 

- "جاء الكونت برنادوت إلى القدس كي يرى كيف يحافظ الطرفان على قرار الهدنة  فعقد اجتماعا مع غلوب باشا وضباط الجيش العربي الكبار وأعلمهم انه جد منزعج من انتهاكات اليهود للقانون ومن عدم احترامهم  لقرارات مجلس الأمن"(1).

 

- وبعد زيارة الكونت برنادوت هذه للقدس وإطلاعه على ما استجد من أوضاع على ارض الواقع أراد أن يقدم مقترحات جديدة بشان الحرب بين العرب واليهود وذلك لإيجاد حل سلمي ينهي الحرب فكانت مقترحاته على الوجه التالي   :

- الاقتراحات باختصار:(2)

1- " العودة إلى السلم: يجب أن يعود السلام إلى فلسطين فإذا لم يكن ذلك باتفاق متبادل فعن طريق الأمم المتحدة.

 

2- مشروع تقسيم آخر: مشروع برنادوت.

تقام الحدود بين الدولتين باتفاق متبادل فان لم يمكن وضعته لجنة حدود تقنية من الأمم المتحدة مسؤولة أمامها على أن تجري التعديلات الآتية:

أ‌. يصنف النقب بأنه ارض عربية.

ب‌.  يصنف الجليل بأنه منطقة يهودية.

ج. ميناء حيفا بما فيه من مصفاة النفط ومحطاته  يجب أن يعلن ميناء حرا مع ضمان حرية الوصول إليه للبلدان العربية المعنية، وعدم وجود العقبات  في وجه التجارة النفطية.

د. يعلن مطار اللد مطارا حرا للبلدان العربية المعنية.

هـ. تبقى مدينة القدس على ما حدده قرار الجمعية العمومية في 29 تشرين الثاني "نوفمبر" 1947 وتعامل معاملة خاصة فتوضع تحت إشراف الأمم المتحدة الفعلي مع أعلى حد ممكن من الاستقلال للطائفتين العربية واليهودية وضمان حماية الأماكن المقدسة وضمان حرية الوصول إليها والحرية الدينية.

 

3- حقوق اللاجئين: قدم الكونت برنادوت بيانات عديدة هامة تتعلق بالعدد المخيف " الذين هجروا من ديارهم" ودعا إلى عودتهم.

4- حقوق العرب : يجب أن تصان حقوق العرب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية في الدولة اليهودية والعكس بالعكس.

· لجنة التوفيق: تقام لجنة توفيق فلسطينية لفترة محددة من اجل تحقيق ما يلي:

أ‌. ضمان استمرار التسوية السلمية للوضع في فلسطين.

ب‌.  رعاية قيام علاقات  طيبة بين العرب واليهود.

ج. الإشراف على الحدود والطرق والخطوط الحديدية ومرفأ حيفا الحر ومطار اللد الحر وحقوق الأقليات......الخ.

د. أن تقدم التقارير للأمم المتحدة عن تقدمها في مهمتها "(2).

 

 

اليهود يغتالون برنادوت:

 

"اخذ برنادوت يعمل في سبيل الحل الذي اقترحه إلا أن عصابة شتيرن الصهيونية اغتالته في 17 أيلول "سبتمبر" في القدس لأنها رأت في مشروعه تهديدا للمخططات الصهيونية وخرق الصهيونيين الهدنة ونشطوا في عمليات عسكرية كانت بعيدة الأثر"(3) .

 

1-عزت طنوس ، المرجع السابق .صفحه 503.

2-عزت طنوس ، المرجع السابق .صفحه 507-509.

3- فلسطين تاريخها و قضيتها، المرجع السابق. صفحه122.

 

 

الخروفات الصهيونية(العمليات الصهيونية) خلال فترة الهدنة الثانية:

 

1.  "علي الجبهة المصرية قامت إسرائيل ما بين (15-22 تشرين الأول / أكتوبر، بهجوم عام على الجبهة المصرية وبذلك استولت على أكثر النقب وانتهي الهجوم بقبول الجانبين لوقف إطلاق النار من جديد.

 

2.  نقلت إسرائيل قوتها الضاربة إلى الشمال فجددت بين 28 و 31 من تشرين الأول/ أكتوبر هجوماً على جيش الإنقاذ الذي كان قد دخل البلاد من لبنان مجدداً بعد انسحابه من وسط فلسطين في أثر دخول الجيوش العربية في 15 أيار (مايو) فاحتلت الجليل بأكمله واستولت على بعض القرى داخل الحدود اللبنانية.

 

3. ثم أعادت إسرائيل قواتها الضاربة إلى الجنوب فشنت هجوماً عاماً على القوات المصرية.

 

4. في 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 1948 استفردت إسرائيل بقوات الجيش العربي الأردني في جنوب النقب ومعابر العقبة (من جهة فلسطين) فاضطر شرق الأردن إلى سحب قواته من المنطقة وجرت المفاوضات مع شرق الأردن لهدنة كان من نتيجتها أن انسحبت القوات العراقية (من دون تفاوض مع إسرائيل) من منطقة المثلث الواقعة ما بين نابلس وجنين وطولكرم دخلتها القوات الأردنية في مقابل التخلي لإسرائيل عن منطقة المثلث الصغيرة ومساحتها 450كم2 وتقع هذه المنطقة في الزاوية الشمالية الغربية للضفة الغربية وكانت تضم نحو 24 قرية عربية من بينها أم الفحم وعارة وعرعرة ومصمص يقيم فيها نحو 60 ألف نسمة وهي من أجود الأراضي الزراعية وأخصبها كما حدثت تعديلات أخرى في جنوبي منطقة الجليل شملت التخلي للقوات الإسرائيلية عن نحو 150 كم2 من الأراضي هناك"(1). 

 

1- فلسطين تاريخها و قضيتها، المرجع السابق. صفحه 122-124.

 

 

- قرارات الأمم المتحدة بعد خرق اليهود للهدنة:(1)

 

- " رفع العرب الشكوى إلى مجلس الأمن فأصدر قراراً يقضى بانسحاب الطرفين إلى المراكز التي كانت تحتلها قواتها قبل 14 تشرين (الأول) أكتوبر وهو تاريخ بدء الهجوم الشامل على الجبهة المصرية وكلف الوسيط الدولي بالوكالة رالف بانش الأميركي بالإشراق على تنفيذ القرار وتعيين خطوط الهدنة المؤقتة.

 

- لكن الصهيونيين لم يذعنوا لقرار مجلس الأمن وتابعوا خرق الهدنة فأصدر المجلس مجدداً قراره في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1948 بدعوة جميع الأطراف على عقد اتفاقية هدنة دائمة.

 

- ثم صدر عن الجمعية العامة بتاريخ 11 كانون الأول (ديسمبر) 1948 قرار تناول ثلاثة أمور رئيسية.

1.  الأمر الأول: تأليف لجنة توفيق من ثلاثة أعضاء يختارهم الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن تقوم بالأعمال التي أوكلت من قبل إلى وسيط الأمم المتحدة لفلسطين وإلى لجنة الأمم المتحدة للهدنة.

 

2.  الأمر الثاني: يتناول حماية الأماكن المقدسة وإقامة نظام دولي لمنطقة القدس ونصت المادة السابعة من القرار على ما يلي:

- تقرر (الجمعية العامة) وجوب حماية الأماكن المقدسة بما فيها الناصرة والمواقع والأبنية الدينية في فلسطين وتأمين حرية الوصول إليها وفقاً للحقوق القائمة والممارسات التاريخية ووجوب إخضاع الترتيبات المعمولة لهذه الغاية لإشراف الأمم المتحدة الفعلي.

 

و"تقرر (الجمعية العامة) أنه نظراً لارتباط منطقة القدس مع ديانات عالمية ثلاث فإن هذه المنطقة بما في ذلك بلدية القدس الحالية يضاف إليها القرى والمدن المجاورة يجب أن توضع تحت مراقبة الأمم المتحدة الفعلية.

 

-وتدعو مجلس الأمن إلى اتخاذ تدابير جديدة لضمان نزع سلاح مدينة القدس في أقرب وقت ممكن وتصدر تعليماتها إلى لجنة التوفيق لتقدم اقتراحات مفعلة بشأن نظام دولي دائم لمنطقة القدس يؤمن لكل من الفئتين المتميزتين الحد الأقصى عن الحكم الذاتي المحلي المتوافق مع النظام الدولي الخاص لمنطقة القدس.

