الشعب الفلسطيني في مواجهة الانتداب البريطاني والصهيونية

الكتاب الأبيض والحركة القومية العربية

 

 

 

فسرت لجنة شو ما قصدته بقولها " مخاوف العرب على مصدر معيشتهم "، فكتبت في تقريرها:

 

" أن بيع أراضي سرسق (1) وشراء اليهود الأراضي في مناطق كانت تربتها على غاية من الإنتاجية اعتبر تأكيداً على أن المهاجرين لن يرتضوا باحتلال المناطق المتخلفة، وان الضغط الاقتصادي على السكان العرب سيزداد " . ( المصدر ذاته ص 69).

 

وذكرت اللجنة كذلك أن بيوعاً كبيرة وقعت بين 1921 و 1929 كان من جرائها أن اخرج عدد كبير من العرب من أراضيهم دون أن تعد لهم أراضي أخرى يمكن أن ينتقل إليها الأشخاص الذين يخرجون من الأراضي التي يزرعونها ولذلك تنشأ في البلاد الآن طبقة من الأهالي بلا الأرض ومستاءة.. وهذه الطبقة خطر على البلاد (!) وستبقى قضية الأراضي مصدرا دائماً للاستياء الحالي .

 

(فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية عيسى السفري ص144 )

 

وأوصت لجنة شو بما يأتي :

· أن توضح حكومة بريطانيا سياستها في فلسطين بأقل ما يمكن من التأجيل وتحدد معنى الفقرات التي وردت في نصوص الانتداب بشأن حماية " الطوائف غير اليهودية "

· أن تعيد النظر في أمر تنظيم الهجرة بحيث لا يتكرر تدفق الهجرة الزائدة على البلاد كما حدث في عامي 1925و 1926 وان تتشاور في هذا الشأن مع ممثلي " غير اليهود " .

· التحقيق العلمي الفني تمهيداً لإدخال أساليب زراعية حديثة وانتهاج سياسة زراعية وفقاً لذلك تؤدي إلى زيادة الأراضي الزراعية .

· تأكيد بيان 1922 من أن مكانة المنظمة الصهيونية الخاصة لا تمنحها حق المشاركة أبدا في حكومة فلسطين " تقرير لجنة فلسطين الملكية لعام 1937"ص 71) .

ولكن إذا كان هذا التقرير قد اعترف بمخاوف الجماهير العربية الحقيقية وكشف عن أضرار الاستيطان الصهيوني بانعزاليته القومية، فقد عكس طبيعة السياسة الإمبريالية القائمة على أساس فرق تسد.

 

حتى حاييم وايزمن لاحظ ذلك فكتب أن تقرير لجنة شو لم يقل شيئاً بشأن بيانات الحكومة البريطانية في فلسطين التي وصفت الاضطرابات وكأنها اصطدامات بين العرب واليهود . فهذه البيانات أظهرت أن شعبين يتحاربان في فلسطين وان الإدارة البريطانية تقف حارساً محايداً على النظام والقانون . (التجربة والخطأ ص 332).

 

طبعاً كان غضب وايزمن على هذه الإدارة البريطانية في فلسطين ناجماً عن الرغبة في أن تكف هذه الإدارة عن التظاهر بالحياد وان تنفذ وعد بلفور كما تجسم في نصوص الانتداب.

وجدير بالملاحظة هنا أن حاييم وايزمن الذي ربط مصير الوطن القومي اليهودي بمصير الإمبريالية البريطانية كان ينتقد في هذه الفترة الإدارة البريطانية في فلسطين وكأنها هيئة قائمة بذاتها في عزلة عن مخططات الإمبريالية البريطانية الموضوعة في لندن ، وذلك ليقنن الغضب على الارتباط مع بريطانيا بين بعض العناصر الصهيونية التي انطلاقا من ممكنات الارتباط بقوى رجعية دولية أخرى تأففت من هذه السياسة لوتيرتها البطيئة ولمنعها الصهيونية عن اجتياح فلسطين " .

 

ثم إن هذا التقرير كشف أيضا عن أسلوب الإمبريالية البريطانية التقليدي : أسلوب التهدئة باللجان .

 

وهكذا ما إن انتهت لجنة شو من عملها حتى الفت الحكومة البريطانية  في لندن لجنة جون هوب سمبسون تنفيذاً لتوصية لجنة شو بشأن التحقيق العلمي الفني تمهيدا لإدخال أساليب زراعية حديثة إلى الريف .

 

وأصدر جون هوب سمبسون تقريره في تشرين الأول (أكتوبر) 1930 فجاء تأكيداً على وجود أزمة زراعية في البلاد .

