الخلفية التاريخية للنكبة

 

*             فلسطين الموقع والحدود

 

الخلفية التاريخية

 

لم تنشأ القضية الفلسطينية في عزلة عن الأحداث العالمية بل كانت جزءاً لا يتجزأ منها، وهي لا تزال حتى اليوم تؤلف عقدة من العقد الدولية المترابطة عضوياً بعضها ببعض.

 

ولذلك فلا بد عند بحثها من رؤية ظروف تطورها في المدى التاريخي ليسهل فهم الحاضر، فعندئذ يمكن إضاءة طريق المستقبل.

 

لقد التقت على التربة الفلسطينية ثلاث قوى تفاعلت فيما بينها، كل بقدر طاقاتها، وخلقت بصراعاتها القضية الفلسطينية  وحسب ما أورد ايميل توما في كتابه جذور القضية الفلسطينية


 

 

فلسطين الموقع والحدود

 

عرفت فلسطين منذ القدم بأرض كنعان، حيث سكنتها القبائل الكنعانية العربية القادمة من الجزيرة العربية، ظهر ذلك في مسلة إدريمي والمصادر المسمارية ورسائل تل العمارنة من القرن الثامن عشر قبل الميلاد،  أما أصل التسمية فلسطين فيرجع إلى "فلستا" التي وردت في السجلات الآشورية، وقد أطلق هيرودوت أبو التاريخ اسم فلسطين على الأرض الساحلية للجزء الجنوبي من سوريا الممتدة من سيناء جنوباً وغور الأردن شرقاً، وفي العهد الروماني أصبح اسم فلسطين يطلق على كل الأرض المقدسة، واستمر ذلك في العهد الإسلامي، حيث عرفت فلسطين باسم جند فلسطين أثناء التقسيمات الإدارية للدولة الإسلامية.

تعتبر فلسطين التاريخية حلقة الوصل بين قارات العالم القديم فهي التي تفصل قارتي آسيا وأفريقيا. كما أنها الامتداد الطبيعي لما عرف على مر الزمان بلاد الشام،   التي تضم سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، حيث لم تكن توجد أي تقسيمات حدودية فاصلة وهمية كانت أو طبيعية عدا التقسيمات الإدارية التي وضعت لتسهيل حكم المنطقة خلال الفترة من الفتح الإسلامي إلى الحكم العثماني.

ومع ضعف الدولة العثمانية تكالبت عليها الدول الاستعمارية الغربية في محاولة لتقسيم تركة هذه الدولة أو "الرجل المريض" كما اطلق عليها في ذلك الوقت فلم تكد تنتهي الحرب العالمية الأولى حتى كانت فلسطين قد وضعت في قالب حدودي رسم بدايتها ونهايتها من خلال اتفاق بريطاني ـ فرنسي كانت بدايته ما ورد في اتفاقية سايكس ـ بيكو، التي تحولت إلى واقع بعد رسم الحدود في 23/12/1920 والتي عدلت بعد سنتي 1922 و1923 لتضم مناطق المياه الجوفية والأنهار وتشكل قاطع يفصل بلاد المشرق العربي عن بلاد المغرب العربي،  وقد وضع هذا الترتيب لضمان تحقيق الأطماع الاستعمارية في البلاد العربية من خلال إنشاء الكيان الصهيوني.

وعلى هذا الأساس تقع فلسطين بين خطي عرض 30َ 29ْ و 15َ 33ْ وخطي طول 15َ 34ْ و40َ 35ْ. وتبلغ مساحتها 27 ألف كيلو متر مربع،  أما حدودها كما خططت في أعقاب الحرب العالمية الأولى: البحر الأبيض المتوسط غرباً وسوريا والأردن شرقاً عبر خط يبتدئ شمالاً بنقطة تقع إلى الغرب مباشرة من مدينة بانياس السورية، ثم ينحدر جنوباً محاذياً الشواطئ الشرقية لبحيرتي الحولة وطبرية ثم متبعاً مجرى نهر الأردن. مخترقاً البحر الميت من وسطه متجهاً بعد ذلك إلى خليج العقبة مرورا بوادي عربة. ويحد فلسطين شمالاً لبنان في خط متعرج يبتدئ غرباً برأس الناقورة على البحر المتوسط ثم يتجه شرقاً إلى قرية بارون اللبنانية، فشمالاً حتى قريتي المالكية وقدس الفلسطينيتين فالمطلة الفلسطينية، ثم شرقاً إلى تل القاضي ـ دان ـ إلى الغرب من بانياس السورية.

أما الحد الجنوبي فيمتد من نقطة تقع جنوبي رفح على شاطئ البحر المتوسط إلى خليج العقبة .

 

وأطولها الحدودية محدد كما يلي:

 

الحدود الساحلية على البحر المتوسط

224كم

الحدود مع لبنان

79كم

الحدود مع سوريا

70كم

الحدود مع الأردن

360كم

الحدود مع مصر

240كم

الحدود على ساحل خليج العقبة

10.5كم

 

هذه الحدود التي استقر عليها الانتداب البريطاني جاءت من أجل تحقيق الوعد البريطاني للحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود،  إلا أن الأحداث التي فرضت نفسها على الأرض من خلال رفض العرب للمخططات الصهيونية البريطانية أفضت إلى لجوء بريطانيا للجمعية العمومية لدراسة الوضع في فلسطين وتشكيل لجنة خاصة بذلك هذه اللجنة أصدرت توصيات تنص على تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية إلا أن الأطماع الصهيونية كانت أكبر من قيام دولة لهم على 51% من أرض فلسطين فما أن أنهى الانتداب البريطاني كانت إسرائيل قد اغتصبت حوالي 76% من أرض فلسطين التاريخية الموضحة سالفاً وما تبقى من فلسطين كان منطقتين منفصلتين هما الضفة الغربية التي خضعت للحكم الأردني، وقطاع غزة الذي خضع للإدارة المصرية وذلك حتى العام 1967 حيث خضعت كلا المنطقتين تحت الاحتلال الإسرائيلي في أعقاب حرب الخامس من حزيران من نفس العام .

 

خريطة فلسطين تحت الانتداب البريطاني  1923 – 1948

 

المراجع

(1)   الموسوعة الفلسطينية ، القسم الثاني، الدراسات الخاصة ، المجلد الأول.

(2)   فلسطين تاريخها و قضيتها. مؤسسة الدراسات الفلسطينية،ص3

(3)   الموسوعة الفلسطينية،مصدر سبق ذكره.

 

 

 


 

الإمبريالية البريطانية

 

قد يكون من الصعب تحديد تاريخ تطلع بريطانيا إلى احتلال الشرق الأدنى في التاريخ المعاصر ولكن المؤرخ فيليب حتى يعتقد أن إنجلترا، وإن لم تكن تجاور الدولة العثمانية اقليمياً، إلا أنها ابتدأت منذ القرن السادس عشر تبدي اهتماماً خاصاً بها بسبب تجارتها البرية مع الهند والشرقين الأدنى والأقصى. ويضيف: ببدء تلاشي الامبراطورية العثمانية تخطت مصالح بريطانيا التجارة إلى الإمبريالية فهي لم تكن  تريد أن ترى الدولة العثمانية مقطعة الأوصال، كما أنها لم تكن ترغب في رؤية روسية متمركزة على البوسفور ( كتابة بالإنجليزية " تاريخ سوريا" ص 698).

 

والحقيقة أنه منذ بداية القرن التاسع عشر أخذت الشركات البريطانية من الهند تقوم بخدمة ملاحة منتظمة إلى البصرة والسويس ( 1809) . وفي البحر المتوسط بدأت بواخر بريطانية أيضاً بخدمة منتظمة إلى مصر وسوريا.( برنارد لويس في كتابه " العرب في التاريخ" ص 169).

 

ولا جدال في أن احتلال نابليون بونابرت، بجيشه الفرنسي، مصر عام 1798 ومحاولته احتلال سوريا الطبيعية( ونقد بها فلسطين وشرق الأردن  ولبنان وسوريا) كانتا حملة عسكرية سياسية هدفت إلى أمرين: تهديد الإمبراطورية البريطانية الكولونيالية في الهند وتوسيع الإمبراطورية الفرنسية الكولونيالية.

 

ولذلك تمثل الحملة النابليونية نقطة تحول في سياسة الكولونيالية البريطانية، فقد بدأت بعدها سلسلة " اتفاقاتها" مع أمراء ومشايخ ولايات سواحل شبه الجزيرة العربية ابتداء من عدن حتى الكويت، واحتلت المواقع الاستراتيجية والاقتصادية الحاسمة التي يمكن أن تقطع الطريق على أية قوة تهدد الهند درة التاج الإمبراطوري البريطاني، كذلك عاونت القوات البريطانية القوات العثمانية على إجلاء القوات الفرنسية عن مصر عام 1801 ولكنها لم تحاول البقاء فيها آنذاك.

 

أما محاولتها احتلال قطرما في منطقة الشرق الأدنى فقد جرت عام 1807 حين هبطت قوة بريطانية بقيادة الجنرال فريزر إلى مصر بقصد احتلالها، إلا أنها أخفقت وهزمتها القوات المصرية في الرشيد فاضطرت إلى الانسحاب إلى الأسطول البريطاني الذي أبحر بها عائداً إلى قواعده.

 

وهناك من المؤرخين من يعتقد أن هذه الحملة لا تؤلف محاولة بريطانية مصممة على احتلال مصر، بل كانت من قبيل الاستكشاف وتوطيد المواقع البريطانية الاقتصادية حيال التطورات الداخلية في مصر تبلورت آنذاك في تقليص نفوذ المماليك حلفاء بريطانيا، وصعود  محمد علي إلى الحكم كان يبدي ميلاً للفرنسيين.. ولكن هذا التقديرلا يصمد للوقائع فبريطانيا حاولت قصداً احتلال مصر في عام 1807 إلا أنها ما كانت تستطيع أن تلقي بقوات أكبر من القوات التي ألقتها في المعركة. ففي ذلك الوقت كان نابليون يسيطر على أوروبا ويهددها تهديداً خطيراً ويفرض عليها ، لمواجهته، حشد قواها لا توزيعها على مختلف الجبهات.

 

وعادت أطماع الكولونيالية البريطانية بادية للعيان في فترة محاولة حاكم مصر محمد علي وولده إبراهيم إقامة الدولة العربية الكبيرة الأولى في الفترة المعاصرة بين 1831-1840.

 

آنذاك وقفت بريطانيا بوضوح وعنف تقاوم هذه الدولة الفتية، التي امتدت من مصر عبر سوريا الطبيعية حتى حدود آسيا الصغرى، وتعاونت مع الإمبراطورية العثمانية والدول الكولونيالية الأوروبية الأخرى لإجلاء القوات العربية المصرية عن سوريا وإعادتها إلى مصر وحصر الدولة الحديثة التي كانت تنمو في حدود مصر .

 

 وقامت عام 1840 القوات البريطانية البرية، التي أنزلت على ساحل سوريا، والبحرية التي كانت تقصف القوات المصرية من البحر، بدور فعال في تقهقر قوات إبراهيم المصري وانسحابها من سوريا.

 

ولاحظ المؤرخ جورج انطونيوس أن مقاومة بريطانيا مشروع الدولة العربية الناشئة كان أحد العوامل الجوهرية في إخفاقها. كتب : " قد يكون الاصطدام بين محمد علي وإنجلترا أمراً لا بد من وقوعه لأن نمو سلطانه في مصر ثم امتداده إلى الجزيرة العربية والبحر الأحمر أكسبه سيطرة قوية في تلك المناطق الواقعة على طريق من اخطر الطرق التجارية في العالم، وله في الوقت نفسه قيمة خاصة للتجارة الإنجليزية( يقظة العرب تعريب علي حيدر الركابي).

 

وتدعم الوقائع هذا التقدير، فوزير خارجية بريطانيا ( ورئيس وزرائها فيما بعد) بالمرستون في رسالة إلى سفير بلاده في نابولي بتاريخ 21 آذار ( مارس) 1833 كتب:

 

" إن هدف محمد علي الحقيقي هو إقامة مملكة عربية تضم جميع البلاد التي تتكلم العربية، وقد لا يحوي هذا المشروع ضرراً ما في حد ذاته ولكنه سيؤدي إلى تطيع أوصال تركيا وهذا ما لا نرضى عنه، وفضلاً عن ذلك فلا نرى سبباً يبرر إحلال ملك عربي محل تركيا في السيطرة على طريق الهند". ( المصدر ذاته ص 21-22).

 

وفي رسالة إلى السير وليام كامبل سفير بلاده في كابول عام 1833 كتب بالمرستون في نفس الروح إلا أنه كان أحد وأشد بتأكيده على عدم تسليم بريطانيا بوجود دولة غير تركيا على طريق الهند فهي" خير ملك عربي يقوم على هذه البلاد ويكون نزاعاً للعمل كثير الحركة" ( الدولة العربية المتحدة أمين سعيد ص 95 جزء أول).

 

الكولونيالية البريطانية تصبح صهيونية قبل نشوء الحركة الصهيونية

لقد أثبتنا تطورالمطامع البريطانية في الشرق الأدنى تمهيداً لنبحث في بداية اللقاء بين الكولونيالية البريطانية والصهيونية من قبل أن تولد الحركة الصهيونية بحوالي نصف قرن وكان التهديد الذي مثله محمد علي وولده إبراهيم بمحاولتهما إقامة الدولة العربية الكبيرة نقطة البداية في هذا اللقاء.

 

كتب ناحوم سولوكوف، أحد كبار مؤسسي الحركة الصهيونية، يبرز الصلة بين محاولة إقامة الدولة العربية الكبيرة وتبني الكولونيالية البريطانية الفكرة الصهيونية من قبل أن تنشأ منظمة صهيونية أو يضع أسسها أيديولوجي يهودي  فأكد:

 

" ونشأت  ( بعد تدخل الدول الأوروبية لإنقاذ الإمبراطورية العثمانية وإعادة قوات إبراهيم إلى مصر).مسألة مستقبل فلسطين. هل كانت ستبقى بيد تركيا أم هل كانت بريطانيا العظمى ستفوز بالأماكن الهامة. وكان السائد في الرأي العام البريطاني ضم عكا وقبرص إلى الإمبراطورية البريطانية. فبريطانيا وقد احتلت موقع عكا الحصين الذي لا يقهر كانت لا تضطر إلى السعي لضمان حرية الطريق إلى الهند من أي دولة أخرى". ثم أورد أمثلة عديدة على ساسة بريطانيين نادوا باستيطان اليهود في فلسطين.( كتابة تاريخ الصهيونية المجلد الأول 104).