 

3.  الأمر الثالث: في القرار يتناول موضوع اللاجئين العرب من المدن والقرى الفلسطينية المحتلة، إذ نصت المادة 11 من قرار الجمعية العامة على وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى بيوتهم والعيش بسلام ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى بيوتهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر عندما يكون من الواجب وفقاً لمبادئ القانون الدولي والإنصاف أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات والسلطات المسئولة.

 

وتصدر تعليماتها إلى لجنة التوفيق بتسهيل إعادة اللاجئين إلى وطنهم وتوطينهم من جديد وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي وكذلك دفع التعويضات ."(1)

1- فلسطين تاريخها و قضيتها، المرجع السابق. صفحه 124-125.

 

*وبهذه الهدنة الدائمة" تكون حرب 1948 انتهت نظريا و لقد تم توقيع أربع اتفاقيات هدنه بين إسرائيل ومصر في24|2|1948 ومع لبنان في 23\3" (1) " ومع الأردن في 4|4 " (2) "ومع سوريا في 20|7 ولكن هذه الاتفاقيات لم تعين حدودا سياسية بل نصت علي خطوط الهدنة فقط مع  الاشتراط بأنها خطوط لن تمس الحق في التسوية النهائية للقضية الفلسطينيه"(3).

 

 - " ولقد جرت مفاوضات هذه الهدنة في جزيرة رودس بإشراف الوسيط الدولي بالوكالة المستر بانش وفيما يلي بيان اتفاقيات هذه الهدنة بين كل من مصر ولبنان والأردن وسورية من جهة وإسرائيل من جهة أخري"(4).

 

 

مفاوضات الهدنة في جزيرة رودس:(5)

 

1. اتفاقية الهدنة بين مصر وإسرائيل بإشراف الوسيط الدولي بالوكالة المستربانش:

"قامت كل من مصر وإسرائيل في 24 شباط (فبراير) 1949 بتوقيع اتفاقية الهدنة وفيها أنه على كل من الفريقين بمقتضى قرارات مجلس الأمن بعدم القيام بأي عدوان ضد الآخر ويوافقانً على إقامة خطوط للهدنة يتعهد الطرفان بعدم السماح لقواتها باجتيازها.

 

- وتنص الاتفاقية كذلك على انسحاب الحامية المصرية في الفالوجة وهي الحامية التي صمدت أمام الهجمات اليهودية المتتالية مع عتادها إلى ما وراء الحدود المصرية.

 

- وتنص الاتفاقية أيضاً على أن أحكامها مستوحاة من الاعتبارات العسكرية فقط فلا يجوز لأي فريق أن يستغلها لأغراض عسكرية أو سياسية ولا أن يلجأ إلى القوة مرة أخرى من أجل تقرير مصير فلسطين وأن الخط الفاصل المحدد بموجب هذه الهدنة يجب ألا يعتبر حدوداً سياسية أو إقليمية وهو لا يمس الحقوق والمطالب التي تنج عن تسوية القضية الفلسطينية تسوية نهائية.

 

- وتقضى الاتفاقية بأن يحتفظ المصريون بالسيطرة على الممر الساحلي الممتد من قرية رفح على الحدود المصرية الفلسطينية إلى نقطة تبعد ثمانية أميال إلى الشمال من غزة(قطاع غزة) وإقامة منطقة منزوعة السلاح في عوجة الحفير ومما حمل اليهود على قبول هذه الحدود تصدي القوى المصرية لإسرائيل في معركة انتصرت فيها الأولى في دير البلح في (أيلول سبتمبر 1948).

 

2. أما بالنسبة لاتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل .

أنجز الجانب اللبناني والإسرائيلي الاتفاق على نصوص الهدنة في الناقورة في 23 آذار (مارس) 1949 وقد جعلت الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين خط الهدنة الفاصل.

 

3. أما بالنسبة لإتفافية الهدنة بين الأردن وإسرائيل.

وقفت اتفاقية الهدنة بين الأردن وإسرائيل في 4 نيسان (أبريل) 1949 والتي كرست الوضع العسكري بحسب تعديلات الحدود المتفق عليها بين الجانبين في الطرفين الشمالي والجنوبي من الضفة الغربية وبينما كانت محادثات الهدنة دائرة بين الأردن وإسرائيل في رودس تابعت القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية التوسعية جنوب النقب واحتلت قرية (أم الرشرش) العربية على الساحل الفلسطيني من خليج العقبة لتقيم في مكانها مدينة إيلات وميناءها وترجع أهمية هذا الميناء من كونه بوابة إسرائيل البحرية على قارتي آسيا وأفريقيا.

 

4. بالنسبة لاتفاقية الهدنة بين سورية وإسرائيل:

- لقد تأخرت اتفاقية الهدنة بين سورية وإسرائيل عن سائر الاتفاقيات لأن القوات السورية كانت قد احتلت مستعمرة مشمار هايردن وهي واقعه في أرض فلسطين المخصصة لليهود بموجب قرار التقسيم وأصرت السلطات الإسرائيلية على انسحاب القوات السورية منها لتكون الحدود الدولية بين فلسطين وسورية هي حدود الهدنة وتمسك السوريون بها وأخيراً جعل خط الهدنة منتصف خط القتال وأخلى السوريون مشمار هايردن كما أخلى اليهود بعض المواقع وجعلت بينهما منطقة عزلاء تحت إشراف المراقبة الدولية لا تدخلها قوى عسكرية سورية أو يهودية ووقعت الاتفاقية في 20 حزيران (يونيو) 1949 وسرت على جميع اتفاقيات الهدنة هذه الأحكام المستوحاة من الاعتبارات الوارد ذكرها أعلاه بالنسبة إلى اتفاقية الهدنة الإسرائيلية المصرية"(5).

(3،1) -هنري كتن، قضية فلسطين.ترجمة :رشدي الأشهب،الطبعة الأولي 1999،صفحه 64.

(5،4،2)-  فلسطين تاريخها و قضيتها، المرجع السابق. صفحه 125-126.

 


النتائج التي تمخضت عن حرب 1948.

 

1.    النتائج المحلية:(1)

"الفلسطينيون انقسموا ثلاثة أقسام بعد أن كانوا جسماً متراصاً على أرض فلسطين انقسموا فأصبح جزء في المناطق المحتلة (داخل الخط الأخضر) وقسم في الضفة الغربية وقطاع غزة، ورغم اختلاف السلطتين فيهما إلا أن هؤلاء ظلوا داخل أرض فلسطين وقسم ثالث نزح إلى الدول العربية المجاورة وبعض دول العالم الأخرى.

 

2.  أصبح لليهود جسم سياسي رسمي (دولة إسرائيل) تعترف به الأمم المتحدة وعلى الأخص أمريكا والاتحاد السوفيتي، وأصبح هذا الجسم السياسي يتصرف بمطلق الحرية في قضية الهجرة بعد أن احتل أراضي أوسع من أراضي الدولة اليهود المقترحة في قرار التقسيم 181 "حيث استولى اليهود على 77.40% من مساحة فلسطين بينما كان خصص لها مشروع التقسيم نحو 55% من تلك المساحة"(*)ولقد اهتم هذا الجسم بالبناء والتعمير والتسلح.

3.  احتلال الأراضي من ناحية ونزوح أكثر من نصف مليون فلسطيني خلق واقعاً جديداً تمثل في المطالبة باستعادة الأراضي ومشاريع إسكان اللاجئين أو مشروع عودة اللاجئ الفلسطيني"(1).

 

1-   زكريا إبراهيم، المرجع السابق. صفحه 49.

*- فلسطين تاريخها و قضيتها، المرجع السابق. صفحه 126.

 

- " في ضوء هذه النتائج قد يتساءل متسائل هل كانت الحرب ضرورية؟ والجواب كانت الحرب أمراً لا بد منه وذلك لعدة أسباب:(1)

 

أ‌. كان لا بد من إعلان الرفض العربي لقرار التقسيم أمام العالم أجمع وللتاريخ لأن ما من شعب يتخلى طوعاً عن بلاده للمستعمر الغازي وكان على العرب أن يقاوموا بكل وسيلة ممكنة ذلك القرار الجائر وقضية عادلة وجليلة مثل قضية فلسطين ومصير الأراضي المقدسة يتوجب فيها القتال بل يحلو الاستشهاد.