 

فقد أعلن أولا أن الأراضي الزراعية تتألف من 6, 544, 000 دونم لا 16,000,000 كما كان يزعم الصهيونيون أو 10,092,000 دونم كما كان يقدر مفوض الأراضي البريطاني.

واستنتج ثانياً إن الأراضي الزراعية ، حتى لو وزعت بين الاهلين العرب توزيعاً تاماً ، فلا يمكن أن تؤمن للعائلات الريفية حياة مقبولة  .

 

ولذلك فما لم يجر تطوير الأراضي اليهودية ، ويتم تنظيم الري ، ويستخدم العرب أساليب أفضل فلن يكون هناك مكان لمستوطن أخر ، هذا إذا كانت هناك رغبة في الاحتفاظ بمستوى معيشة الفلاحين على المستوى القائم ... ولا مكان للاستيطان على الأراضي الأميرية ما لم يجر تطويرها .

 

وهكذا ربط سمبسون أمرا طالما أبرزته طليعة الحركة الوطنية في فلسطين آنذاك ، وهو إن استملاك الهيئات الصهيونية الأراضي العربية لا يعني – خسارة الملكية فحسب – بل خسارة في ميدان العمل أيضا .

 

فمنظمات استملاك الأراضي الصهيونية نصت في دساتيرها ما جاء في دستور الوكالة اليهودية في المادة الثالثة : تستملك الأراضي كملك لليهود وتسجل باسم صندوق رأس المال القومي اليهودي وتبقى مسجلة باسمه إلى الأبد كما تظل هذه الأملاك ملكاً للأمة اليهودية غير قابل للانتقال . وتنشط الوكالة الاستعمار الزراعي عن طريق العامل اليهودي ، والمبدأ العام الذي يتبع في جميع الأشغال والمشاريع التي تقوم بها الوكالة وتنشطها هو استخدام اليهود .

 

والدعوة إلى قصر العمل على العمال اليهود نصت عليه عقود إيجار – الكيرن كايكايمت- والكيرن هايسود – منظمتا شراء الأراضي العربية وتطويرها – بالاستيطان الصهيوني – وهكذا في حالة الكيرن كاييمت نص العقد على أن المستأجر يتعهد إجراء جميع أشغال الفلاحة باستخدام عمال يهود . وفي حالة الكيرن هايسوت كان على المستأجر أن يتعهد بأن يستأجر عمالاً من اليهود فقط إذا اضطر لذلك .

 

لم ير المبعوث البريطاني سبمسون حقيقة الأزمة الزراعية بتمامها بل رأى جانباً منها . فالأزمة الزراعية في فلسطين نجمت عن الملكية الكبيرة من ناحية وتخلف وسائل الإنتاج من ناحية ثانية وعلاقات أسياد الأرض والمستأجرين من ناحية ثالثة .

أما الجانب الذي كشفه لم يكن سوى عامل تعميق الازمة الزراعية فبيوع الأراضي شرد مزيداً من الفلاحين العرب عن الأرض وخلق ضغوطاً جديدة في الريف .

وهنا تبدو سخافة مزاعم الصهيونية حول دورها في " ضرب الإقطاعية " !! ، و"القيام بالإصلاح زراعي " .

 

فالواقع أن الإقطاعية كانت حليفة الصهيونية لأنها توافقت مصالحها مع مصالح الصهيونيين . فالإقطاعيون أرادوا بيع أراضيهم والتخلص من المزارعين وحقوقهم المعروفة ، والصهيونيون اشتروا هذه الأراضي وشردوا الفلاحين . والإصلاح الزراعي الذي يأخذ شكل مصادرة أراضي الإقطاعيين وتوزيعها على الفلاحين أصبح في ظروف ممارسة الصهيونية تعويضاً على الإقطاعيين الذين نهبوا أراضي الفلاحين أصلا وتجريد الفلاحين من أراضيهم ، وقد لاحظ سمبسون وجود البطالة في الميدان العربي ووصفها بأنها خطيرة وكتب في تقريره انه من الخطأ أن يأتي يهودي من بولونيا أو ليتواينا أو اليمن ليملأ مكانا شاغرا في فلسطين في حين أن هناك عاملاً محلياً يستطيع ان يملؤه . (المصدر ذاته 72).

 

ولكنه في الوقت ذاته تفهم الموقف الصهيوني حيث استطرد أن رأس المالي اليهودي لن يأتي إلى فلسطين من اجل تشغيل العمال العرب ولكنه يأتي بالتحديد لتشغيل العمال اليهود.