 

ومن هذه الأمثلة أنه في 25 أيلول ( سبتمبر) 1840 كتب الإيرل شافتسبري بالمرستون  وزير الخارجية البريطاني بشأن المسألة السورية ( التي كانت لا تزال موضع بحث في الميدان الدولي وتدور حولها المفاوضة مع محمد علي – المؤلف أ.ت) يقترح إقامة مستعمرة بريطانية ( دومنيون) . وأضاف أن المنطقة تحتاج إلى المال والعمل… وأن العبرانيين يترقبون العودة إلى سوريا ولذلك فإذا ضمنت الدول قوانين تحقق المساواة في سوريا وتبدد شكوك العبرانيين فعندئذ يستنفرهم النداء فيخرجون بثرواتهم وصناعتهم .. وأكد في النهاية أن استعمار العبرانيين سوريا هو أرخص وأضمن أسلوب لتزويد هذه المناطق القليلة السكان بحاجاتها.( المصدر ذاته المجلد الثاني ص 229).

 

وعاد شافتسبري ليؤكد هذا الأمر بعد ربع قرن:

ففي مقال كتبه عام 1876 تحدث عن اليهود بوصفهم تجاراً بارزين وقال أن سوريا تحتاج إلى راس مال وسكان. واستنتج أن اليهود يستطيعون تزويدها بالأمرين، وسأل شافتسبري: أو ليس لبريطانيا مصلحة في ذلك .. وأجاب:

" إنها لضربة لإنجلترا إذا ما استولى أي من منافسيها على سوريا. فإمبراطوريتها التي تمتد من كندا في الغرب إلى كلكتا ( الهند ) واستراليا في الجنوب الشرقي تقطع نصفين… يجب أن تصون إنجلترا سوريا لنفسها…ألا تستدعي السياسة إذن أن تنتمي انجلترا، وهي دولة تجارية بحرية عظمى، قومية اليهود وأن يرجع إليها فضل استيطان اليهود في فلسطين"( سجل ذلك ناحوم سولوكوف في كتابه تاريخ الصهيونية المجلد الأول ص 206).

 

وبين هذين التاريخين 1840 و 1876 عالج عدد من الكتاب والساسة البريطانيين غير اليهود ما كان يطلق عليها آنذاك المسألة التركية أو المسألة الشرقية وأكدوا أمرين، بالتساوي تقريباً: ضرورة سيطرة بريطانيا على الشرق الأدنى وبالتحديد سوريا ( وتشمل فلسطين) واستخدام اليهود أو العبرانيين في استيطان فلسطين أو سوريا لتثبيت السيطرة البريطانية على المنطقة وحماية طريق الهند.

 

وكان أحد هؤلاء  الكولونيل شارلز هنري تشرشل( 1814-1877) أحد ضباط الحملة البريطانية التي حاربت القوات المصرية العربية في سوريا عام 1840.

 

كتب في مقدمة كتابه " جبل لبنان" ( بالإنجليزية صدر عام 1853 ): إن كنا نريد الإسراع في تقدم المدنية وأردنا توطيد سيادة إنجلترا في الشرق فمن الواجب أن تقع سوريا ومصر تحت سيطرتها ونفوذها بهذا الشكل أو بذاك.

 

ودعا إلى مثل هذا المستشرق البريطاني السير اوستن هنري لايارد ( 1817-1894) عضو البرلمان في سنوات الخمسين من القرن التاسع عشر، قال في إحدى خطبه التي عالج فيها المسألة التركية: " علينا أن لا ننسى أنه إذا كانت مصر طريقاً من الطرق إلى الهند فسوريا ووادي الدجلة والفرات هي الطريق والدولة التي تسيطر على هذين القطرين تتحكم في الهند".

( مجموعة خطاباته في المسألة التركية ص 10 صدر بالإنجليزية عام 1857).

 

وقال الكولونيل جورج جولر( 1796-1869) حاكم جنوب أستراليا في خطاب ألقاه في 25 كانون الثاني (يناير ) 1853:لقد وضع القدر سوريا ومصر بين انجلترا وأعظم مناطق إمبراطوريتها الكولونيالية ومراكز تجارتها في الهند والصين والأرخبيل الهندي وأستراليا. وأضاف أن استيلاء أي دولة على مصر وسوريا يهدد تجارة بريطانيا، ولذلك يدعو القدر انجلترا إلى أن تحسن سوريا وتطورها وذلك بنشاط أبناء إسرائيل ومساعيهم.

 

وتؤكد هذه التصريحات فعالية المحرك الكولونيالي في دفع كتاب إنجلترا وساستها إلى الدعوة إلى بسط النفوذ البريطاني على سوريا ( فلسطين) واستخدام أبناء إسرائيل أو العبرانيين في استيطانها على نسق المستوطنين الأوروبيين في أمريكا لتحقيق ذلك، فهذا فقط يفسر صدور الكتب العديدة نسبياً التي تدعو إلى هذا الأمر (1).

 

وقد طابق اشتداد الاهتمام  الكولونيالي في الشرق الأدنى أزمات سياسية دولية معينة، الأولى أثناء محاولة محمد علي وولده إبراهيم إقامة الدولة العربية الكبيرة في مصر وسوريا، والثانية أثناء التوتر الذي رافق مسألة حفر قناة السويس  وملابساتها.

 

ولاحظ هذا الأمر هوراس ماير كلن في كتابه " الصهيونية والسياسة الدولية" فكتب: انتشرت فكرة بعث إسرائيل باعتبارها ممكنة التحقيق على صعيد السياسة العملية والمستوى الديني(2) في بريطانيا وفرنسا بين غير اليهود بشكل أوسع واشد من انتشارها بين اليهود ، فبالنسبة لهونغورث حين كتب عام 1952 في إنجلترا ( ملاحظات حول وضع اليهود في فلسطين) لم تكن إقامة الدولة اليهودية في فلسطين عملاً إنسانياً وعادلاً بل ضرورة سياسية في الذهن البريطاني لحماية الطريق عبر آسيا الصغرى إلى الهند- أما المحرك المباشر فكان الحديث الملح حول قناة السويس. فهذا المشروع الكبير حرك الفرنسيين للتفكير بالفكرة نفسها( بعث إسرائيل) كما يظهر ذلك من كتاب ديني " المشكلة الشرقية الجديدة" وكتاب أ. لاهرامي: " المسألة الشرقية "( ص 48-49).

 

وهكذا ينبه هذا الكاتب إلى أن سياسة الكولونيالية البريطانية الصهيونية .. أي تبني انجلترا فكرة " بعث إسرائيل" قابلتها في مرحلة قصيرة سياسة كولونيالية فرنسية صهيونية. وبذلك جرى التنافس الكولونيالي حول فلسطين في ميدان واحد هو ميدان " البعث الإسرائيلي"! إلا أن هذه الفترة كانت قصيرة جداً، والكولونيالية الفرنسية لم تهتم الاهتمام الضخم بالمشروع الكولونيالي الإسرائيلي الذي أبدته بريطانيا منذ عام 1840 وما بعد.

 

وتعود إلى هذه الفترة محاولة تخفيف حدة التنافس الأنجلو – فرنسي باقتراح هنري دونانت، في رسالة مفتوحة، تأليف جمعية شرقية دولية يؤيدها الرأي العام الدولي لبعث الشرق زراعياً  وصناعياً وتجارياً ، وخاصة فلسطين، بالتعاون مع الإسرائيليين وبتأييد أصحاب القول الفصل في فرنسا وبريطانيا وغيرها.( تاريخ الصهيونية المجلد 2 ص 295).

 

هذا ويلاحظ المؤرخ أن الحماس البريطاني لفكرة الاستيطان اليهودي خف في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ثم عاد وتجدد في القرن العشرين.

 

ولهذا أسباب منها أن لينين لاحظ في دراسته العبقرية " الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" أنه في أوج ازدهار المزاحمة الحرة عالمياً في مرحلة 1840-1860 كان السياسيون البرجوازيون في بريطانيا ضد السياسة الكولونيالية وكانوا يعتبرون تحرر المستعمرات وانفصالها التام عن انجلترا أمراً محتوماً. ( حركة شعوب الشرق الوطنية التحررية ص 168).

 

ولذلك لم تكن بريطانيا، التي احتلت مناطق عديدة في العالم تفكر في المرحلة هذه، باحتلال مناطق جديدة بل مواصلة سياسة الاستيطان الكولونيالي الذي بدأ في القرن السابع عشر، وترى فيه سبيلاً لحماية مصالحها التجارية وهذا ما ظهر من كل تصريحات وكتابات الساسة البريطانيين.

 

وهذا ما أكده سولوكوف  فكتب: أن فكرة استعمار سوريا نشأت  في حين كان استعمار أمريكا واستراليا على قدم وساق.. وأضاف: فالسيطرة على القطر السوري كانت تزيد في موارد بريطانيا التجارية وقواها الدفاعية ( تاريخ الصهيونية، المجلد الأول، ص 105-106).

 

ثم هناك سبب آخر أبعد بريطانيا عن فكرة احتلال سوريا آنذاك، ونقصد به التوازن الدولي في العالم. فقد كان يستبعد إجراء تغييرات في أوضاع الإمبراطورية العثمانية تمنح أي من الدول الكولونيالية امتيازاً على الأخرى.

 

وأهمية صيانة هذا التوازن ظهرت في المناسبتين اللتين نشبت فيهما الحرب بين روسيا القيصرية والإمبراطورية العثمانية، ففي المناسبة الأولى- وعرفت بحرب " القرم" (3)- هزمت في بدايتها روسيا القيصرية الإمبراطورية العثمانية فاقتحمت بريطانيا ومعها فرنسا وسردينيا وبروسيا ميدان المعركة وقلبت نصر روسيا القيصرية هزيمة وعقد مؤتمر باريس عام 1856 وقرر " تمامية السلطنة العثمانية" وتكامل أراضيها.

 

أما في المناسبة الثانية فهزم روسيا القيصرية الإمبراطورية العثمانية عام 1876 لم يؤد إلى تدخل عسكري واستطاعت روسيا القيصرية أن تفرض على الإمبراطورية العثمانية معاهدة سان ستيفانو، إلا أن بريطانيا نجحت في أن تجند دول أوروبا الكبرى وأن تفرض على روسيا القيصرية الاشتراك في مؤتمر برلين والقبول بنتائجه وأهمها إعادة الولايات التي احتلتها روسيا القيصرية إلى الإمبراطورية العثمانية.

 

وقد دخل عامل التجارة في الموقف البريطاني من يهود الشرق الأدنى.

 

في كتابة " تقرير حول سوريا"  وصف جون بردنغ اليهود في دمشق أن التجار اليهود الأجانب في دمشق هم الفئة الأغنى بين التجار وذكر عائلتين تملك كل منهما مليون ونصف مليون جنيه( وهذه ثروة ضخمة في ذلك الحين) وأضاف أن أكثر البيوتات التجارية تتاجر مع بريطانيا.( سولوكوف تاريخ الصهيونية المجلد الأول ص 76).

 

وهذا قد يكون عاملاً من العوامل التي جعلت بريطانيا تمد حمايتها على يهود الإمبراطورية العثمانية في سنوات الربعين من القرن التاسع عشر، أي في هذه الفترة من شيوع الصهيونية الكولونيالية البريطانية غير اليهودية.

 

ولاحظ سولوكوف أن عوامل سياسية أيضاً دفعت بريطانيا نحو مد حمايتها لتشمل اليهود في الإمبراطورية العثمانية.( تاريخ الصهيونية المجلد الأول ص 118).

 

وفسر ضرورات السياسة البريطانية هذه الدكتور ادوارد روبنسون ( 1797 – 1863) في كتابة " تنقيبات توراتية في فلسطين"، حين كتب :

" كانت فرنسا منذ وقت طويل حامي الدين الكاثوليكي ( التابع لروما) المعترف بها..  ووجد أبناء الكنيسة الأرثوذوكسية ( الرومية) أنصار أشداء في الروس .. ولكن لا يوجد متحيزون للإنجليز في أي مكان من الإمبراطورية العثمانية".

 

وبما أن الدولة الكولونيالية، في مساعيها للتسرب إلى الإمبراطورية العثمانية واقتسام تركتها في الشرق الأدنى كانت تستفيد من التظاهر بالدفاع عن هذه الطائفة أو تلك فقد وجدت بريطانيا أنها في حاجة إلى طائفة لتواجه روسيا القيصرية وفرنسا، فأرادت أن تتوكأ على اليهود، وقد لجأت فيما بعد حين اشتد الصراع بين الدول الإمبريالية إلى زعماء الدروز تماماً كما وجدت فرنسا بغيتها في زعماء الموارنة وروسيا القيصرية في زعماء الروم الأرثوذوكس (4).

 

وهنا نستطيع أن نجيب على السؤال لماذا خفت الدعوة إلى بعث إسرائيل في الربع الأخير من القرن التاسع عشر؟

 

أوضح لينين كما ذكرنا أن فترة المزاحمة التجارية بين 1840-1860 خلقت الاعتقاد بأن تحرر المستعمرات ( المستوطنات على وجه التحديد) أمر محتوم، على اعتبار أن وجودها يعرقل نمو التجارة واتساعها، ولكنه أضاف في كتابه " الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" أن الوضع تغير بنمو الاحتكارات وتراجعها عن مبدأ المزاحمة الحرة في التجارة الدولية.

 

لقد بدأت الكولونيالية تتحول إلى إمبريالية. ومن ملامح الإمبريالية إتمام تقسيم  العالم بين الدول الإمبريالية.

ولهذا اشتد الصراع بينها على المستعمرات.

 

وكتب لينين في هذا الصدد: " إن مرحلة اشتداد الاستيلاء على المستعمرات، اشتداداً كبيراً ، وهي بالنسبة لانجلترا سنوات 1860-1880، واشتداداً ملحوظاً جداً في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر. ومرحلة الاشتداد الكبير بالنسبة لفرنسا وألمانيا هي العقدان الأخيران بالضبط" ( حركة شعوب الشرق الوطنية التحررية ص 183).

 

وهكذا ففي الربع الأخير من القرن التاسع عشر، خصوصاً بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، واشتد الصراع الإمبريالي على الإمبراطورية العثمانية.

 

وكان الصراع على أشده بين بريطانيا  وفرنسا في الشرق الأدنى.

ولم يكمن الصراع على مجرد النفوذ أو المواقع الاقتصادية، بل على الأقطار نفسها، فالاستيلاء على القطر المعين كان يمنح احتكارات الدولة السائدة المواقع الاقتصادية ويمكنها من السيطرة على سوقها ومقدراتها.

 

وفعلاً ركزت بريطانيا جهودها لاحتلال مصر ونجحت في ذلك عام 1882 في حين نجحت فرنسا في احتلال تونس قبل سنة من هذا التاريخ.

 

يقسم دافيد هيل في كتابه " تاريخ الدبلوماسية في التطور الدولي في أوروبا"، تاريخ السياسة الدولية التي مارستها بريطانيا العظمى من سنة 1870 وما بعد إلى أربع مراحل:

1. الآسيوية الأولى وفيها قاومت بريطانيا تقدم روسيا في آسيا الوسطى في اتجاه الهند.