 

ب‌. كان الرأي العام العربي يطالب بالتدخل لنجدة أهل فلسطين وإنقاذ البلد العربي المقدس وكانت الشعوب العربية لا تقبل لحكوماتها ولا لجامعة الدول العربية عذراً إن هي وقفت مكتوفة الأيدي أمام المؤامرة الصهيونية الدولية للاستيلاء على جزء غال من الوطن العربي وتوجيه تلك الضربة المميتة إلى الشعب العربي في فلسطين.

 

ج. أن تدخل الجيوش العربية النظامية حينذاك أنقذ القدس القديمة والأحياء المحيطة بها والضفة الغربية وقطاع غزة من الاحتلال فقد كان الصهيونيين يطمعون منذ البدء بالسيطرة على فلسطين كلها وكانوا لا يترددون في ذلك لو وجدوا أمامهم سنة 1948 فراغاً عسكرياً فيما تبقي من فلسطين

 

وقد كتب يفئال ألون فيما بعد يقول:

-"لولا دخول الجيوش العربية النظامية لما كان هناك من إيقاف لتوسع قوات الهاغاناة التي كانت تستطيع خلال اندفاعها الوصول إلى الحدود الطبيعية لإسرائيل لأن معظم قوات العدو المحلية في أثناء هذه المرحلة كانت مشلولة (أي القوات الفلسطينية وقوات جيش الإنقاذ)"

 

- أما من جهة اليهود فقد أرادوا الحرب وأعدوا لها وذلك لأسباب عدة:

أ‌. كانوا يعلمون أن العرب لن يتخلوا عن بلادهم طوعاً.

 

ب‌. كان القتال يتيح لهم أن يستولوا على الأرض بعد تفريغها من سكانها العرب لكي تخلو فلسطين لليهود المهاجرين من أقطار العالم.

 

ت‌. كانت الحرب ضرورية بالنسبة إليهم وقد أتقنوا فنونها وأساليبها وذلك كي يتجاوزوا المساحة التي خصصها لهم قرار التقسيم ويستولوا على المزيد من أرض فلسطين إشباعا لأطماعهم البعيدة في التوسع.

 

ث‌. كان قرار التقسيم وهو قرار غير ملزم للعرب لأنه مجرد توصيه الذريعة لالتجاء إسرائيل إلى القوة تحت ستار تنفيذ "المشيئة الدولية".

 

ج‌.  كان قرار التقسيم والحرب تبعته الفرصة التي انتظرتها الصهيونية طويلاً لتأسيس الدولة العبرية التي لم يكن في الإمكان تأسيسها إلا بالقوة ".(1)

1- فلسطين تاريخها و قضيتها، المرجع السابق. صفحه127.

 

2. نتائج حرب 1948 الدولية:

1." غدت المنطقة العربية من أهم مناطق التنازع بين روسيا وأمريكا لمكانتها الاستراتيجية.

 

2. زادت المتغيرات الداخلية في الدول العربية حيث كثرت الثورات وظهرت حركات التحرر في العالم العربي رغم بقاء التبعية بعد ذلك في أمور عدة.

 

3. خروج قضية فلسطين من يد بريطانيا جعل بإمكان أي دولة أو منظمة عالمية أو حتى شخصية سياسية في العالم طرح مشروع لحل قضية فلسطين.

 

4, أصبحت في هذه المرحلة أمريكا والاتحاد السوفيتي الدولتين العظيمتين في العالم بدلاً من بريطانيا وفرنسا"(1)

 

6- " إن حرب 1948 لم تنجز حلولا أساسيه في النزاع العربي الإسرائيلي.

 

7- فقدت الدول العظمي الرؤية الصادقة لتأييد العالم العربي من خلال دوامات التعتيم التي تفتعلها الدعاية الصهيونية فسلبت الحقوق الوطنية و القانونية لشعب فلسطين"(2).

1-زكريا إبراهيم، المرجع السابق. صفحه 49-50.

2-   هنري كتن ، المرجع السابق. صفحه 77،76،65.

 

 

 


 

 

اللجوء

 

قلما حدث في التاريخ - وعلى الأقل في التاريخ الحديث - ان تقوم أقلية غاشمة من المحاربين الغرباء أصلاً بطرد أكثرية المواطنين من بلادهم وموطنهم الأصلي، وأزاحتهم بالقوة الغاشمة

.

ومع ذلك فقد حدث هذا في فلسطين سنة 1948م حينما نفى اكثر من مليون فلسطيني تقريباً أو بعبارة أخرى أجبروا على الخروج من منازلهم ومدنهم وقراهم ، حيث سلبت أراضيهم وأملاكهم ومقتنياتهم وأصبحوا لاجئين بلا وطن ولا آية وسيلة من وسائل العيش.

 

القسم الأكبر منهم رحلوا " هجروا" إلى الأردن ، والى قطاع غزة، والضفة الغربية، والباقي إلى سوريا ولبنان … فما أسباب نزوح هذا العدد الكبير ؟

 

العرب هربوا من البلاد ، وكانت البلاد فارغة من أصحابها الأصليين، لم يكن من الممكن لصهيونيي فترة ما قبل قيام الدولة " أن يتصوروا حدوث شيء كهذا ". هذا التعليق على نزوح " لجوء" ما يزيد على مليون فلسطيني أثناء حرب 1948 م قدمه سنة 1952 "دافيد بن غوريون"، رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيلي أثناء تلك الحرب. هذا التفسير لما حدث سنة 1948م كان منذ البداية، ولا يزال هو التفسير الذي تتبناه السلطات الإسرائيلية والحركة الصهيونية في الدعاية الرسمية وفي المحافل الدولية .

 

ادعى الإسرائيليون والصهيونيون دائماً أن ما حدث سنة 1948 م هو ان الزعماء العرب طلبوا من الفلسطينيين مغادرة قراهم ومدنهم مؤقتاً، ريثما تقوم الجيوش العربية بالقضاء على الدولة اليهودية الوليدة. فاستجاب عدد كبير من الفلسطينيين لهذا الطلب، وخرجوا بمحض اراداتهم ، ظانين أنهم سيعودون إلى بيوتهم بعد فترة وجيزة - ولكن الجيوش العربية فشلت في مهمتها، فطالت فترة الانتظار حتى أصبح الفلسطينيون لاجئين.

 

هذا التفسير لما حدث في حرب 1948م متأصل في الدعاية الإسرائيلية والصهيونية، مع ان عددا من الدراسات التي ظهرت في أوائل الستينات، مثل دراسات وليد الخالدي (1959 - 1961)، وارسكين تشلدرز (1961)، تمكنت من ضحده بسهولة، على الأقل بين الأوساط الأكاديمية - لكن تفنيد الادعاءات الإسرائيلية شيء، ومعرفة الأسباب الحقيقية لنزوح وهجرة الفلسطينيين بهذه الأعداد الضخمة شيء آخر - أن معرفة حقيقة ما حدث يتطلب التعرف على الخطط والاستراتيجيات والتكتيكات التي كانت تستعملها المنظمات " والعصابات " العسكرية اليهودية والجيش الإسرائيلي فيما بعد، والنوايا التي كان يضمرها واضعوا هذه الخطط والاستراتيجيات . وكان من المستحيل التحقيق في مثل هذه الأمور دون الاطلاع على الوثائق السرية للمنظمات اليهودية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة والبريطانية والأمريكية ، هذه الوثائق لم تصبح في متناول الجمهور إلا بعد مرور ثلاثين عاماً على تلك الأحداث ، أي في أوائل الثمانينات. وقد أدى فتح الارشيفات السرية أمام الباحثين إلى بروز ما يعرف الآن بالتاريخ التصحيحي " Revisionist History " أو " التاريخ الجديد". ومن بين المؤرخين التصحيحين توم سيجف، وسيمحا فلايان، وآفي شلايم ، وأيلان بابي، ويوسي أميتاي، وشبتاي طفت، وأوري ملشتاين، " أرنولد توينبي" أعظم مؤرخ في عصرنا الحاضر، فما كان العالم ليعرف أبداً لماذا فر عرب فلسطين من بيوتهم ووطنهم لولا استقامته وشجاعته، وعدد قليل من النبلاء، من أمثاله الاستاذ "ميلربرووز" والاستاذ ويليام ايرنست هوكنغ، والصحافية الشهيرة دوروتي تومبسون، والفرد ليلينتال، وموشي ماتوهين وقليل سواهم، وأشهرهم المؤرخ الإسرائيلي "بني موريس" والذي جلب اهتمام الدارسين والباحثين من خلال ثلاث مقالات هامة نشرها سنة 1986 م، قبل نشر كتابه سنة 1987.