 

وباختصار أكد سمبسون مبدأي الصهيونية أو القومية المتعصبة الانعزالية : احتلال الأرض واحتلال العمل ، هذين المبدأين الذين حفرا خنادق التباعد بين العرب واليهود منذ البداية وقد أدرك خطر السياسة الصهيونية الشيوعيون اليهود وحتى في عام 1919 قال احدهم مخاطباً العمال :

 

" ابحثوا عن طريق جديدة مأمونة، جدوا طريق السلام مع جماهير العاملين من الشعب المقيم هنا ... تذكروا انه مع كل مواطن أو صديق صهيوني يأتي إلى هنا كي يخلص المزيد من الأرض ويستغل سكانها إنما يضيف مزيداً من المواد المتفجرة تحت أسس بناتنا ".

 

 

الكتاب الأبيض لعام 1930

 

وفي الفترة الواقعة بين تقرير لجنة شو وتقرير جون هوب سمبسون سافر وفد عربي فلسطيني رابع إلى لندن ليباحث الحكومة البريطانية بشأن مطالب الشعب العربي التي بدأت تتبلور بشعارات ثلاثة: منع البيوع ووقف الهجرة ومنح الدستور.

 

ولكن هذا الوفد الذي ضم العناصر التقليدية في الحركة القومية العربية في فلسطين وجمع بين الجناحين ( الحسيني والنشاشيبي كما درجت الناس على أن تصفهما )، اخفق في مهمته. وفي 13 نيسان ( ابريل ) 1930 أصدرت الحكومة البريطانية بياناً أعلنت فيه أنها أخذت علماً بمطالب الوفد و " أن التغيرات الدستورية الشاملة التي يطلبها لا يمكن قبولها كلها لانها تعرقل عمل الحكومة في القيام بالتزاماتها بمقتضى الانتداب " وأضاف البيان أن الحكومة البريطانية أفهمت الوفد بأن لا سبيل للنظر في أي اقتراح لا يطبق على مقتضيات الانتداب.

( فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية ص 149 ).

 

وفي أعقاب هذا البيان أصدرت الحكومة البريطانية بياناً أخر في 20 أيار ( مايو) 1930 عادت فيه على ماجاء في بيانها السابق بِشأن الالتزامات والعهود المترتبة عليها بموجب صك الانتداب، وذكرت مهمة سمبسون، وتعهدت باتخاذ إجراءات سريعة لحماية مصالح الطبقة الزراعية وأكدت أن لا مسوغ لمخاوف أولئك الذين يقلقون على كيان الشعب العربي في فلسطين... وستنزل الحكومة ( وهذه كانت لازمة عامة في تصريحات ممثلي الإمبريالية البريطانية ) اشد العقاب بالذين يخلون بالنظام !!!

 

وعلى هذا الضوء يمكن رؤية السياسة البريطانية بأشكالها التقليدية: تهدئة اللجان، تأكيد على حماية مصالح الجميع، التمسك بالتعهدات، حتى لو كانت متضاربة، تنمية التناحر المحلي وفقاً لسياسة فرق تسد.

 

وتجسدت هذه السياسة في كتاب ابيض جديد صدر في 24 تشرين أول (أكتوبر ) 1930 قيل أن واضعيه استرشدوا بتقرير لجنة شو واستنتاجات جون هوب سمبسون.

 

وفي هذا الكتاب أكدت الحكومة البريطانية على بعض الملامح السياسية التي بدأت تستخدمها لتوطيد مواقعها فهي لم تعد تكتفي بالقول إنها حكم يفصل بين الشعبين بل أصبحت تضع على الشعبين ضرورة الوصول إلى مفاهيم بينهما في وقت كانت تخلق الظروف لتباعدهما وتناحرهما.

 

وهكذا جاء في الكتاب الأبيض لعام 1930: أن توطيد السلام والرفاهية في البلاد في المستقبل يتوقف على تحسين العلاقات بين العرب واليهود وان الحكومة البريطانية تشعر أن في الامكان الوصول إلى ذلك إن تعاون كلا الفريقين معها ومع ادراتها في فلسطين .

 

لقد كان الكتاب الأبيض رفضاً للمطالب العربية الاستقلالية، وجاء فيه أن المطالب العربية بشأن إيجاد شكل دستوري نيابي تتنافى مع التزامات الحكومة البريطانية ، ولكنه كان أيضا محاولة لإقناع الجماهير العربية برغبة الحكومة البريطانية في " تسوية " القضية الدستورية .. ولهذا أضاف الكتاب الأبيض إلى هذا الرفض وعدى جاء فيه أن الوقت قد حان للسير في مسألة منح فلسطين درجة من الحكم الذاتي لمصلحة جميع السكان إلى امام بدون تأخير.