2. الإفريقية ( سنوات 1885-1902 على وجه التقريب) وفيها اشتد الصراع بين بريطانيا وفرنسا من أجل اقتسام إفريقيا ووقعت حادثة فاشودا (5) فأصبحت الحرب بين القطرين قاب قوسين أو أدنى.

3. الآسيوية الثانية وخلالها عقدت بريطانيا معاهدة مع اليابان للتصدي لروسيا القيصرية.

4. الأوروبية وفيها وقفت بريطانيا أمام ألمانيا التي كانت تريد إعادة تقسيم المستعمرات لتفوز " بحقها" منها.

 

والمهم هنا أن بريطانيا احتاجت فكرة بعث إسرائيل في فترة المزاحمة الحرة ولم تكن في حاجة لها في وقت الصراع الشديد مع فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر فقد كان ميدان الصراع مصر وافريقيا وفيهما لم يكن من الممكن الاستفادة من صهيونية بريطانيا الكولونيالية. إلا أنها احتاجت من جديد إلى الصهيونية في بداية القرن العشرين.

 

ولكن آنذاك كانت الصهيونية قد أصبحت يهودية. وكانت منظمتها قد بدأت تحتل مكانها في بعض المحافل الأوروبية.

 


هوامش:

1- من هذه الكتب: كتاب توماس كلارك فلسطين لليهود وفيه أبرز الكاتب أن استيلاء اليهود على فلسطين بحماية بريطانيا ضرورة قصوى. كتاب هولنغورت تاريخ اليهود في فلسطين الصادر عام 1852 ويدعو إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين لحماية طريق الهند.

 

2- لقد انتشرت فكرة دينية – إلى جانب الفكرة السياسية المذكورة- تقول أن عودة اليهود إلى فلسطين أو بعث إسرائيل يقرب خلاص الإنسانية وعودة المخلص ولذلك على المسيحيين الدعوة إلى ذلك .

 

3-  1854-1856.

 

4- تمتعت الدول الأوروبية بنظام الامتيازات في الإمبراطورية العثمانية وهذه كانت تمنح من يتمتع بالحماية الأجنبية حقوقاً خاصة منها عدم المثول أمام المحاكم المحلية.

 

5- قرية على حدود السودان التقت فيها قوتان، بريطانيا وفرنسا كانتا تحددان حدود إمبراطورية كل منهما . آنذاك رفضت بريطانيا لقوة فرنسا بالتقدم واضطرت فرنسا للتراجع.

 

 

المصدر:

ايميل توما، جذور القضية الفلسطينية (الأعمال الكاملة) المجلد الرابع، حيفا 1995.

 

 


  

الحركة الصهيونية

 

مفهوم الصهيونية

 

الصهيونية كلمة أخذها المفكر اليهودي "ناثان برنباوم" من كلمة "صهيون" لتدل على الحركة الهادفة إلى تجميع "الشعب اليهودي" في أرض فلسطين، ويعتقد اليهود أن المسيح المخلص سيأتي في آخر الأيام ليعود بشعبه إلى أرض الميعاد، ويحكم العالم من جبل صهيون. وقد حول الصهيونيون هذا المعتقد الديني إلى برنامج سياسي، كما حولوا الشعارات والرموز الدينية إلى شعارات ورموز دنيوية سياسية، ورغم تنوع الاتجاهات الصهيونية (يمينية ويسارية، ومتدينة وملحدة، واشتراكية ورأسمالية) ظلت المقولة الأساسية التي تستند إليها كل من التيارات الصهيونية هي مقولة "الشعب اليهودي"، أي الإيمان بأن الأقليات اليهودية في العالم لا تشكل أقليات دينية ذات انتماءات عرقية وقومية مختلفة، إنما تشكل أمة متكاملة توجد في الشتات أو المنفى بعيدة عن وطنها الحقيقي: "أرض الميعاد أو صهيون، أي فلسطين".

 

ويعتقد الصهيونيون أنه لما كان الشعب اليهودي لا يوجد في وطنه، بل هو مشتت في الخارج، فإنه يعاني من صنوف التفرقة العنصرية، ويمارس إحساساً عميقاً بالاغتراب عن الذات اليهودية الحقيقية، وبالتالي لا يمكن حل المسألة اليهودية ببعديها، الاجتماعي والنفسي، إلا عن طريق الاستيطان في فلسطين.

 

كما يرى الصهيونيون أن جذور الحركة الصهيونية ـ أو القومية اليهودية كما يسمونها ـ تعود إلى الدين اليهودي ذاته، وأن التاريخ اليهودي بعد تحطيم الهيكل على يد الرومان، هو تاريخ شعب مختار منفي، مرتبط بأرضه، ينتظر دائماً لخطة الخلاص والنجاة.

 

ويعلم دارسو الدين اليهودي أن الارتباط اليهودي بالعودة إلى الأرض المقدسة هو ارتباط توراتي مشروط، إذ أن الدين اليهودي يحرم العودة إلى أرض الميعاد، ويعتبر أن مثل هذه المحاولة هي من قبيل التجديف والهرطقة، لأن عودة اليهود حسب المعتقد الديني ـ لا يمكنها أن تتم إلا على يد مبعوث من الله، هو المسيح المخلص، وليس على يد حركة سياسية مثل المنظمة الصهيونية العالمية، ولذا حينما ظهرت الحركة الصهيونية عارضتها المنظمات اليهودية في العالم، وما تزال أقلية من هذه الجماعات تنادي بهذا المفهوم مثل جماعة "ناطوري كارتا" اليهودية المتدينة والتي تتمركز في الولايات المتحدة.

 

 

المصدر:

الموسوعة الفلسطينية، القسم العام، المجلد الثالث، هيئة الموسوعة الفلسطينية، دمشق، 1984، ص64

 

 


 

نشوء الحركة الصهيونية وأيديولوجيتها

 

 

يذكر الكاتب ايميل توما في كتابة جذور القضية الفلسطينية الفصل الثالث انه لم يكن من قبيل المصادفة أن تنشأ الصهيونية في أوروبا وأن يكون توقيت ظهور منظمتها في نهاية القرن التاسع عشر، وان تصوغ أيديولوجيتها على الوجه الذي صاغته فيه. فالأوضاع الاقتصادية والسياسية هي التي خلقت التربة لظهور اللاسامية، والصهيونية التي زعم أصحابها أنها الرد الوحيد على اللاسامية.

 

إن الاستيطان الكولونيالي الذي بدأ في القرن الثامن عشر استمر في القرن التاسع عشر وخاصة في أقطار أفريقيا، إلا أن الأمر الحاسم الذي ميز الربع الأخير من ذلك القرن كان انتقال الرأسمالية في أوروبا إلى أعلى مراحلها: مرحلة الإمبريالية.

 

وهذا كان يعني تحول رأسمالية التنافس الحر إلى الاحتكار واندماج المال المصرفي بالصناعة وتصدير رؤوس الأموال وإقامة احتكارات عالمية وتقسيم المستعمرات تماماً.

 

هذا من ناحية، أما من الناحية الأخرى فالانتقال من الرأسمالية إلى الإمبريالية شدد الصراعات الاجتماعية والقومية. وجعل الصراع بين الطبقة العاملة والرأسمالية الصراع الجوهري الذي يترك طابعه على كل ميادين الحياة ونواحي التطور.

 

ولم ير القرن التاسع عشر شيوع أيديولوجية الاشتراكية العلمية ومولد الحركة الشيوعية العالمية(1) فحسب. بل شهد أول محاولة في التاريخ تقوم بها الطبقة العاملة (الفرنسية) لخلع نير الرأسمالية وإقامة المجتمع العادل الذي يقضي على استغلال الإنسان للإنسان.

 

لقد هزت هذه المحاولة التي يعرفها التاريخ بكومونة باريس عام 1871 الرأسمالية وخاصة في أوروبا وأيقظتها على خطورة الطبقة العاملة التي اتسعت صفوفها بفضل التطور الصناعي المتواصل وتحسن تنظيمها بفضل خبراتها المتراكمة، وتعمقت نضاليتها الثورية نتيجة ظروفها القاسية.

 

ولجأت الرأسمالية إلى مختلف الأساليب لوقف المد الثوري.

فمن الناحية الواحدة استخدمت القمع والعنف في وقف مد النضال الطبقي الثوري، ومن الناحية الأخرى لجأت إلى الاستيطان الكولونيالي في سبيل تخفيف عنف هذا الصراع.

 

هكذا وصف الإمبريالية سيسل رودس(2) دور الكولونيالية الاستيطانية في هذا الصراع في عام 1895:

"كنت أمس في الايست اند (حي العمال في لندن) وحضرت اجتماعاً من اجتماعات العمال العاطلين وقد سمعت هناك خطابات فظيعة كانت من أولها إلى آخرها صرخات الخبز! الخبز! وأثناء عودتي إلى البيت كنت أفكر بما رأيت، وتبينت أوضح من السابق أهمية الاستعمار.. إن الفكرة التي أصبو إليها هي حل المسألة الاجتماعية، أعني: ليكما ننقذ أربعين مليوناً من سكان المملكة المتحدة من حرب أهلية مهلكة ينبغي علينا نحن الساسة طلاب المستعمرات أن نستولي على أراض جديدة لنرسل إليها فائض السكان ولنقتني ميادين جديدة لتصريف البضائع التي تنتجها المصانع والمناجم. فالإمبراطورية، وقد قلت ذلك مراراً وتكراراً، هي مسألة البطون. فإذا كنتم لا تريدون الحروب الأهلية ينبغي عليكم أن تصبحوا استعماريين".(3)

 

ولم تكتف الرأسمالية بهذين الأسلوبين بل استخدمت اللاسامية أيضاً حين دعتها إلى ذلك ضرورة تحويل الصراع الاجتماعي عن مساربه الصحيحة.

 

وابتدع الرجعيون اللاسامية- وهي من الأيدلوجية العنصرية السيئة الصيت- في هذه المرحلة بالذات، مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الإمبريالية واحتدام الصراعات الاجتماعية في أوروبا لأنهم اعتقدوا أنها سهلة الترويج.

 

ويحدد كثيرون من المؤرخين وقت ظهور اللاسامية في سنوات السبعين من القرن التاسع عشر ويؤكدون أن الساسة لجأوا إليها خدمة لأغراضهم.

 

وهذا ما يؤكده ماكس ديمونت في مؤلفه "اليهود والله والتاريخ" حين كتب: ان اللاسامية وهي أيديولوجية معاصرة تختلف تمام الاختلاف عن معاداة اليهود، في القرون الوسطى. نشأت في أواخر القرن التاسع عشر (ص 311 و 313). وشاعت بين الفئات المتوسطة التي كانت قلقة بحكم عدم استقرار أوضاعها الاجتماعية (ص 315) وأضاف ان ساسة اليمين استخدموها في محاربة ساسة اليسار. ثم كتب: وفسر الساسة عدم استقرار هذه الفئات لا بأسبابه الاجتماعية والاقتصادية، بل بسبب شرور اليهود. فإذا كانت هذه الفئات تخاف اخطار الرأسمالية عليها، لوحوا لها باليهودي الرأسمالي المستغل، أما إذا كانت تخاف الشيوعية فكانوا يلوحون لها بالشيوعي اليهودي المتآمر.(ص 318)

 

وهكذا فظهور الأيديولوجية العنصرية رافق الإمبريالية التي كانت تبرر احتلالها وسيطرتها على الأقطار المختلفة في آسيا وأفريقيا بذريعة "تمدين" شعوبها.

 

وذريعة "التمدين" التي اتخذت شعاراً لها "عبء الرجل الأبيض" استنفرت بطبيعة الأمور فكرة رقي شعوب الدولة الإمبريالية عرقاً على الشعوب المتخلفة ونقواتها العنصرية بالنسبة لتلك التي أدنى منها تطوراً أو "أغمق" منها لوناً.

 

وتؤكد حقائق التطور أن الأيديولوجية العنصرية كانت أسبق من اللاسامية التي تفرعت عنها، وأن اللاسامية انتشرت أول ما انتشرت في ألمانيا الإمبريالية في وقت الصراع الاجتماعي.

 

ويتفق كافة المؤرخين على ان مستشار ألمانيا بسمارك الذي قام بدور كبير في انعتاق اليهود ودمجهم في الحياة الألمانية، لجأ بنفسه إلى اللاسامية في معركته السياسية حين قاد معركة حزب المحافظين مع الأحرار الذين اعتبرهم تقدميين.

 

وكتب هوارد مورلي ساخر في مؤلفه "مسيرة التاريخ اليهودي المعاصر" يؤكد ارتباط اللاسامية بالصراع الاجتماعي على النحو التالي:

"وكانت سنوات السبعين في القرن التاسع عشر بالحقيقة سنوات أزمة الطبقة الوسطى الدنيا. كانت سنوات هبوط اقتصادي فقد خلالها أصحاب الحوانيت والمعلمون، بشكل خطير مكانتهم بوصفهم أصحاب الياقات البيضاء". وأضاف: "وخلال هذه الفترة بالضبط ظهر المدعو أدولف ستوكر وأدرك كره هذه الفئة الاشتراكية الماركسية والبروليتاريا فأسس "حزب العمال المسيحي الاجتماعي" واستخدم اللاسامية في دعايته لكسب الأنصار". (ص 224-225)

 

ويتأكد ارتباط اللاسامية بالأوضاع الاجتماعية الاقتصادية في أنها لم تظهر إلا في أوقات احتدام الصراعات الاجتماعية وتبددت حين لم تعد هناك ضرورة لها. ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن اللاسامية التي شاعت في ألمانيا في سنوات السبعين والثمانين في القرن التاسع عشر اختفت تقريباً من الحياة السياسية عند نهاية القرن المذكور ومطلعه لتعود إليها في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، في وقت احتدم فيه الصراع الاجتماعي احتداماً هائلاً واتسعت صفوف الحركة الشيوعية وتعاظم دورها في الحياة الاقتصادية والسياسية.

 

وليس يهمنا طبعاً من اللاسامية هنا غير مقولتها الأساسية، فهي انطلاقاً من مصدر أيديولوجيتها العنصرية تعتبر اليهود أمة منفصلة لا يمكن لأفرادها أن يندمجوا بالشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها.

 

ولذلك كانت اللاسامية نقيض حركة انعتاق اليهود التي اقترنت بالثورات البرجوازية، في أوروبا على وجه التحديد، وخطت خطوات بعيدة المدى في دمج الطوائف اليهودية بالقوميات التي تعيش في أقطارها.

واقترن ظهور اللاسامية بتطور عيني في الفكرة القومية في أوروبا.

لقد كانت الحركات القومية في أوروبا حركات تقدمية دينامية هدفت إلى تصفية تجزئة الإقطاعية وانعزالية ولايات الشعب الواحد.