(The Birth of the Palestinian Refugee problem 1948 - 1949 )

 

هنا محاولة للإجابة على السؤال المطروح أنفاً والذي قد يستغرب البعض من إعادة طرحه، مبيناً أن المهم الآن، إيجاد حل لمشكلة اللاجئين، وليس البحث عن الأسباب التي دفعت الفلسطينيين إلى النزوح أو اللجوء عام 1948م عن ديارهم. والحقيقة أن السؤال لازال قائماً ومطروحاً إلى يومنا هذا والجواب عليه- على الأقل لغير الفلسطينيين- مازال مبهماً وضبابياً من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن معظم الدراسات والباحثين المتخصصين في شؤون أو مجال اللجوء واللاجئين يجمعون على أهمية معرفة الأسباب التي تدفع اللاجئ إلى الفرار، الهروب أو "اللجوء"من بلده ودورها في توجهات اللاجئ نحو إيجاد الحلول المتوقعة المحتملة لقضيته. يبدو هذا جلى في موقف كلاً الأطراف: العربي، الإسرائيلي، حيث تم ربط مسألة إيجاد حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين بأسباب اللجوء، ويدعى كلاهما أن الطرف الآخر هو السبب وعليه تقع المسؤولية ودفع ثمن الحل للمشكلة.

 

ولتفسير هذه الأسباب، لا يمكن إغفال دور المجتمع الدولي فهو المسؤول عن أهم جوانبها وأبعادها، وهو المسؤول- من قبل- عن التمهيد والتوطئة لخلقها من خلال إذكاء، وتشجيع ودعم الأطماع الصهيونية في فلسطين، بما صدر عن القوى الاستعمارية الكبرى وفي مقدمتها بريطانيا من دعوة متلاحقة بشأن إنشاء "وطن قومي" لليهود في فلسطين، وتقع المسؤولية على الهيئات الدولية الممثلة لهذا المجتمع: عصبة الأمم، ثم هيئة الأمم المتحدة، بزعامة أمريكا بريطانيا وفرنسا في تواطئهم على ارتكاب الجريمة، وإضفاء الشرعية على الاستيطان، واغتصاب الأرض، وتشريد الشعب.

إجمالاً، يمكن حصر وإرجاع أسباب اللجوء عموماً إلى سببين أساسيين:

 

1- العدوان الخارجي، والاحتلال أو حروب الاستقلال والتحرر التي خاضتها الشعوب في الغالب ضد الاستعمار، والأمثلة على ذلك كثيرة "كجنوب أفريقيا، الجزائر…..الخ) ويخرج اللاجئون من بلداتهم في هذه الحالات وهم عازمون ومصممون على العودة، لا بل ويناضلون من أجلها.

 -2لجوء ناتج عن صراعات ونزاعات أو حروب داخلية لأسباب عرقية / طائفية أو عقائدية والكوارث، مجاعات فقر…الخ، مما يدفع بالأفراد للفرار والهروب من الوطن، أحياناً في هذه الحالة لا يتم التفكير في العودة كاللاجئين من أوروبا الشرقية إلى أوروبا الغربية قبل عام 1951م.

 

وفي الحالة الفلسطينية واللجوء الفلسطيني " فقد اضطروا وأرغموا على ذلك نتيجة للسببين معاً؛ من ناحية ومن ناحية أخرى، فالأدلة الوثائقية* من الكثرة بحيث تدحض بصورة قطعية مزاعم قادة الصهاينة للأسباب الخاصة وراء التهجير القسري للفلسطينيين وعلى سبيل المثال لا الحصر ، قد لخص الوسيط الدولي الكونت برنادوت أسباب خروج الفلسطينيين اللاجئين في تقرير له كالتالي : " نتج رحيل اللاجئين الفلسطينيين عن الذعر والهلع الذي سببه القتال ، والهجوم على مجتمعاتهم ، وبسبب الإشاعات صادقة أم كاذبة عن أعمال إرهابية من قتل وطرد" .

* نور الدين مصالحة ، طرد الفلسطنين ومفهوم الترانسفير و الفكر و التخطيط الصهيوني 1982ـ1948 ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية .

 

يتجلى هذا في عدة أسباب معقدة أدت إلى الاقتلاع الجماعي للفلسطينيين من أراضيهم، وترتبط عملية التهجير والاقتلاع الجماعي بالانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، ففي أثناء حرب 1948 م، أقتلع الفلسطينيين بالآلاف على أيدي الميليشيات الصهيونية، وبعد تأسيس الدولة اليهودية اقتلع الآلاف على أيدي القوات الإسرائيلية وذلك من خلال مجموعة من السياسات التي تنتهك أبسط مبادئ القانون الدولي. وهذه السياسات تشمل هجمات عسكرية مباشرة على المدنيين (الأماكن المأهولة بالمدنيين)، ارتكاب المجازر، النهب والسلب، تدمير الممتلكات (تدمير قرى بأكملها) والتهجير القسري للسكان. وواصلت سياستها في التهجير والاقتلاع حتى بعد توقيع اتفاقية الهدنة في عام 1949، ويحدد المؤرخ هنري كتن الأسباب في ثلاثة منها :

1- طرد وتهجير اليهود للفلسطينيين بالإرهاب والعنف

 

 -2انعدام الأمن والأمان في البلاد .

 

 -3فقدان وانهيار الجهاز الحكومي الذي يطبق القانون ويحافظ على النظام خلال الأحداث .

 

فمنذ البداية، نجد محاولة الاستعمار البريطاني تنفيذ وعد بلفور المشئوم الصادر عام 1917م الداعي إلى إقامة وإنشاء "وطن قومي" لليهود في فلسطين* والذي بموجبه التزمت الحكومة البريطانية وأخذت على عاتقها المساعدة في تأمين كافة الشروط اللازمة لإحلال اليهود مكان السكان الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين، وكان أخطر ما قامت به، فتح الأبواب على مصراعيها أمام الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وغض الطرف عن الجهود الحقيقية التي كانت تقوم بها المنظمات الصهيونية، لإنشاء جيش يهودي مدجج بالأسلحة هدفه العمل بكل وسيلة لطرد وتشريد الفلسطينيين عن أراضيهم وتمكين المستوطنين اليهود من السيطرة عليها، فما أن صدر صك الانتداب البريطاني عن عصبة الأمم في 24/7/1922م ووضع فلسطين تحت الانتداب حتى أصرت بريطانيا على أن تنّتدب على فلسطين، وفعلت لذلك الكثير لكي تفي بما قطعته على نفسها من التزامات للمنظمة الصهيونية العالمية علماً بأن صك الانتداب لم يأخذ بعين الاعتبار رغبة الشعب في اختيار الدولة المنتدبة عليه، وهذا منصوص عليه في ميثاق عصبة الأمم فيما يتعلق بقواعد الانتداب.

 

* ناجح جرار، اللاجئين الفلسطينيين ... أين .

 

الدور الاستعماري في اتخاذ قرار التقسيم ( قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقـم "181" ) لعام 1947م الذي عملت الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا على استصداره هذا القرار الذي دفع حوالي 30 ألف فلسطيني للهرب من وطنهم خوفاً من وقوعهم تحت حكم الحركات الصهيونية، بعد أن وقعت بلداتهم وقراهم ضمن حصة اليهود في خطة التقسيم* القاضية بإقامة دولتين واحدة عربية فلسطينية والأخرى يهودية على 56% من مساحة فلسطين، وقد قبلت القيادة الصهيونية برئاسة بن غوريون في حينه القرار، فيما رفضه العرب والفلسطينيين، وفي نفس الوقت صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نفس التاريخ على قرار ينهي الانتداب البريطاني على فلسطين اعتباراً من آيار 1948م، وفي أعقاب ذلك شرعت المنظمات الصهيونية في احتلال مواقع الانتداب البريطاني وفرضت قرار التقسيم على أرض الواقع وقد أعدت الحركة الصهيونية نفسها لمثل هذه اللحظة مسبقاً وكانت مخططاتها جاهزة. تثبت الدراسات أن اللجوء الفلسطيني عام 1948م، جاء بشكل رسمي نتيجة لعدوان يهودي صهيوني مخطط ومرسوم بعناية تامة، ونوايا مبيته نفذتها العصابات والمنظمات العسكرية اليهودية ومنها: عصابات الهاغاناه، الأرغون، شتيرن، وليحى، وقوات البالماخ وإتسل، تلك المنظمات المسلحة اللاشرعية، التي أنشأتها ومولتها الوكالة اليهودية في فلسطين، والجيش الإسرائيلي فيما بعد.