 

وفي الفترة التي نحن بصددها، على الرغم من بقاء جيوب الكفاح القومي في الإمبراطوريات المتعددة القوميات في أوروبا، كانت الفكرة القومية قد فقدت طابعها التقدمي وأصبحت أداة في أيدي الإمبرياليين يستخدمونها لتوسيع إمبراطورياتهم تحت شعار "الكبرياء القومي" و "تمدين الشعوب".

 

وظهر هذا التغيير في طابع الحركات القومية في الحرب الفرنسية- البروسية التي خاضتها بروسيا من أجل خلق الأوضاع لإتمام وحدة المانية. ولكن هذه الحرب الإيجابية في بدايتها تجاوزت طابعها التقدمي حين تخطت الجيوش البروسية حدود ألمانيا وغزت الأراضي الفرنسية.

 

وهكذا، إذا استثنينا بعض الشعوب التي كانت ترزح تحت قيود الكبت القومي نستطيع أن نقول إن القومية أصبحت في أوروبا أداة بيد القوى الرجعية.

 

 

 

الأيديولوجية الصهيونية:

 

تبلورت الفكرة الصهيونية السياسية المعاصرة التي ظهرت في القرن التاسع عشر في كتاب ثيودور هرتسل "الدولة اليهودية" الذي ظهر عام 1896.

 

صحيح أن منظمات "أحباء صهيون" نشأت أساساً في روسيا القيصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ودعت إلى الهجرة إلى فلسطين، إلا أنها لم تترك أثراً عميقاً في حياة جماهير الطوائف اليهودية وكان من الممكن أن يعد الذين لبوا هذه الدعوة بالعشرات، فجماهير هذه الطوائف في روسيا القيصرية كانت قد انصبت في موجة الحركة الثورية الناهضة.

 

كذلك عالج القضية اليهودية من منطلقات مماثلة لمنطلقات هرتسل اليهودي الروسي مواطن أودويسا ليو بنسكر ووضع استنتاجاته في كتابه "التحرر الذاتي"، إلا أن دعوته لإقامة دولة يهودية- لا في فلسطين بالضرورة إذا استبعدها. واعياً،- لم تجد إطاراً تنظيمياً، وكان يجهلها هرتسل وأولئك الذين أقاموا المنظمة الصهيونية فيما بعد.

 

ولهذا اقترنت الحركة الصهيونية بهرتسل لأنه قرن أيديولوجيته بالمنظمة الصهيونية التي نشأت بعد المؤتمر الصهيوني العالمي الذي عقد في بال من أعمال سويسرا في عام 1897.

 

 

ما هي أسس الأيديولوجية الصهيونية؟

 

إن منطلق أصحاب هذه الأيديولوجية الأول، كما صاغه هرتسل وخلفاؤه من بعده "ان الشعوب التي يعيش اليهود بين ظهرانيها هي، إما ضمناً أو صراحة، لا سامية وأن اليهود هم شعب واحد... جعلهم أعدائهم هكذا بدون موافقتهم كما يحدث مراراً وتكراراً في التاريخ". (هرتسل: "الدولة اليهودية" إصدار المجلس الصهيوني الأمريكي عام 1946 ص 92).

 

وهكذا ينطلق الصهيونيون من المقولة الغيبية التي تتجاهل العوامل الاقتصادية- الاجتماعية التي خلقت اللاسامية ويؤكدون أن اللاسامية أبدية قائمة بين كل الشعوب قاطبة، وهي لطابعها العدائي أنشأت الشعب اليهودي ووحدته، بدون إرادته أو موافقته.

وهذا يعني أن الصهيونية قبلت مقولة اللاسامية وأصبحت وجهها الآخر.

وفي هذا الصدد كتب بن هلبرن صاحب كتاب "فكرة الدولة اليهودية": "نمت اللاسامية السياسية اذن بوصفها حركة مضادة للثورة معادية للوضع القائم لا بالنسبة لوضع اليهود فحسب، بل بالنسبة إلى البناء الديمقراطية والمواقف الليبرالية التي اتخذتها المجتمعات المعاصرة عامة". (ص 10)

 

وأضاف أن جمهرة اليهود رفضت مقولة اللاسامية واعتبرت نفسها جزءاً من القوميات التي اقترنت حياتها بحياة طوائفها اليهودية: "فقد أنكر اليهود الساعون نحو الانعتاق أن يكونوا قومية منفصلة" (ص 12). وعلى هذا الضوء يظهر أن الصهيونية فرضت الأيديولوجية اللاسامية حول "القومية اليهودية المنفصلة" على الطوائف اليهودية، على الرغم من مقاومتها ذلك.

 

وفي الواقع وجدت الصهيونية صعوبة كبيرة في الانتشار بين الطوائف اليهودية في أوروبا الغربية حيث ظهرت المنظمة الصهيونية في البداية. ومن الدلائل على ذلك أن الطائفة اليهودية في ميونخ من أعمال ألمانيا رفضت بشدة عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينتها، مما دفع القيمين عليه لعقده في بال السويسرية.

 

وقررت التقارب بين اللاسامية والصهيونية، أيديولوجياً، على الرغم من التناقض الظاهر بينهما، قرره إلى حد كبير موقف المنظمة الصهيونية من اللاسامية، فالقيادة الصهيونية لم تجد في اللاسامية عدواً خطيراً بل عاملاً مساعداً على تحقيق برامجها، انطلاقاً من مقولة هرتسل أن أعداء اليهود هم الذين جعلوهم شعباً واحداً.

 

بل ان هرتسل ذهب إلى أبعد من ذلك، وفي وصفه انتقاله من معسكر أنصار الانعتاق والاندماج إلى أنصار الانعزالية الطائفية كتب أنه اكتشف "أن اللاسامية وهي قوة غير واعية وشديدة المراس بين الجماهير لن تضر اليهود" وأضاف أنه يعتبرها "حركة مفيدة لتطوير الخلق اليهودي". (يومياته- مختصرة إصدار المكتبة الكونية ص 10).

 

وهكذا، فعلى الرغم من التناقض بين اللاسامية التي تصف اليهود بكل المثالب التي اكتشفتها العقليات المتعصبة، والصهيونية التي تضفي على اليهود كافة نعوت الكمال الإنساني، فقد كان التقارب ملازماً لهما على صعيد العمل، إذ كانت الصهيونية ترى في اللاسامية محركها التاريخي وتحتاج إلى نشاطها لتحقيق أهدافها.

 

واتخذ هذا التقارب لا شكل سكوت على اللاسامية فحسب بل إطار تعاون وثيق بين اللاساميين والصهيونيين. وهذا ما أظهرته حقائق التعاون بين القادة الصهيونيين مع النازيين قبل الحرب العالمية الثانية.

 

وقبل وقت غير بعيد نشرت بعض مجلات هذه البلاد فضحية المنظمة الصهيونية في العراق التي ألقت القنابل على الكنس وتجمعات اليهود بقصد اجتثاث جماهير الطائفة اليهودية مت تربتها الطبيعية، التي نمت فيها عبر قرون، وتهجيرها إلى إسرائيل.

 

واعتماداً على المقولتين: أبدية اللاسامية "وفضل" عملية الانعتاق والاندماج، أولاً، ووجود الشعب اليهودي بفضل أعدائه، ثانياً، استنتجت الصهيونية أن المشكلة اليهودية لا حل لها بغير تجميع "شتات" اليهود في مركز واحد يقيمون فيه دولتهم وتنتهي مشكلتهم التي "امتدت حوالي ألفي سنة" منذ أن "شتتهم الرومان"!!(4)

 

ولم يترك الصهيونيون أيديولوجيتهم بهذه البساطة بل تعمقوا في بحث ملامحها وألبسوها حللاً "علمية".

ومن هذا القبيل ما كتبه ليو بنسكر في كتابه "التحرر الذاتي". فقد اعتمد في بنائه الأيديولوجي على أن اليهود هم قوم شبح لا وطن لهم، وبما أن الإنسانية تكره الأشباح لذلك تنزل بهم الشعوب الاضطهاد التعذيب، والحل إذن يكمن في تحويلهم من قوم شبح إلى قوم طبيعي، وهذا يتم إذا ما أقاموا وطناً لهم في مكان ما، فعندئذ يتوقف اضطهادهم حتى لو بقيت بعض طوائفهم في أقطار مختلفة فهم عندئذ يكونون جالية كسائر الجاليات التي تعيش بين قوميات أخرى.

 

ولم يكن تعيين الوطن أمراً مفروغاً منه منذ البداية، فليو بنسكر استبعد فلسطين عند بحثه أمر اختيار الوطن، واعياً، على اعتبار أن ذكرياتهم المرتبطة بها قد تكون عاملاً معرقلاً. كما أن المنظمة الصهيونية، مع أنها في مؤتمرها الأول دعت إلى إقامة الوطن القومي في فلسطين، إلا أنها عادت في عام 1903 ووافقت على اقتراح ممثل الإمبريالية البريطانية تشمبرلين إقامة الوطن القومي في أوغندا.

 

أما الاتفاق نهائياً على اختيار فلسطين فيعود إلى عاملين: نشوء ظروف تساوقت فيها مصلحة الإمبريالية البريطانية والصهيونية أولاً واكتشاف الصهيونيين أن من الأسهل استنفار جماهير الطوائف اليهودية لبناء وطن قومي في فلسطين بسبب اقترانها بالدين اليهودي وذكريات تاريخية قديمة.

 

كذلك ارتأت الأيديولوجية الصهيونية أن الأمة اليهودية لا أمة عالمية فحسب، بل أمة من نوع فريد تتجاوز التقسيمات الطبقية وينتفي فيها الصراع الاجتماعي.

 

ولهذا كانت دعوة هرتسل معادية للاشتراكية التي وضعها التاريخ على بساط البحث في تلك الفترة التاريخية في أوروبا.

 

وكان واضحاً أن الصهيونية التي كان من الممكن أن تجد قاسماً مشتركاً مع اللاسامية، لم تجد قاسماً مشتركاً مع الاشتراكية العلمية، وكان اصطدامها بها تصادماً مباشراً على طول الجبهة.

 

ففي حين كانت الحركة الاشتراكية الثورية آنذاك تدعو إلى وحدة النضال الطبقي بين العمال عامة بغض النظر عن انتمائهم القومي أو الطائفي وترى في القضاء على حكم الطغيان الرأسمالي حلاً للمشاكل القومية والطائفية ومن بينها المشكلة اليهودية، وتنادي باندماج اليهود مع سائر القوميات، ظهرت الصهيونية عنصراً مخرباً في الطبقة العاملة تدعو إلى انسحاب العمال اليهود من النضال الطبقي والسير وراء سراب الصهيونية وتعميق العزلة الطائفية والقومية في مرحلة النهوض الطبقي الثوري.

 

وفي حين أن القيادة الصهيونية لم تبذل أي جهد لجذب اليهود الرأسماليين النشيطين من الأحزاب البرجوازية (ليبرالية كانت أم محافظة)، بذلت جهوداً ضخمة، لجذب اليهود من الحركات الثورية.

 

وفرضت تطورات الحياة السياسية- الاقتصادية في أوروبا والولايات المتحدة حيث تدفقت الهجرة اليهودية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين تغييرات في الأيديولوجية الصهيونية التي لم تجد جذوراً لها بين جماهير عمال الطوائف اليهودية.

 

ولهذا ظهر تياران لا يتعارضان بالضرورة: تيار الصهيونية التقليدي الذي يرتئي الدولة اليهودية، في وطنها المقبل دولة برجوازية، مثل سائر الدول البرجوازية في أوروبا... وتيار الصهيونية "الاشتراكية" الذي يقبل بمقولات الصهيونية كلها، إلا أنه يدعو إلى أن تكون الدولة دولة "اشتراكية"

 

أن هذين التيارين لم يتعارضا وبقيا في إطار الأيديولوجية الصهيونية البرجوازية، المتناقضة تناقضاً لا مهاودة فيه مع الاشتراكية العلمية لأن تيار الصهيونية "الاشتراكية"! انطلق من قاعدة التعاون الطبقي باعتباره الطريق الوحيد لإقامة الوطن القومي وتنفيذ برنامج الصهيونية الإقليمي.

 

وتتبلور الأيديولوجية القومية البرجوازية في هذه الصهيونية "الاشتراكية"! في توجهها الجوهري لمشكلة الطوائف اليهودية "فالصهيونية الاشتراكية" كما أذاعها بير بوروخوف ترى الصراع القومي سابقاً للصراع الطبقي- الاجتماعي ولذلك لابد من تجميع الشتات وإقامة القوم أولاً، وهذا ما يتعارض مع الاشتراكية العلمية التي ترى التطور التاريخي حصيلة الصراع الاجتماعي منذ أن نشأت الطبقات بعد عهود الإنسانية الأولى.

 

والأمر الجوهري الذي يميز الاشتراكية العلمية عن الأيديولوجية البرجوازية أن الاشتراكية العلمية ترى في نشوء القوميات وإقامة الدول ظاهرة اقترنت بنشوء الرأسمالية وانتصارها على التمزق الإقطاعي لا ظاهرة أزلية.

 

وهنا ينشأ السؤال: هل يمكن اعتبار الصهيونية بوصفها أيديولوجية قومية، أيديولوجية حركة تحرر قومي يهودي؟

إن نشوء القوميات والدول القومية اقترن بنشوء البرجوازية وانتصارها على الإقطاعية.

هذا ما وقع في بريطانيا وفي فرنسا وفي غيرها.

وفي مثل هذه الأقطار لم تكن هناك حركات قومية بل حركات اجتماعية تسلمت قيادتها البرجوازية وأيدتها الطبقات الشعبية- من العمال والفلاحين في معركتها مع الإقطاعية.

 

ولكن نتيجة التطور غير المتعادل والتفاوت في ظروف القوميات الأوروبية نشأت بين القوميات المكبوتة في الإمبراطوريات العثمانية والروسية القيصرية والنمساوية- الهنغارية حركات تحرر قومي هدفت إلى إقامة الدول القومية المستقلة.

 

وأيدت الإنسانية المتقدمة وفي طليعتها قوى الاشتراكية العلمية هذه الحركات القومية باعتبارها حركات تدعم مسيرة التقدم الاجتماعي. وقد أسهمت هذه الحركات فعلاً في تقويض دعائم الإمبراطوريات الإقطاعية وتدعيم الديمقراطية البرجوازية وخلق الظروف الأفضل لنمو النضال الطبقي.

 

ولكن أيديولوجية القومية البرجوازية التقدمية كانت قد تحولت، في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، وقت ظهور الصهيونية، إلى أيديولوجية التوسع الإقليمي على حساب الشعوب وبهذه الأيديولوجية اقترنت الصهيونية لا بغيرها.