 

* نور الدين مصالحة ، طرد الفلسطنين ومفهوم الترانسفير و الفكر و التخطيط الصهيوني 1982ـ1948 ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية .

 

تراوحت المزاعم الصهيونية في هذا المجال بين إدعاء دعوة الزعماء والقادة العرب للفلسطينيين بالخروج من هذه الديار، وبين خروجهم الاختياري.

الوقع أن الفلسطينيين أخرجوا من ديارهم، عنوه، وليس بموجب اختيارهم، وما إدعاء الصهاينة إلا بهدف إسقاط حق الشعب الفلسطيني في العودة، ما دام قد ترك بلاده مختاراً، دون أي ضغط.

 

أن تحويل فلسطين من بلد عربي إلى بلد يهودي، وطرد الشعب الفلسطيني من دياره ووطنه وإحلال اليهود محله كان الهدف الأول للحركة الصهيونية وهي "حركة سياسية عدوانية". وقد سهل "وعد بلفور" الوصول للهدف، انتظر الصهيونيون من بريطانيا العظمي، أن تتم مهمتها وتقدم فلسطين لهم على طبق من فضة خالية من أهلها الأصليين وحين لم يتم ذلك، قرر الصهيونيون الوصول إليه بأنفسهم، وقد نفذوه بأبشع الوسائل والطرق الوحشية ، تؤكد ذلك مجمل الممارسات الصهيونية عشية الإعلان عن قيام إسرائيل وما صاحب ذلك من تمييز عنصري وقهر واضطهاد للسكان الفلسطينيين عبر تدمير قراهم والاعتداء على بلداتهم وتجمعاتهم السكنية بوسائل عدة : نفسية ومادية، جمع القادة الصهاينة بينها ببراعة ودهاء، اتسمت بالإرهاب والفظاعة وارتكاب المجازر والمذابح، أدت في النهاية إلى إخلاء وطرد الفلسطينيين وترحيلهم عن قراهم ومنها:

 

- الإرهاب اليهودي

طرد السكان الفلسطينيين من بيوتهم ووطنهم بالمذابح المحسوبة، فقد انقاد الشعب اليهودي للصهيونية المجرمة وشارك منفعلاً في أبشع مذابح اقترفت في هذا العصر، والذي قصد منها كسر الروح المعنوية للفلسطينيين ودفعهم إلى الفرار "اللجوء"، علماً بأن التسجيل الكامل للكيفية والنوعية التي طرد بها الفلسطينيين يتطلب مجلداً ضخماً، وليست مذبحة دير ياسين في 9/4/1948م إلا واحدة من سلسلة مذابح نظمتها العصابات الحاقدة، ومع أنها المجزرة التي اشتهرت أكثر من غيرها ، حيث جرى توثيقها على نطاق واسع وبدقة كبيرة، وقد بلغ عدد ضحاياها عدة مئات حوال254 من شيوخ ونساء وأطفال*، إلا أنها لم تكن المجزرة الوحيدة، أو أكبر المجازر التي ارتكبت فقد كانت مجزرتا الدوايمة قضاء الخليل، ومذبحة اللد أكبر وأبشع وقد نظمت العصابات الصهيونية العديد من المذابح والمجازر للشعب الفلسطيني الآمن في وطنه حوالي 25 مجزرة منها : مذبحة سعسع في 16/4، ومذبحة سلمة في 1/3، وبيار عدس في 6/3، ثم مذبحة القسطل في 4/4، ومذبحة طبريا بتاريخ 17/4، ومذبحة سريس في نفس التاريخ، وحيفا في 20/4، والقدس في 25/4، ويافا في 26/4، ومجزرة عكا في 27/4، ومذبحة صفد في 7/5، وبيسان في 9/5، ولا نغفل مذبحة ناصر الدين، وما ارتكبوه في مذبحة قبية 1953م، وكفر قاسم، ونحالين والسموع ومذبحة الطنطورة..الخ. راح فيها آلاف المواطنين الأبرياء معظمهم من الشيوخ، والنساء والأطفال على أثر هذه المذابح الحاقدة الهمجية غدا الفلسطيني أمام خيار مر: الموت أو الهرب واللجوء.

 

* دير ياسين ، رمز فلسفة الصهيونية ـ السيطرة بالسطو و التحكم بالإرهاب. القاهرة ، وزارة الإرشاد القومي ، الهيئة العامة للاستعلامات .

 

فقدان وانهيار الأمن :

يؤكد هذا جنرال إنجليزي بأن قضية اللاجئين وأسبابها ترتبت على "أعمال اليهود الوحشية"، ويكذب الإدعاءات الإسرائيلية بأن الفلسطينيين خرجوا على إرادتهم ومن تلقاء أنفسهم، وليس عنوه، ويقول بأن "العربي الذي يغادر أرضه، راضياً، كان من الواجب عليه أن يبيع بيته، إذا كان يملك بيتاً، أو يحمل أمتعته، وأن يستعد لهذا الرحيل، على الأقل ولكن أن يغادر بلده ، دون أن يحمل شيئاً، ودون أن يعرف مصير عائلته، وأن يقتل أبنه على يديه، حتى لا يفكر في العودة. إن عربياً خرج من فلسطين مع هذه الطريقة، لم يغادر راضياً، إنما اليهود أجبروه على الخروج، تحت وطأة الخوف والإرهاب، على أثر المجازر والمذابح الرهيبة التي نفذوها في طول وعرض البلاد* .

 

* جندي مع العرب / مذكرات غلوب باشا . ترجمة حسن الصمدي، بيروت ، دار الناشرين الجامعين .

 

فقدان الجهاز الحكومي :

من الأسباب التي ساهمت في خروج المواطنين سنة 1948م، كان انهيار الأمن والأنظمة الإدارية أثناء انتهاء الانتداب، فبعد انتشار العنف والرعب بسبب الإرهاب والمجازر التالية لصدور قرار التقسيم ، ظلت الحكومة البريطانية عاجزة عن صيانة القانون والنظام في فلسطين، ولم تكن مستعدة لتوريط قواتها في سبيل هذا الهدف، والدليل على انعدام أية سلطة للحكومة في تلك الأيام العصيبة، قد أثبته الواقع حينما حدثت المذابح العديدة، فلم تكن هناك سلطة تعترض أو تحاول منع المذابح أو تساعد في إسعاف الجرحى، أو حتى في إنقاذ أو دفن الضحايا .

 

لم يغادر أو يترك الفلسطينيون ديارهم ووطنهم طواعية بل بسبب الإرهاب والعنف المدبر والمذابح المحسوبة، فقد حققت مذبحة دير ياسين وغيرها من المجازر هدفها، ويصف ذلك فوهرر الأرغون، "مناحيم بيغن" تلك المنظمة المسؤولة عن فظاعات دير ياسين، " بدأ العرب يفرون خائفين، مذعورين كان عددهم 800 ألف يعيشون في إقليم دولة إسرائيل الحالية، بقي زهاء 170 ألف عربي فلسطيني لا يزالون فيها*. ويصف د."ستيفن تيرز" الأعمال الوحشية الفظيعة ويقول "الصهيونيون اقترفوا ما هو أشد وقعاً وإرهاباً، بأساليب منظمة كانوا قد تعلموها بمهارة فريدة على أيدي النازيين، فالجرائم التي اقترفوها النازيين ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية قلدها اليهود الصهاينة ببراعة ضد الفلسطينيين عام 1948م: وهذا بغية إفزاع الفلسطينيين وإجبارهم على الرحيل، وكانت إذاعاتهم تردد دائماً "تذكروا دير ياسين" فلا عجب أن هربت عائلات كثيرة، من مناطق مختلفة، والفزع ينتقل بالعدوى** .