 

ثم أن الأيديولوجية الصهيونية في مسيرتها لم تسهم في الظروف الموضوعية في حركات التقدم الإنساني، بل دعمت قوى الردة والإمبريالية على الصعيدين الأوروبي والعالمي. فمن الناحية الأوروبية الداخلية وقفت الصهيونية ضد حركات انعتاق اليهود العامة واندماجهم بمجتمعاتهم في كل قطر من الأقطار، كما صادمت الحركات الاشتراكية الثورية بمحاولتها جذب العمال اليهود بعيداً عن تلك الحركات. ومن الناحية العالمية دعت إلى الاندماج في مخططات الإمبريالية العالمية بشقيها الكولونيالي الاستيطاني والسياسي الاستراتيجي.

 


الهوامش:

1- تأسست الأممية الأولى عام 1864 وحلت عام 1876، وتألفت الأممية الثانية عام 1889.

2- سميت أقاليم في أفريقيا باسمه: روديسيا الجنوبية وروديسيا الشمالية، وروديسيا الشمالية لا تزال تحكمها أقلية بيضاء من المستوطنين أما الجنوبية فاستقلت.

3- نشر الحديث الصحفي ستيد واستشهد به لينين في كتابه الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية.

4- لاحظنا في البداية زيف هذا الزعم، فحين قضى الرومان على ما يسمى بالهيكل الثاني في سنة 70 ميلادية كان ثلاثة أرباع اليهود في أنحاء مختلفة من الإمبراطورية.

 

 

المصدر:

ايميل توما، جذور القضية الفلسطينية (الأعمال الكاملة) المجلد الرابع، حيفا 1995.

 


 

الحركة القومية العربية

 

الحركة القومية العربية

 

اعتبرت الحركة القومية العربية في فلسطين المؤتمر العربي السوري العام الذي عقد في دمشق في 8 حزيران يونيو 1919 – واشترك فيه رجالات العرب من فلسطين أو سوريا الجنوبية كما كانت تعرف آنذاك – مؤتمرها الأول.

 

وحين عقد الوطنيون العرب من فلسطين مؤتمرهم الثاني في دمشق في 27 شباط فبراير 1920 ، صدروا عن الاقتناع بوحدتهم مع الحركة القومية العربية في سوريا الطبيعية وترابط مصيرهم مع مصيرها. ولهذا تلخصت قراراتهم في "

 

  • أن أهالي سوريا الشمالية والساحلية يعتبرون سوريا الجنوبية" فلسطين" قطعة متممة لسوريا.

  • وهم يرفضون الهجرة الصهيونية لخطرها على كيانهم السياسي ويرفضون جعل فلسطين وطنا قوميا لليهود.

  • ويعدون حركتهم الوطنية القائمة في  البلاد للمطالبة باستقلال سوريا بحدودها الطبيعية وكما أنها موجهة لإخراج المحتلين من الساحل ( لبنان) ، كذلك هي موجهة لإخراج المحتلين من فلسطين. ( فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية ،عيسى السفري ص 34).

  • وهنا يظهر ما لاحظناه من قبل بشأن تأثير تقسيم الإمبريالية الولايات العربية العثمانية، في أعقاب الحرب العالمية الأولى ، إلى أجزاء على الحركة القومية العربية.

 

فالوقائع حتى في هذا الوقت المبكرة فرضت نفسها على هذه الحركة، فاجتمع رجالات فلسطين على حدة وعالجوا قضية ولا يتهم العينية، وانطلاقهم من وجهة نظر عربية سورية عامة وشعورهم بالخطر على إقليم فلسطين عمق التناقض الواضح بين الإقليمية والعروبة، وكان بمثابة محطة انتقال فصلت بين الوطنيين ودفعتهم إلى إقامة حركات قومية مستقلة في ولايتهم، التي تحولت إلى أقطار تسيطر عليها الدولة الإمبريالية.

 

وإذا كان من الممكن اعتبار المؤتمر الثاني محطة انتقال فمن الممكن اعتبار المؤتمر الفلسطيني الذي عقد في حيفا في 14 كانون الأول - ديسمبر 1920 بداية التنظيم القومي الفلسطيني.

 

لقد عقد المؤتمر بعد نكبة ميسلون وانهيار الحكومة العربية في دمشق تحت ضغط الاحتلال الفرنسي ، ولهذا كان عليه أن يأخذ بعين الاعتبار الواقع الناشئ بحذافيره ويكيف النضال القومي حسب الأوضاع الجديدة.

 

وهكذا قرر المؤتمر العربي الفلسطيني الثالث رفض وعد بلفور والمطالبة بمنع الهجرة اليهودية وبإنشاء حكومة قومية في فلسطين.

 

وفي الوقت ذاته انتخب المؤتمر لجنة تنفيذية برئاسة موسى كاظم الحسيني ، كانت بمثابة قيادة الحركة القومية في تلك الفترة.

 

ثم عقد المؤتمر العربي الفلسطيني الرابع في القدس في 25 حزيران ( يونيو) 1921 بعد المجابهة الأولى التي وصفناها وقرر إرسال الوفد العربي الفلسطيني الأول إلى لندن وتألف من موسى كاظم الحسيني وتوفيق حماد وأمين التميمي ومعين الماضي وإبراهيم شماس وشلبي الجمل ، وعقد المؤتمر العربي الفلسطيني الخامس في 11 آب ( أغسطس) 1922 للاستماع إلى بيان الوفد ومقترحات الحكومة البريطانية حول المجلس التشريعي المقترح.

 

وقرر هذا المؤتمر:

1- مقاطعة الاشتراك في انتخابات المجلس التشريعي.

2- ورفض القرض الذي تنوي الحكومة عقده لمقاصد القيام بمنشآت وتطوير البلاد.

3- وضع ضريبة على جميع أبناء العرب في فلسطين للقيام بالدفاع عن قضية البلاد.

4- إرسال بعثة إلى جزيرة العرب.

5- تأسيس مكتب دعاية في لندن.

 

ووضع المؤتمر ميثاقا بقي دستور الحركة القومية العربية الفلسطينية في مسيرتها وجاء فيه:

" نحن ممثلي فلسطين أعضاء المؤتمر العربي الخامس نقسم أمام الله والأمة والتاريخ بأن نواصل المساعي المشروعة لتحقيق الاستقلال والاتحاد العربي ورفض الوطن اليهودي والهجرة الصهيونية ". ( المصدر ذاته ص 95).

 

ويظهر التطور واضحا في الحركة القومية العربية الفلسطينية.

فمن الناحية الواحدة أصبحت تصدر عن تربتها الإقليمية وتعالج قضاياها العينية مثل المجلس التشريعي والقرض الحكومي. ومن الناحية الثانية بدأت تواجه مشكلة الصهيونية وتحاول مجابهتها لا بشعار عام مثل رفض وعد بلفور بل بالمقاطعة ومقاومة الهجرة. ثم جسمت، من الناحية الثالثة ، تماثلها مع فكرة الوحدة العربية بوضعها الاتحاد العربي بعد الاستقلال في ميثاقها وبإرسالها وفدا إلى الجزيرة العربية لإقامة العلاقة مع المسؤولين فيها وتوطيدها.

 

لقد تألفت الحكومة القومية العربية في هذه الفترة الأولى من قيادة في القمة ثابتة إلى حد ما، وتنبثق عن مؤتمرات دورية بلغ عددها سبعة في سنوات العشرين، وجماهير فلاحية وشعبية تتجاوب مع هذه القيادة تجاوبا معينا ولكن لا ترتبط بها برابطة تنظيمية.

 

وإزاء هذا تظهر بالمقارنة الفروق الجوهرية بين الحركة القومية العربية في فلسطين الفضفاضة تنظيميا وأيديولوجيا والحركة الصهيونية بتنظيماتها المتطورة وأجهزة الاستيطان القوية التي أقامتها وإيديولوجيتها القومية المتعصبة العدوانية.

 

وقد تضخمت هذه الفروق لتزيد من ترجيح كفة المنظمة الصهيونية على الحركة القومية العربية في فلسطين في ظروف تأييد الإمبريالية البريطانية الصهيونية وقمعها نشاط الحركة القومية العربية بعنف تارة وبالتآمر تارة أخرى.

 

وزاد من هذا التفاوت لأن القيادة القومية العربية تألف جوهريا من أسياد الأرض الكبار أو أبناء العائلات الإقطاعية أمثال عائلات الحسيني والنشاشيبي وعبد الهادي في حين كانت القيادة الصهيونية برجوازية عصرية تستند إلى إمبريالية قوية.

 

ومع هذا جمعت القوى الوطنية العاملة في الميدان السياسي بين أسياد الأرض فكريا (الرجعيين) والمتنورين من ناحية، ومن الناحية الأخرى التجار وأصحاب المهن الحرة ( أمثال الأطباء والمهندسين والمحامين) الذين كانوا يجتمعون في هذه المؤتمرات الدورية.

 

ولكن الأوضاع الموضوعية كما تجلت في سياسة الصهيونية : احتلال الأرض واحتلال العمل والاقتصار على البضائع العبرية، دفعت هذه القيادة إلى اتخاذ قرارات مضادة دفاعا عن التجار والماليين العرب ( قرار مقاطعة اليهود) وعن الفلاحين والعمال العرب.

 

وهكذا أخذ المؤتمر السابع الذي عقد في القدس في 20 حزيران ( يونيو) سنة 1928 الظروف الاقتصادية – الاجتماعية ( الطبقية) الناشئة عن سياسة الإمبريالية البريطانية والاستيطان الصهيوني بعين الاعتبار، فقرر المطالبة بحكومة قومية برلمانية، والاحتجاج على كثرة الموظفين الإنجليز في الحكومة الفلسطينية ( الانتدابية) كما قرر الاحتجاج على إعطاء امتياز البحر الميت لشركة أجنبية وعلى تفضيل العمال اليهود على العمال العرب في الأشغال الحكومية والمطالبة بوقف سن القوانين ريثما تؤلف الحكومة البرلمانية.

 

ولا بد من رؤية التناقض هنا بين هذه المطالب الاقتصادية – الاجتماعية التي تعرب عن مصالح طبقات وفئات معينة( الاحتجاج على الامتيازات صدر عن الماليين، وعلى الموظفين الإنجليز صدر عن الفئات المتعلمة، وعلى سياسة التشغيل عن العمال المهاجرين من الريف والمتذمرين من البطالة)(1) وقيادة الحركة القومية العربية في فلسطين، فقد ظلت هذه القيادة جوهريا من أسياد الأرض ( رجال العائلات الإقطاعية الحسيني والنشاشيبي والهادي والتميمي والماضي) ولم تعكس القوى الاجتماعية المتضررة من سياسة الإمبريالية البريطانية والصهيونية.

 

وهذا يعود إلى ضعف هذه الطبقات والفئات الاجتماعية على الصعيد السياسي ولا يغير من هذا الواقع أن العمال العرب كانوا قد أقاموا منظمتهم النقابية الأولى في عام 1925.

فجمعية العمال العربية الفلسطينية كانت ضيقة الإطار واقتصر نشاطها بين العمال في حيفا في البداية.

 

ولعبت سلطات الانتداب الإمبريالية دورا هاما في توطيد مواقع أسياد الأرض الكبار _ رجال العائلات الإقطاعية) في قيادة الحركة القومية العربية.

 

فهذه السلطات هي التي عينت الحاج أمين الحسيني مفتيا للقدس على الرغم من أنه لم يأتي في المرتبة الأولى عند التصويت بل لقد عينه المندوب السامي هربرت صموئيل في هذا المنصب بعد أن عفا عنه وألغي حكما غيابيا بالسجن 15 سنة صدر بحقه باعتبارة أحد قادة الحوادث الدامية عام 1920 بين العرب من ناحية واليهود وسلطات الانتداب من ناحية ثانية.

 

وهو الذي عينه أيضا رئيسا للمجلس الإسلامي عام 1922 وبذلك وضعه في موقع قيادة الحركة القومية العربية.

ويعتبر محمد عزة دروزة في كتابه حول الحركة العربية الحديثة(2) السلطات البريطانية مهندس الصراع بين الكتلتين العائليتين السياسيتين اللتين نشأتا بعد تعيين راغب النشاشيبي رئيسا لبلدية القدس.

 

واتخذ هذا الموضوع في هذا الوقت المبكر صراع ، بين المجلسين( عائلة الحسيني الإقطاعية وأنصارها) والمعارضين( الذين تكتلوا حول عائلة النشاشيبي وأنصارها) مما أضر بالحركة القومية العربية في فلسطين ضررا بالغا بتجزئة قواها وارباك الرؤيا بين الجماهير.

 

ومن السذاجة رؤية هذا الصراع اختلافا اقطاعيا على مواقع النفوذ فحسب ، لقد كان الخلاف والتنافس على هذه المواقع عاملا فعلا ولكنه نجم عن خلاف في التوجه نحو سلطات الانتداب والصهيونية ، وكان بين عناصر أقل مهادنة( الحسينيين) وأكثر مهادنة( النشاشيبيين).

 

ثم ان الموقعين اللذين انطلقا منهما الصراع قررا التقاطب الاجتماعي الذي تم فيما بعد حول كل منهما.

 

فالمجلس الإسلامي الأعلى الذي اشرف على الأوقاف والمساجد والمعاهد وبعض المدارس اتصل مع الفلاحين على نطاق واسع مما عكس ذلك على توجهه .

 

في حين كانت رئاسة بلدية القدس- مركز التفاف لأعضاء بلديات أخرى- متصلة بأهالي المدن ووثيقة الاتصال بالتجار وأصحاب المهن الحرة.

 

وإذا تذكرنا أن الفلاحين في فلسطين مثلهم في ذلك مثل الفلاحين في كافة المستعمرات ، هم قوى الثورة الجوهرية، وأن التجار في المستعمرات يميلون إلى مهادنة الإمبريالية أمكننا فهم الظروف التي جعلت المجلسيين، لاتصالهم بالفلاحين، يظهرون أكثر عداء للإمبريالية البريطانية. ودفعت المعارضين إلى مهادنة الامبريالية البريطانية حتى حين كانت الموجة الثورية توحدهم مع كافة القوى وراء المطالب القومية الحقة.

 

ولم يؤد الصراع كما قلنا إلى تجزئة القوى القومية وإرباك رؤيا الجماهير وإشاعة العصبية العائلية التي هي من تقاليد الإقطاعية فحسب، بل أدى إلى إقحام الدين في المعركة.

 

فالمجلسيون، كما يقول محمد عزة دروزة، ( في المصدر ذاته ص 48) أقاموا حكومة إسلامية واستخدموا الدين لإضعاف مواقع أعدائهم وهذا أدخل الدين الإسلامي عنصرا في الحركة القومية العربية امتاز بالسلبية في أكثر الأحيان خصوصا إزاء المد الثوري في الحركة القومية العربية العامة.

 

ومما قوى هذا الاتجاه الديني اعتماد الصهيونية على الدين اليهودي لبناء أيديولوجيتها وممارستها القومية حتى ان الاصطدام الخطير العربي من ناحية ، واليهودي – البريطاني من ناحية ثانية، الذي وقع في عام 1929 اندلع بشرارة تطايرات من خلاف بشأن حائط المبكى الذي كان يعتبره المسلمون جزءا من باحة مسجد الصخرة ويعتبره اليهود الأثر الباقي من هيكل الملك سليمان وتبعا لذلك يقدسونه.

 

وكان بديهيا ، وقد تسلمت قيادة المجلس الإسلامي الأعلى ، بأيديولوجيتها الإقطاعية- الدينية الضيقة، مركز القيادة في  الحركة القومية العربية أن يسهلا على الإمبريالية البريطانية تشديد التناحر اليهودي العربي لحرف النضال القومي المعادي للإمبريالية عن طريقه الصحيح.

 

وهكذا ظهرت الحركة القومية العربية وكأنها ضد اليهود لا الإمبريالية البريطانية، على الرغم من أن كل تصادم كان يؤدي إلى تصادم مع قوات الانتداب البريطاني.

 

وفي هذا الصدد لاحظ محمد عزة دروزة الظاهرة الغريبة في فلسطين فكتب: في كل البلاد تقاس الوطنية بموقف القومي من الإمبريالية، أما في فلسطين فأصبح يستساغ أن يكون لمن يعقد أواصر الصداقة مع الإنجليز ويخدم أغراضهم ويروج مطالبهم أن يكون له شأن في الحركة القومية العربية إذا كان مناوئا لليهود والحركة الصهيونية.. وأضاف أن ذلك يعود إلى نجاح الإنجليز في التظاهر نفاقا بالحدب على المطالب القومية العربية مع أن هدفهم كان :" استغلال كل من اليهود والعرب وتخويف كل منهم الأخر" ( المصدر ذاته ص 52).

 

لم تبق المعركة القومية العربية في فلسطين في مكان واحد فقد تطورت بالتغييرات التي طرأت على البلاد وعلى المجتمع العربي.

 

ولعل من المفيد أن نلاحظ هنا أن البرجوازية العربية في فلسطين- ونقصد هنا البرجوازية الصناعية التي كان جنينية عند بداية الانتداب تطورت ببطء هائل ولذلك لم تصل إلى مركز القيادة في ا لحركة القومية العربية أو على الأصح لم تصل إلى مركز الحسم في القيادة القومية.

 

وهذا يعود أولا إلى السبب التقليدي الساري المفعول في كافة المستعمرات، إلى إغراق الدولة الإمبريالية الأسواق بالبضائع الجاهزة الرخيصة التي لا تستطيع الصناعة القومية منافستها، وثانيا إلى ممكنات الصهيونية الأوسع لإقامة صناعات محلية حيث أمكن ذلك بالتعاون مع الاحتكارات الأجنبية البريطانية مثلا مما زاد من صعوبات البرجوازية العربية إزاء المنافسة المزدوجة.

 

وفي الوقت ذاته لم يغير نشاط الصهيونية في شراء الأراضي العربية من التركيب الاجتماعي في الريف العربي الفلسطيني فأغلب الأراضي الشاسعة التي اشترتها الصهيونية باعها الإقطاعيون الغائبون. وأما الأراضي التي باعها الإقطاعيون القائمون في البلاد فلم تكن من الاتساع بحيث تفيد البناء الاجتماعي ، ومع هذا فقد تشردت جمهرة من الفلاحين العرب ، الذين كانوا يزرعون هذه الأراضي ، وبذلك شددوا أزمة الريف وعقدوا مشكلة البطالة بانضمامهم إلى سوق العمل في ا لمدن. وفي هذا الميدان حصلت تغييرات جذرية، فالطبقة العاملة العربية التي كان ضئيلة العدد ضعيفة التنظيم في هذه الفترة ، ازدادت مع هذه الأيام عددا باتساع النشاط الاقتصادي ( وفي أيام الحرب العالمية الثانية نتيجة المشاغل الحربية) ، ووطدت تنظيمها وأصبحت تمارس نفوذها على الحركة القومية العربية.

 

ثم كان هناك اشتراك المرآة العربية في الحركة القومية ، لقد قذف بها زخم الحركة الثورية المعادية للإمبريالية والصهيونية إلى ميدان المعركة، وسجل المؤرخون اقتحامها الميدان في 1929 ، حين عقدت النساء أول مؤتمر لهن في 26 تشرين الأول ( أكتوبر) في القدس وأيدن مقررات المؤتمرات العربية الفلسطينية ودعون إلى تنشيط الصناعة والتجارة الوطنية وتعزيز الروابط الاقتصادية مع سوريا وغيرها من الأقطار العربية.

 

سياسة الحركة القومية ومواقفها

 

في هذه الفترة التي امتدت حتى عام 1929  وهي فترة تميزت عالميا بتراجع الموجة الثورية التي اجتاحت العالم عامة بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية الكبرى- واصلت الحركة القومية العربية نشاطها السياسي على شكل مؤتمرات ووفود تحج إلى لندن وتحاول ( إقناع) المسئولين فيها بعدالة القضية العربية.

 

وقد ذكرنا عن نشاط الوفد الأول في بريطانيا وإخفاقه ، ونستطيع أن نضيف أن الوفدين الثاني والثالث في 1922 و1923 لم يحققا نجاحات ما وتركا أثارا دعائية طفيفة جدا في المحافل البريطانية أو الغربية. فالوفود الفلسطينية هذه والتي تلتها هدفت في الدرجة الأولى إلى الاتصال بممثلي الإمبريالية البريطانية في السلطة أو مع محافل حاكمة تظاهرت بتأييد العرب ضد الصهيونية ولم تقم بأي اتصال – وما كان تركيبها الطبقي يسمح لها بأي اتصال – مع القوى الثورية المعادية الإمبريالية في بريطانيا.

 

ولكن جدير بالملاحظة أن الوفد العربي الفلسطيني الأول اتصل أثناء وجوده في أوربا بوفد الاتحاد السوري وعقدا سوية في جنيف في 25 أب ( أغسطس ) 1922 مؤتمرا فلسطينيا- سوريا صاغ مطالب الحركتين وقدمها إلى رئيس جامعة الأمم وتتلخص في :

- الاعتراف باستقلال سوريا ولبنان وفلسطين وبسلطانها القومي .

- الاعتراف بحق هذه البلاد في أن تتحد معا في حكومة مدنية مسئولة أمام مجلس نيابي ينتخبه الشعب وان تتحد مع سائر الأقطار العربية المستقلة في شكل ولايات اتحادية .

- إلغاء الانتداب حالا.

- جلاء الجنود الفرنسيين والإنجليز عن سوريا ولبنان وفلسطين.

- إلغاء تصريح بلفور.

وتكمن أهمية هذه الظاهرة من التضامن العربي في أن تحرك الجماهير في الفترة الممتدة بين 1922 و1929  ، ارتبط بهذا التفاعل العربي في المنطقة التي عرفت قبل تجزئتها إلى سوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن بسوريا.

 

وهكذا اشتركت جماهير فلسطين في عام 1925 ثم في عام 1926 باضرابين عامين رافقتهما المظاهرات الشعبية تأييدا لكفاح الشعب العربي في سوريا ضد الانتداب الفرنسي .وكان الإضراب الأول تضامنا مع الثورة التي كان يخوضها الشعب العربي في سوريا عام 1925، وكان الإضراب الثاني احتجاجا على زيارة المندوب السامي الفرنسي في سوريا ولبنان م.دي جوفنيل للقدس زيارة رسمية ، وتضامنا أيضا مع تلك الثورة السورية.( تقرير لجنة فلسطين الملكية 1937 الوثيقة 5479 ص 59).

 

وفي الوقت ذاته استقبلت المظاهرات الصاخبة اللورد بلفور صاحب الوعد الصهيوني حين وصل إلى دمشق قادما من القدس حيث وضع الحجر الأساسي في بناء الجامعة العبرية فيها.( المصدر ذاته).

 

وظهرت سياسة الحركة القومية العربية في فلسطين إزاء الانتداب البريطاني والوضع الدستوري من موقفها من الاقتراح البريطاني الداعي إلى إقامة مجلس تشريعي.

 

لقد اقترح ونستون تشرشل وزير المستعمرات المشروع على الوفد العربي الفلسطيني الأول عام 1922. ولكن الوفد، وأيدته المؤتمرات العربية الفلسطينية التي عقدت بعد ذلك ، رفض الاقتراح.

 

وكان الاقتراح قد نص على تأليف مجلس تشريعي من 11 عضوا من موظفي الحكومة و12 عضوا منتخبا منهم 10 عرب ويهوديان برئاسة المندوب السامي الذي يتمتع بصوتين.

 

أما صلاحيات المجلس فكانت صفرا تقريبا. اذ لم يكن من حقه النظر في أية نقطة تخالف سياسة حكومة الانتداب الأساسية أو نص الانتداب الذي قام ليمهد السبيل لإنشاء وطن يهودي في فلسطين.

 

كذلك كان يتوقف تنفيذ قرارات المجلس على إدارة المندوب السامي الذي عهد إليه بتطبيق تصريح بلفور.

 

وأوضح الاقتراح بأن المجلس التشريعي لا يتمتع بأية سلطة تنفيذية.

 

وأما المظاهرة بالتنازل أمام المطالب العربية فكانت باقتراح تشكيل لجنة من أعضاء المجلس المنتخبين لكي تنظر مع الحكومة في أمر مراقبة الهجرة اليهودية . ولكن تلاشي هذا التنازل حين اشترطت الحكومة أن تكون اللجنة مقيدة بأنظمة لا تتخطاها وأن يعود تنفيذ قراراتها إلى رأي المندوب السامي .وحين أصرت حكومة الانتداب على المضي في المشروع أصدرت اللجنة التنفيذية التي انبثقت عن المؤتمر الخامس بيانا في 2 أيلول ( سبتمبر ) جاء فيه:

 

" أجمعت الأمة العربية الفلسطينية على رفض الانتداب ومشروع إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين وذلك بعد أن تحلت لها نتائج هذه السياسة الرهيبة على حياتها القومية والاقتصادية. وأن من مقتضيات رفض الأصل ان نرفض الفرع لذلك الأصل. ولهذا قرر المؤتمر العربي الفلسطيني الخامس المنعقد في 22 آب ( أغسطس ) سنة 1922 رفض الدستور الجديد لفلسطين بمقاطعة الانتخابات المقبلة للمجلس التشريعي ، لأنه وجد بعد البحث الدقيق أن الاشتراك في تلك الانتخابات إنما هو قبول محسوس بالانتداب وبتصريح بلفور"  ( كتاب عيسى السفري فلسطين بين الانتداب والصهيونية ص 86).

 

ولبي أصحاب حق الاقتراع العرب دعوة اللجنة التنفيذية فقاطعوا الانتخابات التي جرت في مطلع عام 1923 مما اضطر حكومة الانتداب إلى تجميد فكرة المجلس التشريعي وتعديل الدستور بحيث يتمكن المندوب السامي من إنشاء مجلس استشاري من العرب واليهود.

 

وقام المندوب السامي بذلك وعين مجلسا استشاريا اختار له عشرة من العرب واثنين من اليهود ولكن العرب بضغط الحركة القومية العربية انسحبوا أثناء الجلسة الأولى التي عقدت في 13 حزيران ( يونيو) 1923 . المصدر ذاته.

 

وقد صدرت الحركة القومية في موقفها عن اعتبارات مبدئية صحيحة تقوم على حق الشعب في الاستقلال والحكم القومي .

 

وهذا ما أكدته اللجنة التنفيذية في مذكرة قدمتها إلى وزير المستعمرات البريطاني ج. ايمري في نيسان ( ابريل ) 1925 وجاء فيها:

 

" أن العرب وهم في فلسطين يطلبون حقهم في الحكم التشريعي لم يريدوا قط أن يعطوا حقوق اليهود الذين يساكنونهم ولكنهم يريدون أن يتمتعا بحقهم باعتبار أنهم أكثرية ساحقة في العدد والمصلحة وباعتبار أنهم وعدوا بوعود صريحة وباعتبار أن عهد جامعة الأمم يخولهم ذلك مع حفظ حق اليهود الوطنيين في الاشتراك في الإدارة والتشريع حسب نسبتهم" . ( المصدر ذاته 115).

 

وقد كان الموقف فيما بعد موضع نقاش في محافل الحركة القومية العربية، فقد حاولت بعض العناصر التشكيك في صدق هذه السياسة السلبية على اعتبار أن السياسة المثلى هي " خذ وطالب"  ، ولكن الواقع أكد أن طبيعة المعركة لم تكن تسمح بمثل هذه السياسة ، ثم لم يكن هناك ما يأخذه الشعب العربي، فالمناورة كانت مفضوحة والاقتراح كان تضليلا لا تنازلا.

 

صحيح أن الفترة كان تراجعا ثوريا في المستعمرات وفي العالم العربي.

صحيح كذلك أن الحركة القومية العربية في مصر قبلت بتصريح فبراير في عام 1923 واعتبرته تراجعا إمبرياليا لإعلانه إنهاء الحماية البريطانية واعترافها باستقلال مصر.

 

ولكن المعركة في فلسطين كانت من أجل فرض التراجع على الإمبريالية البريطانية وصد تقدم الصهيونية ، والاشتراك في مجلس تشريعي لا يختلف عن الدمية بشيء كان سيوطد مواقع الإمبريالية وسيغطي على هذا التقدم أو يعطيه شيئا من الشرعية أو الموافقة العربية.

 

وفي هذه الفترة حاولت السلطات البريطانية إشراك الحركة القومية العربية في الانتداب البريطاني عن طريق إقامة وكالة عربية تكون على غرار الوكالة اليهودية التي ارتأى قيامها نظام انتداب فلسطين في المادة 4 ، والتي قامت فعلا في عام 1929.

 

وقد أعلن الاقتراح وزير المستعمرات الدوق ديفونشاير في 4 تشرين الأول ( أكتوبر) 1923 وشرحه المندوب السامي في اجتماع ضم 40 ( وجيها عربيا).

 

ورفض العرب الاقتراح. فالمندوب السامي هو الذي كان عليه ان يعين الوكالة العربية بالتشاور مع الزعماء العرب المحليين، الأمر الذي اعتبره القوميون أنه لا يتوافق مع أماني العرب القومية.

 

لقد زعمت المحافل البريطانية ان الاقتراح، الذي كان سيجمع مندوبين عن الأقطار العربية المجاورة في تلك الوكالة العربية، تجاوب مع المشاعر العربية العامة واعترف بالقربى بين الشعوب العربية ، ولكنها تجاهلت أن وكالة يعينها المندوب السامي من المتعاونين مع الإمبريالية البريطانية كان هدفها كما أعلن ذلك الدوق ديفونشاير، مثل هدف المجلس التشريعي والمجلس الاستشاري توثيق مشاركة العرب بحكومة فلسطين (3) التي أعلنت أن سياستها قائمة على تنفيذ المشروع الصهيوني.