 

* مناحيم بيغن ، " الثورة" حكاية الارغون .

** شريف كناعنة ، الشتات الفلسطينى ،هجرة ام تهجير . مركز الاجئين و الشتات الفلسطيني (شمل).

 

وقد رصد أكاديمي فلسطيني بارز* ، بذل جهداً مضني في البحث والتنقيب، وصرف وقتاً طويلاً في دراسة مسألة اللاجئين الفلسطينيين، وقد تبين بعد البحث والتنقيب سقوط 213 قرية أو بلدة، وإخراج زهاء 413.000 عربي فلسطيني من ديارهم، قبل إنسحاب القوات البريطانية، فيما هجرت 60% من القرى والبلدات في المرحلة التالية، أدت إلى ترحيل 65% من اللاجئين، كذلك طرد الجيش الإسرائيلي أهالي 122 قرية، طرداً مباشراً، وتم إخراج أهالي 250 قرية عبر هجمات عسكرية، وأهالي 50 قرية تحت ضغط هجوم قادم، و 12 قرية بتأثير "أسلوب الهمس" القاضي بتخويف الأهالي من المذابح المتوقعة، و 38 قرية بسبب الخوف من هجوم إسرائيلي مسلح، مقابل 5 قرى فقط، بأوامر مباشرة من مخاتيرها، وقام الجيش الإسرائيلي بتدمير 221 قرية تدميراً شاملاً وحوالي 134 قرية تدميراً جزئياً، و 52 قرية تدميراً جزئياً أو بسيطاً فيما لم يتمكن هذا الجيش من الوصول إلى 11 قرية نجت من تدميره لكن مجموع القرى التي دمرت تدميراً تماماً أكثر بكثير من هذا العدد وقد سجل  "اسرائيل شاحاك" رئيس هيئة حقوق الإنسان /  قائمة في سنة 1975م ، بأسماء وعدد القرى العربية وهي التي دمرتها إسرائيل ومسحتها عن وجه البسيطة منذ سنة 48 فوصل الرقم الى 385 قرية (36). وقد ارتبط منحي النزوح، صعوداً وهبوطاً بالأعمال العسكرية الصهيونية، " حيث لم يحدث مطلقاً نزوح أثناء توقف هذه الأعمال" .

 

* د.سليمان أبو ستة ، حق العودة للشعب الفلسطيني على ضوء تطورات التسوية السلمية. محاضرة نظمتها " المركز العربي لبحوث التنمية و المستقبل " ، القاهرة 8/1/1996.

 

الحرب النفسية

 

أساليب الحرب النفسية والدعايات الكاذبة التي اتبعها اليهود لإكراه العرب على ترك بلادهم، التحذيرات التي كانت توجهها الإذاعات اليهودية السرية إلى العرب الفلسطينيين من تفشي الأمراض الوبائية : الكوليرا، التيتنوس " الجدري " وان الأمراض الخطيرة قد انتشرت بينهم من جيش الانقاد . وحاولت كذلك تقويض ثقة السكان بأنفسهم وقياداتهم بغرض تحطم المعنويات واذكاء الفتنة، مثل الحديث عن حجم وعدد الخسائر في الأرواح بين العرب والخلافات السياسية بينهم وضعفهم وقلت كفائتهم ، ولجاءوا أيضاً إلى استعمال مكبرات الصوت وراحوا يبثون تسجيلاً لأصوات صرخات، أنين ونحيب النسوة العرب ورنين أجراس عربات الإطفاء يقطعها صوت جنائزي مناشداً باللغة العربية: "أنقذوا أرواحكم أيها المؤمنون، أهربوا لتنجوا .. وإذاعة تسجيلات لانفجارات شديدة عبر مكبرات الصوت، كما عمدت القوات الصهيونية إلى تفجير تجمعات الأسواق التجارية والأزقة، واستخدمت القنابل، " البراميل" وهي عبارة عن براميل محشوة بخليط من المتفجرات وزيوت الوقود، وعند اصطدامها بالجدران كانت تحدث صواعق من اللهب ودوي انفجارات شديدة، كما ولجأوا إلى إذاعة إنذارات للعرب الفلسطينيين بضرورة الرحيل ومغادرة قراهم ومدنهم في فترات محدودة وإلا تعرضوا للقتل وقد جاء في أحد النداءات في مدينة القدس" "إذا لم تتركوا بيوتكم، فإن مصيركم سيكون مثل دير ياسين انج بنفسك "  وفي طبريا وزعت منشورات تحذر العرب من التعاون مع المجاهدين ومعارضة مشروع التقسيم ففي أحد البيانات التي وزعتها عصابات الهاغاناه جاء: على الناس، الذين لا يريدون الحرب أن يرحلوا جميعاً، ومعهم نساؤهم وأطفالهم ليكونوا آمنين، أنها سوف تكون حرباً قاسية، ودون رحمة ولا ضرورة لتخاطروا بأنفسكم" . وقد تكرر ما حصل في حيفا، ويافا، والقدس وطبريا وغيرها من المدن والقرى الفلسطينية فقد وزعت ملصقات على الجدران حملت معظمها، عبارة ارحل من أجل سلامتك.

 

كانت "الإشاعات وأسلوب الهمس" أوجه آخرى لطرد وتهجير الفلسطينيين وإحدى تفريعات الإرهاب الصهيوني، ويوضح ذلك "إيغال آلون" في " سيقر هبلماخ" كما يلي: الهدف كان تطهير الجليل الأعلى قبل انتهاء الانتداب البريطاني ودخول الجيوش العربية،.. وكانت المعارك الطويلة قد أضعفت قوات البالماخ وكبدتها خسائر فادحة، لذلك استخدم جملة من الإشاعات يقول " قمت بجمع المخاتير اليهود الذين لهم اتصالات مع العرب في القرى المختلفة، وطلبت منهم أن يهمسوا في آذان بعض العرب بأن تعزيزات كبيرة من الجنود قد وصلت إلى الجليل وأنهم سيحرقون القرى جميعها في سهل الحولة، وكان عليهم " المخاتير اليهود" الإيحاء إلى العرب بوصفهم أصدقائهم، بأنه من الأفضل لهم الهرب والنجاة في الوقت المناسب، وهكذا انتشرت الإشاعة في سائر أنحاء الحولة، فحدث نزوح جماعي وكان عدد الذين فروا لا يحصى*.

 

* شريف كناعنة ، الشتات الفلسطينى ،هجرة ام تهجير . مركز الاجئين و الشتات الفلسطيني (شمل).

 

ومن الأساليب أيضاً، أسلوب "الدعاية السوداء"، استخدام هذا الأسلوب "موشية ديان" الذي خلف ايغال آلون في قيادة القطاع الجنوبي، وخاصة عندما أراد الصهاينة إجلاء عرب المجدل ودفعهم باتجاه قطاع غزة، فاستخدام نفس الأساليب والوسائل الضاغطة التي استخدمت مراراً من قبل، هي الطرد البحت عبر بث الرعب في نفوس المواطنين "الله وحدة يعلم ماذا سيحل بك إذا بقيت هنا "*. وإعلانات عن عمليات طرد وشيكة واستخدام مختلف أنواع التقييدات سواء: (الحشر في أمكنة ضيقة مع حراس، وأسلاك)، العزل الجسدي تقييدات العمل والحركة إضافة إلى بعض الاغراءات، أهمها عرض وحيد لاستبدال الأموال وبمعدلات سخية .

 

* نور الدين مصالحة ، طرد الفلسطنين ومفهوم الترانسفير و الفكر و التخطيط الصهيوني 1982ـ1948 ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية .

 

أسلوب هدم وتدمير البيوت وتخريب الممتلكات:

 

تنفيذا للخطط والمقترحات والأفكار الصهيونية الرامية للاستيلاء على الأرض "نظيفة من سكانها تجلت صور الإرهاب الصهيوني في "الخطة -د" وهي خطة عسكرية على هيئة حرف "د" أو حدوة حصان، حيث تحاصر البلدة أو المنطقة من ثلاث جهات وتبقي منطقة خالية من القوات الصهيونية، مما يتيح للمحاصرين الافلات، صممت أول مرة سنة 1942م، واعتمدت رسمياً في العاشر من آذار سنة 1948، اقتضت استراتيجية هجومية ضد الفلسطينيين وحلفائهم العرب، تتلخص في الاستيلاء على النقاط والطرق الرئيسية في البلاد. وكان توسيع رقعة الدولة اليهودية إلى أبعد من حدود التقسيم، وطرد العديد من الفلسطينيين من بين الأهداف الرئيسية لتلك الخطة، كما نصت على ضرورة احتلال قرى ومدن عربية والاحتفاظ بها أو مسحها عن وجه البسيطة*.

 

* بينى موريس ، طرد الفلسطنين وولادة مشكلة الاجئين ، وثيقة إسرائيلية .دار الجليل للنشر و الدراسات و الأبحاث الفلسطينية ، عمان ،ط1،1993.

 

نفذت فعلياً في نيسان 1948م، حيث شنت الهاغاناه ضربات هجومية منسقة ومكثفة ضد المدنيين في المدن الرئيسية، وشن غارات ليلية، والقيام بعمليات تفجير عشوائية، وتدمير المنازل والقرى، قتل المزارعين في الحقول وغير ذلك من أساليب العنف والإرهاب العشوائية كالحرق والنسف وكان نتيجة لذلك نزوح عشرات الآلاف الفلسطينيين عن ديارهم وأضحوا بذلك لاجئين ، هكذا تضافرت جميع أشكال الإرهاب الصهيوني من المذابح إلى العمليات العسكرية والحرب النفسية بأشكالها، والتهجير على دفع الآلاف من الفلسطينيين إلى ترك ديارهم والنزوح منها، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:

 -1ساهمت العمليات العسكرية من قبل عصابات الهاجاناه على القرى والمدن العربية بشكل مباشر أو على مواقع مجاورة  بحوالي 55% من النزوح.

 

-2 العمليات العسكرية للقوات اليهودية المنشقة (مثل أرغون وليحيي وأتسل) يقدر تأثيرها بحوالي 15% من النزوح أي أن العمليات العسكرية مجتمعة ساهمت في طرد ولجوء حوالي 70% من الفلسطينيين.

 

 -3الأوامر من المؤسسات العربية الرسمية وغير الرسمية 5%.

 

 -4حملات الهمس والدعاية السوداء (الحرب النفسية) 1%.

 

 -5أوامر مباشرة بالرحيل من قبل القوات الإسرائيلية 1%.

 

 -6الخوف من انتقام اليهود خاصة بعد هجوم العرب على مواقع يهودية 1%.

 

 -7ظهور قوات عربية غير نظامية من خارج القرى 1%.

 

 -8الخوف من هجوم الجيوش العربية النظامية 1%.

 

 -9القرى العربية المعزولة وسط مناطق يهودية 1%.

 

 -10لجوء لاعتبارات محلية مختلفة وخوف عام من المستقبل المجهول 19%.*

* شريف كناعنة ، الشتات الفلسطينى ،هجرة ام تهجير . مركز الاجئين و الشتات الفلسطيني (شمل).

 


 

نتائج اللجوء

هكذا تشكلت القضية الفلسطينية بكل مكوناتها الإنسانية والأخلاقية والسياسية فبعد تاريخ 15 أيار 1948م أو ماطلق عليه اصطلاحا النكبة،  تغير وجه الأرض المفترض أن يكون في نظر الفلسطنين، فالأرض لم تعد الأرض و الحياة لم تعد الحياة و حتى الوجوه المعتادة تفرقت في بقاع الأرض، لقد حملت النكبة معها تبعات مأساوية على عدة أصعدة اجترعها الفلسطينيون على مدى سنين طويلة مرت ومازالت، وإذا كنا في معرض تحديد تبعات النكبة فهي أكثر و أعمق من أن تعد أو تحصى .ولكن يمكن إجمال هذه التبعات على الأصعدة التالية:

 

1ـ على صعيد الأرض:

اغتصب الكيان الصهيوني نحو 78%من ارض فلسطين التاريخية بعد أن كان قرار الأمم المتحدة الخاص بتقسيم فلسطين لدولتين يهودية و عربية اقر قيام الدولة الإسرائيلية على مساحة 56% من الأرض الفلسطينية. هذا التوسع نجم عن قيام الكيان الغاصب بالاستيلاء على بقية الاراضى الفلسطينية بقوة السلاح.

 

أما الأرض المتبقية وهى 22%من مساحة فلسطين التاريخية قسمت الى قسمين هما : الضفة الغربية غزة قد وضعت تحت الحكم الاردنى وقطاع غزة وضع تحت الإدارة المصرية.

 

إن قيام الكيان الصهيوني على الأرض الفلسطينية نجم عنه محو أكثر من 500 قرية عن وجه الأرض وترحيل أهلها عنها، هذه القرى في معظمها تركها أهلها إما بسبب الطرد المباشر أو غير المباشر على يد القوات اليهودية .

 

2ـ على صعيد السكان:

تم طرد الفلسطين من أرضهم، واقتلاعهم من منازلهم، و ابتعادهم عن مصادر رزقهم ليحول بذلك حوالي مليون فلسطيني الى لاجئين مشتتين في العالم ليحل محلهم أناس جلبو من شتات العالم ليستوطنو ارض فلسطين . لقد جمع الفلسطينيون بعد تهجيرهم في مخيمات اللجوء في دول الجوار الفلسطيني ليعشوا  حياة الذل بعد الكرامة و انتظار ما يجود العالم به لهم بدلا من أن يعملوا في مصادر رزقهم التي تركوها في بلدهم من اجل حياة كريمة لهم.

 

3ـ على الصعيد السياسي:

حرم الفلسطينيون بعد النكبة من وجود إطار سياسي واحد لهم فقد سرقت الأرض و شرد السكان و توزع القرار السياسي الى أن استطاع الفلسطينيون في عام 1964 من تأسيس كيان سياسي يجمعهم ويكون الإطار الموحد لنضالهم من اجل العودة و تحقيق حقوقهم الشرعية العادلة .

 

 

وفيما يلى بيانات توضح توزيع الفلسطنين في الشتات :

 

عدد الفلسطينيين في العالم 9.7 مليون نسمة موزعين على النحو التالي:

·   3.7 مليون نسمة في الأراضي الفلسطينية ( الضفة الغربية وقطاع غزة )

·   نحو مليون نسمة في إسرائيل

·   2.8 مليون نسمة في الأردن

·   436 ألف نسمة في سوريا

·   415 ألف نسمة في لبنان

·   62 ألف نسمة في مصر

·   595 ألف نسمة في الدول العربية الأخرى

·   236 ألف نسمة في الولايات المتحدة الامريكيه

·   301 ألف نسمة في الدول الأجنبية الأخرى

 

في الأراضي الفلسطينية ( الضفة الغربية وقطاع غزة) :

·   عدد السكان 3.7 مليون نسمة

·   في الضفة الغربية 2.3 مليون نسمة  بنسبة 63.3%

·   في قطاع غزة 1.4 مليون نسمة بنسبة 36.7%

·   اللاجئون 42.6% من السكان

·   46% من الأفراد هم دون سن الخامسة عشر من العمر

·   3.1% من الأفراد هم أكثر من 65 سنة من العمر

 

الفلسطينيون في ارض فلسطين التاريخية مقارنة بعدد اليهود:

·    عدد السكان الفلسطينيين في ارض فلسطين التاريخية 4.6 مليون نسمة حتى نهاية عام 2002.

·   في منتصف عام 2005 سيبلغ عدد السكان الفلسطينيين 5.1 مليون نسمة مقابل 5.3 ملين نسمة من اليهود

·    في نهاية عام 2006 سيتساوى عدد السكان الفلسطينيين واليهود .

·    في منتصف عام 2010 سيبلغ عدد السكان الفلسطينيين 6.2 مليون نسمة مقابل 5.7 مليون من اليهود.

·    في منتصف عام 2020 سيبلغ عدد السكان الفلسطينيين 8.2 مليون مقابل 6.4 مليون من اليهود وبذلك ستبلغ نسبة اليهود 44% فقط من السكان

 المصدر: تقرير عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بتاريخ 31/12/2003

 


 

المصادر والمراجع

 

المصادر والمراجع كما وردت على الموقع

1- الموسوعة الفلسطينية القسم الثاني، الدراسات الخاصة، المجلد الأول، دراسات جغرافية، بيروت 1990.