 

ومن نتائج هذه المواقف أن الإمبريالية البريطانية اعترفت- وهذا يعني أن انطباع الرأي العام أو بعضه كان هكذا- أن اعتراض العرب لم يكن حيال أسلوب عمل الانتداب ، بل ضد مجموع سياسة الانتداب ولم يكن أي تنازل يستطيع- مهما كان ليبراليا- أن يجعل العرب يتوافقون مع نظام يعترف بمدلولات وعد بلفور " .( تقرير عن فلسطين أعدته الإدارة البريطانية للجنة التحقيق الانجلو- أمريكية بين كانون الأول ( ديسمبر) 1945 وكانون الثاني ( يناير) 1946 المجلد الأول ص 22.

 


هوامش

1-  في السنوات الأولى من الانتداب لم تبرز قضية الفلاحين العرب بحدتها ، ولذلك غابت المطالبة بالدفاع عن مصالحهم في هذه المؤتمرات ، ولكن هذه القضية احتدمت بعد إجلاء الفلاحين عن أراضيهم فانعكست في الحركة القومية العربية كما سنرى.

2-    الجزء الثالث ص 46.

3-    تقرير لجنة فلسطين الملكية وثيقة 5479 ص 57.

 

 

المصدر:

ايميل توما، جذور القضية الفلسطينية (الأعمال الكاملة) المجلد الرابع، حيفا 1995.

 

 

 

 


 

 

الحركة القومية العربية حيال وعد بلفور

 

يزعم الإيديولوجيون الصهيونيون الآن، أن الحركة الصهيونية باعتبارها "حركة البعث القومي اليهودية" استنفرت الحركة القومية العربية الفلسطينية. وكتب أحدهم على سبيل المثال أن عملية خلق الأمة اليهودية في إسرائيل (فلسطين) أسهمت في خلق "الأمة العربية الفلسطينية"(1).

 

أما غير الصهيونيين فيجدون صعوبة في تحديد مسيرة التطور التي أدت إلى ظهور حركة قومية عربية في فلسطين، ولهذا فلابد من توضيح الأمر لإدراك طبيعة مقاومة الصهيونية أولاً، وتقويم الموقف العربي من وعد بلفور ثانياً.

 

ولسنا في حاجة إلى عناء كبير لنقرر أن فلسطين، في مطلع القرن العشرين حين ظهرت الصهيونية، لم تكن وحدة جغرافية مستقلة أو كياناً سياسياً منفرداً، بل كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية وألفت مع أقاليم أخرى سوريا الطبيعية. (2)

 

ولذلك لم يكن من الضروري أن تكون فيها حركة عربية قومية مستقلة فالطبيعي أن تشملها الحركة العربية الواحدة.

 

وتعود بوادر الحركة القومية العربية في الشرق العربي إلى القرن التاسع عشر، إلا أن جذور الحركة القومية العربية المعاصرة نمت في سوريا الطبيعية مع مطلع القرن العشرين وتجسمت في جمعيات ونواد وتألفت في الآستانة عاصمة الإمبراطورية العثمانية آنذاك.

 

ولعل أجمل تعبير عن الوعي القومي العربي الباكر جاء في أهداف المنتدى الأدبي الذي تأسس في عام 1911 وعمل على حد تعبير رئيسه عبد الكريم الخليلي من أجل توثيق عري الإخاء بين العرب على اختلاف أجناسهم وأديانهم وعناصرهم وطوائفهم وحتى لا يذكر الواحد منهم في السياسة والوطنية غير عربيته الشريفة (3).

 

وتؤكد الحقائق التاريخية كلها على أن الحركة القومية العربية، في المشرق العربي، في عهد الإمبراطورية العثمانية، تجاوزت الإقليمية التي ظهرت فيما بعد.

 

وهكذا ـ على سبيل المثال ـ انتسب قادة جمعية العربية الفتاة ، التي تأسست في باريس عام 1911، للعمل من أجل النهوض بالأمة العربية إلى مصاف الأمم الحية، إلى مختلف الأقاليم العربية المشرقية، التي قسمتها الدول الإمبريالية فيما بعد إلى أقطار منفردة بغية السيطرة عليها (4).

 

ولا تعرف هذه الفترة حركة عربية ضيقة كانت أم واسعة تقيدت بحدود إقليمية، فالمعركة في الولايات العربية العثمانية كانت من أجل حقوق العرب عامة ـ وكما جاء في نداء بعض القوميين العرب في "الأهرام" في 8/8/1912ـ كان هدف الكفاح أن تعترف السلطنة العثمانية بالعرب أمة حية ذات حقوق قومية في لغتها وإدارة أقاليمها.

 

وانعكس كل هذا قبل الحرب العالمية الأولى في المؤتمر العربي الأول الذي عقد في باريس في حزيران (يونيو) عام 1913 من أجل بحث الحياة الوطنية، ومناهضة الاحتلال، وحقوق العرب في المملكة العثمانية، وضرورة الإصلاح على قاعدة اللامركزية.

 

وأوضح جدول أعمال المؤتمر ثلاث حقائق:

· أن الحركة القومية العربية قد استيقظت على أخطار الإمبريالية الأوروبية التي كانت قد تقاسمت عدداً من الأقطار العربية الجزائر وتونس ومصر وطرابلس الغرب "ليبيا" وبدأت تتطلع إلى الولايات العربية العثمانية (5).

· ولذلك فقد كانت ترى طريقها في البقاء في إطار الإمبراطورية العثمانية، لا في الخروج منها، اعتقاداً من قادتها أن ذلك يردع الإمبرياليين الأوروبيين ويردهم عن الولايات العربية العثمانية.

· ومن أجل تحقيق مطامحها القومية كانت ترى ضرورة الإصلاح على أساس اللامركزية لأن ذلك يجمع بين الأمرين: البقاء في الإمبراطورية العثمانية، إطار الدفاع، إزاء الهجوم الإمبريالي، وتحقيق المطامح القومية في التطور والازدهار.

 

وفعلاً انتهى المؤتمر إلى قرارات أعلنت ضرورة الإصلاح، وأن من حق العرب في أن يتمتعوا بحقوقهم السياسية بالاشتراك في الإدارة المركزية فعلاً.

 

كذلك قرر المؤتمر ضرورة إنشاء إدارة لا مركزية (حكم محلي) في كل ولاية عربية واعتبار اللغة العربية لغة رسمية في مجلس النواب العثماني وفي الولايات العربية.

 

التحذير من الكولونيالية الصهيونية

واستيقظت الحركة القومية العربية في الولايات العربية العثمانية في وقت مبكر على أخطار الصهيونية على الرغم من أن الحركة الصهيونية آنذاك اقتصرت نشاطها، كما أوضحنا، على الاتصال بالدول الأوروبية الإمبريالية لتدعم مطامعها وحاولت إقناع السلطان العثماني بقبول برنامجها.

 

وظهرت هذه اليقظة البدائية بإثارة النائبين شكري العسلي (نائب دمشق) وروحي الخالدي (نائب القدس) قضية النشاط الصهيوني في فلسطين في مجلس النواب العثماني (أو مجلس المبعوثان كما كان يسمى في ذلك الوقت).

 

وفي إحدى خطبه في المجلس قال شكري العسلي:" وهم يودون شراء الأرض المشرفة على سكة حديد الحجاز ويرمون إلى التوسع في سورية حتى العراق".

 

واستشهد روحي الخالدي بتصريحات أحد زعماء الصهيونية مناحيم أوسيشكين (من أوائل الصهيونيين) ليقول أن أماني الصهيونية: نيل الميزة والأفضلية في فلسطين وإنفاق الأموال لتأليف أمة يهودية في فلسطين واستيطان أرض الميعاد. وحذر الخالدي من الهجرة اليهودية قائلاً: أن عدد اليهود في متصرفية القدس بلغ مئة ألف وأن أغنياء اليهود ابتاعوا نحو مئة ألف دونم (!!) وهم أسسوا بنكاً باسم "بنك الاستعمار اليهودي" (6) لاستيطان البلاد.

 

وأضاف الخالدي في معرض تأكيده على هذا الخطر أن نسبة العثمانيين من اليهود المهاجرين 10 بالمئة والباقي من أوروبا التي كانت القوى الوطنية تراها معقل الإمبريالية والتوسع والعدوان.

 

وجدير بأن نلاحظ أن النائب اليهودي آنذاك (ويسجل توفيق برو في كتابه العرب والترك في عهد الدستور العثماني أن اسمه نسيم مزلياح)، استهجن الأمر وطالب بالتحقيق دفعاً للشكوك وأكد تمسك اليهود العثمانيين بعثمانيتهم.

 

ولعل تحذير نواب الولايات العربية، السلطنة العثمانية من أخطار التسرب الكولونيالي الذي كانت تدعو إليه المنظمة الصهيونية ساعد على تجميد محاولات مؤسس الصهيونية السياسي ثيودور هرتسل لكسب تأييد السلطان للمشروع الصهيوني.

 

وفي هذا الوقت المبكر كان من الممكن أن نرى الموقفين من الصهيونية، فقادتها كانوا يجدون آذاناً صاغية في محافل السلطنة العثمانية في حين كان القوميون العرب يعارضون المخطط الصهيوني بأسره.

 

وقد استمر هذان الموقفان إلى اليوم، فالصهيونية تحظى بتأييد الإمبريالية والرجعية وتقاومها قوى الاشتراكية والتحرر. ولذلك لم يجد قادة الصهيونية لغة مشتركة مع الجماهير العربية أبداً.

 

وتروي الوثائق الصهيونية أن قوميين عرب اتصلوا بقائدي الصهيونية (قبل الثورة التركية 1908) ف.يعقوبسون ون. سوكولوف بغية الإطلاع على استعداد الصهيونيين لمساعدة الحركة القومية في ثورتها على الطغيان العثماني. ويضيف أن الزعيمين الصهيونيين قطعا علاقاتهما "بأدب وحسم" مع أولئك القوميين العرب حين عرفا بنواياهم، فالصهيونيون كانوا يتمسكون بمبدأ الأمانة إزاء الحكم العثماني (7).

 

مباحثات وايزمن ـ فيصل أو المعاهدة العربية اليهودية

ليس واضحاً تماماً متى عرف العرب بوعد بلفور وأدركوا أبعاده الحقيقية، فالحركة القومية العربية أثناء الحرب العالمية الأولى أصيبت بضربتين قاسيتين وكانت تحتاج بعض الوقت لتستجمع قواها.

 

وكانت الضربة الأولى إجراءات القمع الدموية التي اتخذها حاكم سوريا السفاح جمال باشا وذهب ضحيتها مئات من كبار القوميين العرب، بعضهم علق على المشانق والبعض الآخر اعتقل أو شرد في الأناضول.

 

وكانت الضربة الثانية ـ وإن لم تظهر حقيقتها مباشرة ـ نجاح العائلة الهاشمية في السيطرة على قيادة الحركة القومية العربية النامية.

 

واتضحت مصيبة الحركة القومية العربية في هذه القيادة حين نشر البلاشفة، بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية الكبرى معاهدة التقسيم الإمبريالي المعروفة بمعاهدة سايكس بيكو ليستنفروا الشعب العربي إلى مكافحة الإمبريالية البريطانية ـ الفرنسية دفاعاً عن مصالحه.

 

فآنذاك "اقتنع" الهاشميون ـ الشريف حسين والأمير فيصل ـ وأشقاؤه ـ بصدق نوايا الإمبرياليين البريطانيين الذين كانوا قد وعدوا الشريف بمساعدته على إقامة دولة عربية واحدة تشمل شبه الجزيرة العربية والهلال الخصيب (العرق وسورية الطبيعية). وقبلوا فيما بعد بيان الحلفاء الذي صدر في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 1918 لتبديد الشكوك المتعاظمة في نوايا بريطانيا وفرنسا الإمبريالية في المنطقة، وجاء فيه:

"أن السبب الذي من أجله حاربت فرنسا وإنجلترا في الشرق هو رغبتهما في تحرير شعوبه من ظلم الترك واستعبادهم وخلاصهم من عسف الألمان ومطاعمهم وميلهما إلى تأليف حكومات وإدارات وطنية حرة تنتخب حسب رغائب الأمة وتستمد سلطتها منها ... ولتأييد هذه المقاصد وإبرازها على أن تساعدا الأهلين في تأليف هذه الحكومات في سوريا والعراق وفي جميع البلاد التي حررها الحلفاء...".

 

لم يظهر في هذا البيان ذكر عن وعد بلفور مع أنه كان من برنامج الحلفاء في الشرق وذلك إمعاناً في التضليل وخوفاً من الجماهير العربية، ولكن الأمير فيصل كان يعرف به وبمخطط الصهيونية وسكت عنهما.

 

ففي أول حزيران (يونيو) 1918 أي قبل هذا البيان بحوالي نصف سنة زار الدكتور حايم وايزمن زعيم الصهيونية آنذاك الأمير فيصل في العقبة "وبسط له أغراض الصهيونية ورغبتها في التعاون مع العرب". (8).

 

وأكد وايزمن في كتابه الذكريات "التجربة والخطأ" أنه وضح للأمير رغبته في تبديد مخاوف العرب وطلب منه تأييده. ثم أضاف أنه وجد الأمير مطلعاً على الحركة الصهيونية وقد اتفق اتفاقاً تاماً مع وايزمن حول الفوائد التي يجنيها العرب من تنفيذ البرنامج الصهيوني (ص 234).

 

كذلك وقع الأمير فيصل والدكتور وايزمن في هذه الفترة على معاهدة تنسيق بين الدولة العربية الموعودة وفلسطين اليهودية!!.

 

وحسب المصادر العربية لاحظ الاثنان القرابة العنصرية القديمة الكائنة بين العرب واليهود واتفقا فيما اتفقا عليه من أمور أن يسود علاقات الدولة العربية وفلسطين التفاهم القائم على أساس الإخلاص وحسن الإدارة، وأن تحدد الحدود بين الدولتين بعد مؤتمر الصلح وأن "تؤخذ جميع التدابير وتعطي أفضل الضمانات لتطبيق تصريح الحكومة البريطانية الصادر في 2 تشرين الثاني (نوفمبر)، وأن تتخذ التدابير لتشجيع الهجرة اليهودية والاستيطان على أن تصان حقوق الفلاحين ويتقدموا اقتصادياً(9).

 

ولا ينفي المؤرخون العرب، الموضوعيون منهم على الأقل، حقيقة هذه المعاهدة، إلا أنهم في معرض الدفاع عن فيصل يلاحظون أنه ذيل المعاهدة بشرط جاء فيه: "إذا توطدت دعائم الحكومة العربية".. "أما إذا أجريت تعديلات فلا أكون مسؤولاً عن عدم قيامي بما جاء فيها".

 

كذلك يستشهدون بتصريحه إلى "جويش كرونيكل" (البريطانية ) في 14/10/1919 وجاء فيه: "يجب أن تظل فلسطين جزءاً من سوريا بينهما حد طبيعي ولا فاصل وما يؤثر في الواحدة يؤثر في الأخرى. فالعرب يرون فلسطين ولاية عربية ولا يرونها بلاداً قائمة بذاتها.

 

ونحن نسعى لننشئ إمبراطورية (دولة) عربية ـ تتألف من العراق وسوريا وفلسطين. وقد قيل لي أن جميع اليهود يعتمدون على التصريح الذي قال به اللورد بلفور ويتطلعون إلى إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين أي أن تصبح فلسطين دولة يهودية. ولا ريب أن هذه الأماني تناقض أفكار العرب ولا ترضيهم. فأناشد اليهود وهم ساميون قبل العرب طالباً معونتهم لنا في إنشاء المملكة العربية، حتى إذا كثر عدد اليهود في فلسطين تيسر أن تجعل ولاية يهودية من ولايات هذه المملكة". وهكذا أكد في التصريح مقاومة العرب وعد بلفور ورفضهم الجازم فصل فلسطين عن سوريا.

 

وليس من الصعب رؤية المؤثرات التي حركت فيصل. فقد انتمى إلى عائلة إقطاعية وتماثل، منذ أن تسرب إلى قيادة الحركة القومية العربية، مع أسياد الأرض (كما اتضح هذا خلال الفترة القصيرة من حكمه في سوريا) وتهادن مع الإمبريالية البريطانية وتساوق معها مناوراته المتعاقبة بعد الحرب العالمية الأولى.

 

ومن المؤكد أن فكرة "التعاون" العربي ـ الصهيوني ولدت في الدوائر البريطانية كما يظهر ذلك من أراء سايكس (الذي صاغ اتفاق سايكس بيكو أولاً وكان صلة الوصل بين الوزارة البريطانية وقادة الصهيونية ثانياً) وت.أي لورانس وكيل المخابرات البريطانية الذي التحق بالأمير فيصل ورافقه مثل الظل، وكان يوحي له بكل شيء يتوافق مع المخططات البريطانية (10).

 

وفي هذا الصدد يتفق وايزمن في كتابه "التجربة والخطأ" وناحوم سوكولوف في كتابه "تاريخ الصهيونية"، على أن مارك سايكس كان يتخيل "تحرير" الشعوب الثلاثة المضطهدة: العرب واليهود والأرمن ويرتئي تعاونها الوثيق من أجل مصلحتها وفي سبيل تطوير المنطقة (11).

 

وحسب ما أورده سوكولوف كان سايكس يعتقد أن العرب الذين يقاومون الصهيونية كانوا يتطلعون من وجهة نظر ضيقة قصيرة الأفق (!!) ولا يثمنون تثمينا صحيحاً فكرة "الحلف العبري ـ العربي" العظيم كما أن بعض العناصر كانت تسفه أهمية المصالح البريطانية في المنطقة وتقلل من قيمتها(12).

 

وهكذا يظهر أن التقارب بين فيصل ووايزمن والمعاهدة بينهما انسجما مع المصالح الإمبريالية البريطانية التي تصورت استخدام الحركة القومية العربية والصهيونية وحركة الأرمن التحررية لتوطيد مواقعها في هذه المنطقة الواسعة من تركة الإمبراطورية العثمانية.

 

ولعل رسالة فيصل إلى الزعيم الصهيوني الأمريكي فيلكس فرانكفورتر في 13 آذار (مارس) 1919 أبرز دليل على هذا التساوق بين الإمبريالية البريطانية وفيصل. ففي هذه الرسالة 013) ـ التي نفى علمه بها في 1929 (14) ـ يردد فيصل فكرة سايكس أن العرب واليهود تحملوا الاضطهادات المتشابهة من الدول القوية وأن على الشعبين العربي واليهودي التعاون من أجل بعث الشرق الأوسط وإصلاحه.

 

وعلى هذا الضوء تؤكد هذه الاتصالات والاتفاقات بين فيصل وقادة الصهيونية، أن الصهيونية ـ خلافاً لما ادعته فيما بعد في الغرب في محافل عمالية ـ كانت تجد التأييد بين الإقطاعيين العرب والعناصر المتعاونة مع الإمبريالية البريطانية، أما جماهير الشعب العربي فقد قاومتها منذ أن عرفت بحقيقتها وأدركت أبعاد وعد بلفور.

 

الحركة القومية العربية ترفض الصهيونية ووعد بلفور

لقد أعادت الحركة القومية العربية تنظيمها بعد سنوات القمع التركية بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة في ظل الإدارة العربية التي قامت في سوريا بعد احتلال القوات البريطانية والعربية لها.

 

ولا حظ عدد من الكتاب العرب بحق أن هذه الحركة ـ التي لم تكن قد تخلصت من الإقليمية ـ تأثرت بالحقائق التي بدأت الدول الإمبريالية تخلقها فانقسمت إلى شطرين شطر سوري وشطر عراقي.

 

وفي هذا الصدد يكتب أمين سعيد:

"فلما تم فتح سوريا وظهرت نيات الحلفاء وأغراضهم اجتماع مؤسسو هذا الحزب (حزب العهد) وأعضاؤه القدماء من الضباط العرب الذين اشتركوا في الثورة ( المقصود نشاط القوات المسلحة التي نظمها الأمير فيصل أثناء الحرب العالمية الأولى) عراقيين وسوريين وقرروا أن ينقسم العهد إلى حزبين سوري وعراقي فيعمل كل منهما لخدمة قضية بلده مستقلاً عن الآخر" (15).

 

وفعلاً تنادت القوى الوطنية في سوريا الطبيعية وعقدت المؤتمر السوري الأول في دمشق 8 حزيران (يونيو) 1919. وأبرزت في قرارها الموقف الواضح الذي اتخذت الحركة القومية العربية من الصهيونية. وجاء في القرار:

 

"نحن أعضاء هذا المؤتمر رأينا بصفتنا الممثلين للأمة السورية في جميع أنحاء القطر السوري تمثيلاً صحيحاً.. واستناداً على حقنا الطبيعي والشرعي في الحياة الحرة.. وعلى الوعود والعهود والمبادئ السامية، وعلى ما شاهدناه ونشاهده كل يوم من عزم الأمة الثابت على المطالبة بحقها والوصول إلى ذلك بكل الوسائل.. نعلن بإجماع الرأي وحدة بلادنا السورية بحدودها الطبيعية ومنها فلسطين ورفض مزاعم الصهيونيين في جعل فلسطين وطناً قومياً لليهود أو محل هجرة لهم". (16).

 

وفي تلك الفترة وصلت لجنة كرين الأمريكية إلى الشرق العربي للتحقيق في رغبات الأهالي فاجتماع المؤتمر السوري في 2 تموز (يوليو) 1919 وقرر تقديم مذكرة ضافية إلى اللجنة يعرف فيها عن مواقف الشعب العربي من مختلف القضايا ويجسم مطامحه القومية.

 

وفعلاً قدم 21 عضواً اختارهم المؤتمر هذه المذكرة التي جاء في مطلعها نحن أعضاء المؤتمر السوري "الحائزين على اعتمادات مقاطعاتنا وتفويضاتهم من مسلمين ومسيحيين وموسويين (هكذا يظهر اسم اليهود في وثائق تلك الفترة ـ أ. ت) نطلب الاستقلال السياسي التام الناجز للبلاد السورية التي تحدها شمالاً جبال طوروس وجنوباً رفح فالخط المار من جنوب الجوف إلى جنوب العقبة الشامية والعقبة الحجازية وشرقاً نهر الفرات والخابور والخط الممتد شرقي أبي كمال إلى شرقي الجوف وغرباً البحر المتوسط بدون حماية ولا وصاية".

 

كذلك رفضوا في مذكرتهم بالتحديد مطامع الصهيونية في إقامة دولة يهودية في جزء من جنوب سوريا المعروفة بفلسطين وعارضوا في الهجرة اليهودية إلى أي جزء من البلاد.

 

ثم رفضوا الاعتراف بحق الصهيونيين في البلاد وأعلنوا أنهم يعتبرون مزاعم الصهيونية خطراً جسيماً يهدد حياة الشعب القومية والسياسية والاقتصادية. وأنهوا هذه الفقرة بالقول أن المواطنين الموسويين سيتمتعون بكافة الحقوق ويقومون بكافة الواجبات مثلهم في ذلك مثل سائر المواطنين (17).

 

واعترفت لجنة كرين التي نشرت تقريرها في 1924 فقط ـ بسبب ضغوط الدول الإمبريالية بريطانيا وفرنسا على الولايات المتحدة ـ بأن المؤتمر السوري أعرب عملياً عن أماني الشعب العربي في المنطقة، وأوصت "بصيانة وحدة سوريا تلبية لرغبة الأكثرية العظمى من الشعب السوري"، واعتبرت أن من الإنصاف للعرب الاعتراف بالأمة العربية ورغباتها الوطنية كما أن من مصلحة العالم أن تتألف حكومة عربية على القواعد السياسية الحديثة، وحذرت من تنفيذ البرنامج الصهيوني الذي يعني احتلال فلسطين واقترحت تقليص هذا البرنامج بحيث تتخلى الصهيونية عن فكرة الدولة اليهودية وعندئذ لا يكون هناك سبب يمنع بقاء فلسطين في الدولة السورية الموحدة (18).

 

والشعور بخطر الصهيونية كان من عوامل انقسام الحركة القومية العربية، كما كانت الوقائع التي تفرضها الإمبريالية وأطماع بريطانيا وفرنسا بالتحديد سبباً في انقسام العهد إلى شطرين سوري وعراقي.

 

وصور ساطع الحصري في كتابه "يوم ميسلون" هذه الحقيقة عند وصفه الاتجاهات الإقليمية في الحركة القومية العربية الواحدة فكتب:

"فهذا فلسطيني يعتبر الصهيونية أول ما يجب أن يهتم به من المشاكل، وذاك سوري يرى في أطماع فرنسا أكبر الأخطار التي تهدد القضية العربية وذلك عراقي يقول بوجوب الثورة ضد الإنجليز قبل كل شيء (ص92)".

 

وتبلور هذا التطور حين عقد المندوبون الفلسطينيون في المؤتمر السوري العام مؤتمراً لهم في دمشق في 27 شباط (فبراير) 1920. وقرروا : "أن أهالي سوريا الشمالية الساحلية (لبنان أ.ت) ما خطر لهم في وقت من الأوقات أن يعتبروا سوريا الجنوبية، أي فلسطين قطعياً، غير سوريا وكما أثبتوا ذلك في مقررات مؤتمرهم السوري فهم الآن يثبتون هذا القرار مرة ثانية".

 

كذلك رفضوا الوطن القومي اليهودي واعتبروا الصهيونية خطراً على البلاد، ورفضوا قيام أي حكومة في فلسطين قبل أن تعترف تلك الحكومة بعدم فصل البلاد عن سوريا.

 

وظهرت بداية عملية تطور الحركة القومية الفلسطينية الإقليمية في هذا الوقت حين أعلن المؤتمرون، دفعاً للالتباس ولأن الأوساط الأوروبية تستخدم كلمة فلسطين منفصلة عن سوريا، تأليف "لجنة الدفاع الوطني العربي عن سوريا وفلسطين" تهدف إلى إخراج المحتلين من الساحل (لبنان ـأ.ت) وكانوا فرنسيين، ومن فلسطين وكانوا بريطانيين.

 

وفي تموز (يوليو) 1920 حسم احتلال فرنسا سوريا الشمالية وتصفية إدارة فيصل العربية، وتوطيد التقسيم الإمبريالي بين بريطانيا ـ التي احتلت العراق وفلسطين، وفرنسا التي احتلت لبنان وسوريا ـ حسم كل هذا في وجهة الحركة القومية العربية ودفعها إلى وجهة إقليمية. وهكذا كانت بداية الحركة القومية العربية الفلسطينية.

 

وفي 14 كانون الأول (ديسمبر) 1920 عقد القوميون من فلسطين مؤتمراً وطنياً في حيفا اعتبروه المؤتمر الثالث (المؤتمر السوري العام كان الأول، ومؤتمر المندوبين الفلسطينيين كان الثاني)، وقرروا رفض وعد بلفور ووقف الهجرة اليهودية وإنشاء حكومة وطنية في فلسطين تتحد مع سوريا ولبنان (19).

وبدأ الصراع التحرري واضحاً في فلسطين.

 


الهوامش 

1. أهداف إسرائيلية جديدة لإسرائيل، أريه إلياف، ص7.

2. نقصد ما يعرف الآن بسوريا ولبنان والأردن وفلسطين.

3. العرب والترك في عهد الدستور العثماني 1908ـ1914، توفيق على البرو، ص316.

4.  كانت قادة هذه الجمعية وقت تأسيسها محمد رستم حيدر (لبنان) عوني عبد الهادي (فلسطين) جميل مردم (سوريا) محمد المحمصاني (لبنان) رفيق التميمي (فلسطين) توفيق السويدي (العراق).

5. عالجنا السياسة الإمبريالية في فصل سابق...

6. المصدر ذاته، ص 282ـ 283.

7.  نقل هذه الوثائق الدكتور م. سنيه حين كان يتقرب إلى الحزب الشيوعي في كتابه حول المسألة القومية استنتاجات على ضوء الماركسية ـ اللينينية، ص 92.

8. ذكر هذه المباحثات أمين سعيد في كتابه الثورة العربية الكبرى، الجزء الثالث ص40، كما ذكرها عيسى السفري في كتابه فلسطين بين الانتداب والصهيونية، ص14.

9. حسب عيسى السفري تم وضع المعاهدة في 4/6/1918، كتابه أعلاه، ص15ـ16.

10. سجل ت.أي. لورانس نشاطه في هذه الفترة في كتابه المشهور أعمدة الحكمة السبعة.

11. ص 181 في المجلد الأول والمجلد الثاني ص 25 من المقدمة.

12. المصدر نفسه (تاريخ الصهيونية).

13. نشرها كاملة وايزمن في التجربة والخطأ، ص 245ـ246.

14. فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية، عيسى السفري، ص14.

15. الثورة العربية الكبرى، المجلد الثاني ص 35.

16. عيسى السفري، فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية، ص33.

17. أثبت جورج أنطونيوس في كتابه نهضة العرب بالإنجليزية النص الكامل لهذه المذكرة، ص440ـ 442.

18. المصدر نفسه بين صفحات 43 و458، والقسم عن الموقف من الصهيونية، ص450.

19. الثورة الكبرى، أمين سعيد، الجزء 3 ص 52ـ53.

 


المصدر:

ايميل توما، جذور القضية الفلسطينية (الأعمال الكاملة) المجلد الرابع، حيفا 1995.


This site was last updated 01/21/08