2- فلسطين تاريخها وتصنيفها، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003.

3- إميل توما، جذور القضية الفلسطينية ( الأعمال الكاملة) المجلد الرابع، حيفا 1995.

4- الموسوعة الفلسطينية، القسم العام، المجلد الثالث، هيئة الموسوعة الفلسطينية، دمشق 1984.

5- بيان نويهض الحوت، فلسطين ( القضية – الشعب – الحضارة) التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى 1917 ، بيروت ، دار الاستقلال للدراسات والنشر 1991.

6- عبد الوهاب المسيري، موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية، القاهرة، مركز الدراسات السياسية الاستراتيجية 1975.

7- وثائق فلسطين، دائرة الثقافة، منظمة التحرير الفلسطينية 1987.

8- عبد الرحمن أبو عرفة، الاستيطان التطبيق العملي للصهيونية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، دار الجليل ، الطبعة الأولى 1989.

9- عبد الوهاب المسيري، الصهيونية، الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، الدراسات الخاصة، المجلد السادس، دراسات في القضية الفلسطينية- بيروت 1990.

10- خالد عابد، التوسعية الصهيونية إسرائيل الكبرى ( الموسوعة الفلسطينية) ، القسم الثاني ، الدراسات الخاصة، المجلد السادس ، دراسات في القضية الفلسطينية، بيروت 1990.

11- حبيب قهوجي، استراتيجية الاستيطان الصهيوني في فلسطين، مؤسسة الأراضي للدراسات الفلسطينية، بيروت 1978.

12- سمير أيوب، وثائق أساسية في الصراع العربي الصهيوني الجزء الأول بيروت 1984.

13- حسن صالح عبد القادر، الأوضاع الديمغرافية للشعب الفلسطيني (الموسوعة الفلسطينية)، القسم الثاني، الدراسات الخاصة، الدراسات الجغرافية، المجلد الأول 1990.

14- محمد سلامة النحال، سياسة الانتداب البريطاني ،حول أراضي فلسطين العربية ، بيروت 1981.

15- الياس سعد، الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة، بيروت، مركز الأبحاث لمنظمة التحرير الفلسطينية، بيروت 1969.

16- المستعمرات الصهيونية في فلسطين المحتلة، وزارة الدفاع السورية، 1970، نسخة بصورة ،منظمة التحرير الفلسطينية.

17- خيرية قاسمية، الحركة الوطنية الفلسطينية (الموسوعة الفلسطينية) والقسم الثاني ،الدراسات الخاصة ، المجلد الخامس – بيروت 1990.

18. عاطف عدوان، دراسات فلسطينية، غزة 1996.

19. محمد عبد الله عودة وزميله، تاريخ العرب الحديث،عمان 1989.

20. سميح شبيب، حزب الاستقلال في فلسطين 1932-1933، بيروت، مركز الأبحاث ،منظمة التحير الفلسطينية 1981.

21. عبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،1983.

22. محمد الحزماوي، ملكية الأراضي في فلسطين 1918-1948، مؤسسة الأسوار، عكا1998.

23. عادل مناع، تاريخ فلسطين في أواخر الحكم العثماني 1700-1919 مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1999.

24. رياض العيلة، تطور القضية الفلسطينية (التاريخي والسياسي و الاجتماعي) الطبعة الثانية، مايو 1998.

25. سليم عرفات المبيض، الجغرافيا الفلكورية للأمثال الشعبية الفلسطينية، الهيئة  العامة للكتاب 1986.

26. د. شريف كناعنة وآخرون، الملابش الشعبية الفلسطينية جمعية إنعاش الأسرة / البيرة.

27. سليم عرفات المبيض ، النقود الغربية الفلسطينية وسكتها المدنية والأجنبية من القرن السادس قبل الميلاد وحتى عام 1946،القاهرة ، الهيئة المصرية للكتاب1989

28. أسعد منصور، تاريخ الناصرة، القاهرة مطبعة الهلال 1923

29. جبرائيل كانول، التربية والتعليم في فلسطين 1920-1948، آذار مارس 1950.

30. الحكومة البريطانية، تقرير اللجنة الملكية الفلسطينية (الترجمة العربية)، القدس، مكتبة الطباعة، 1927.

31. رودريك ماثيوز، ومتى عقراوي، التربية في الشرق الأوسط العربي، مطبعة المعارف، 1961.

32. عارف العارف، المفصل في تاريخ القدس، مطبعة المعارف 1961.

33. مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، بيروت دار الطليعة 1972.

34. التعليم في فلسطين، عهد الانتداب البريطاني (الخطوط).

35. مدرسة القرية، القدس، مطبعة العربي 1925.

38. من شئون  التربية والتعليم التفتيش في رسالة المعلم، العمود الرابع، تشرين الثاني نوفمبر 1947.

39. منير بشور ،خالد مصطفى الشيخ يوسف، التعليم. إسرائيل بيروت ، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية 1969.

40. نشرة فلسطين (الهيئة العربية العليا) العدد 6/9/1972.

41. يوسف جرجس  قدورة، تاريخ مدينة رام الله،  مطبعة الهدى 1954.

42. فؤاد حمدي بسيسو،المقاطعة العربية لاسرائيل (الموسوعة الفلسطينية) القسم الثاني، المجلد الأول بيروت 1990

43. يوسف حسني، التطور الاجتماعي في فلسطين.

44. غسان العامري، التطور الزراعي والصناعي الفلسطيني.

45. عاهد الشريف، تاريخ فلسطين الاقتصادي والاجتماعي.

46. عزت طنوس، الفلسطينيون ماضي مجيد مستقبل باهر، الجزء الأول، مركز الأبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، الطبعة الأولى 1983.

47. زكريا إبراهيم، مشاريع تسوية  قضية فلسطين من عام 1930 حتى نهاية 1991.

48. صالح مسعود بو يصير ، جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن، الطبعة الثانية 1988.

49. أحمد طربين ، فلسطين في عهد الانتداب البريطاني (الموسوعة الفلسطينية) القسم الثاني،الدراسات الخاصة ، المجلد الثاني، الدراسات التاريخية، الطبعة الأولى، بيروت 1990.

50. مصطفى الطحان ، فلسطين والمؤامرة الكبرى، المركز العالمي للكتاب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1994.

51. محمد عزيز شكري، البعد الدولي للقضية الفلسطينية (الموسوعة الفلسطينية) القسم الثاني، الدراسات ، المجلد السادس، الطبعة الأولى، بيروت، 1995.

52. عيسى خليل محسن، فلسطين الأم وابنها البار عبد القادر الحسيني ، دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية، عمان- الطبعة الأولى، 1986.

53. طلال أبو عفيفه، الاستراتيجية الفلسطينية من الخيار العسكري إلى خيار المفاوضات 1917ـ1993، الطبعة الأولى 1993.

54. رياض محمد الأسطل، تاريخ فلسطين الحديث والمعاصر، الطبعة الأولى 1998.

55. هنري كتن، قضية فلسطين، ترجمة رشدي الأشهب، الطبعة الأولى 1999.

56. شريف كناعنه، الشتات الفلسطيني، هجرة أم تهجير، مركز اللاجئين الشتات الفلسطيني.

57. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تقرير 31/12/2003.

58. ناهض زقوت، المركز القومي للدراسات التوثيق، وثائق القضية الفلسطينية، الجزء الأول. غزة 2003.

59. الموسوعة الفلسطينية، القسم العام، المجلد الثاني، هيئة الموسوعة الفلسطينية ،دمشق 1984.

60. الموسوعة الفلسطينية، القسم العام، المجلد الرابع، هيئة الموسوعة الفلسطينية ،دمشق 1984.

61. بنيامين بيت هالحمي، التاريخ يطارد الصهيونية ويحلق بها، ترجمة حسن خضر، رام الله، مطبعة المستقبل 1999.

62. أمين هويدي، كيف يفكر زعماء الصهيونيين، مصر، دار المعارف.

63. عبد الوهاب المسيري، انهيار إسرائيل من الداخل متاح على الانترنت، www.alayan.co.ae.

64. ببلوغرافيا الصراع العربي الاسرائيلي.


This site was last updated 01/21/08