 

وكثفت الحكومة البريطانية محاولتها كسب عطف الجماهير العربية فأعلنت في الكتاب الأبيض انه لا يوجد، نظرا لطرق الزراعة القائمة، أي أراضي ميسورة لاستيطان المزارعين من المهاجرين " اليهود " الجدد ، وان البيانات تحمل على الاعتقاد بأن درجة البطالة بين الاهلين العرب وصلت حداً خطراً ولذلك يجب تخفيض الهجرة أو وقفها ما دامت هذه الهجرة تسبب حرمان السكان العرب من الحصول على الأشغال الضرورية لمعيشتهم.(المصدر ذاته 160 – 164 ).

 

كان يكفي أن يبدو الكتاب الأبيض اقرب إلى المواقف العربية الرسمية حتى تهب المنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية إلى مقاومته لأنه كما لخص ذلك حاييم وايزمن " يهدف إلى جعل عملنا ( عمل الصهيونيين – أ . ت ) مستحيلاً ".

 

وجدير بالذكر أن الحكومة البريطانية التي أصدرت هذا الكتاب الأبيض كانت حكومة حزب العمال البريطاني الذي كان يؤيد دون تحفظ المشروع الصهيوني ويضم بين جوانبه منظمة عمالية صهيونية. وان كان هذا "التناقض" يدل على شئ من الأشياء فعلى انتماء قادة حزب العمال البريطاني إلى محافل الإمبريالية البريطانية التي رأت في ذلك الوقت أن عليها أن تناور وتبدي شيئا من التحفظ المؤقت على اعتبار أن دفع المشروع الصهيوني في فلسطين إلى امام قد يولد انفجارا بين الجماهير العربية .

 

وتأكدت هذه الحقيقة عند صدور الكتاب الأبيض اللاحق " لعام 1930 " للمقاصد ذاتها في ظروف دولية أخرى عن حكومة حزب المحافظين، حزب الاحتكارات الكبرى .

وأما البرهان على ماهية السياسة البريطانية القائمة على سياسية فرق تسد ، ووضع الوطن القومي اليهودي امام الحركة القومية العربية التحررية وتأييد الوطن القومي اليهودي بحيث يصبح موازياً في توزان القوى في فلسطين لحركة الشعب العربي التحررية في فلسطين .. إن البرهان على كل هذا جاء حين " فسرت " الحكومة البريطانية الكتاب الأبيض في رسالة بعثت بها إلى حاييم وايزمن بتاريخ 13 شباط ( فبراير ) 1931. ووصفها العرب " بالرسالة السوداء ".

لقد صدرت هذه الرسالة تجاوباً مع عاصفة من نقد الكتاب الأبيض أطلقتها المحافل الإمبريالية البريطانية التي كانت ترى في توطيد الوطن القومي اليهودي توطيداً لمواقفها في العالم العربي وكانت ترى في الكتاب الأبيض مناورة انتهى مفعولها ودورها، وروجت موقفها في الصحافة البريطانية ونجحت في خلق جو موافق لصدور تلك الرسالة.

وفي هذه المماحكة الداخلية لعب حاييم وايزمن دوره فاستقال من رئاسة الوكالة اليهودية ليستنفر قوى الصهيونية مع انه لم يتوقف عن العمل لحظة واحدة وكان يتنقل في محافل لندن السياسية متساوقاً مع كبار الإمبرياليين البريطانيين الذين مارسوا ضغوطهم عن طريق نوابهم في البرلمان البريطاني .

إن الكتاب البريطانيين ينفون أن تكون " الرسالة السوداء " قد ألغت الكتاب الأبيض ويصرون، في أكثر الحالات أنها غيرت لهجة الكتاب الأبيض لاغير ( تقرير بشأن فلسطين أعدته الحكومة البريطانية 1945 لجنة التحقيق الانجلو – أمريكية ص 29 ) .

 

ولكن الواقع يختلف تماما عن هذا الزعم فالرسالة فعلاً ألغت مفعول الكتاب الأبيض وخاصة في أهم قضية فيه ، قضية تطوير الحكم الدستوري وتقليص الحكم الإمبريالي المباشر .

 

ثم إن " الرسالة السوداء " أعلنت عن وجود أراضي للاستيطان الصهيوني ، ووافقت على استمرار هجرة العمال اليهود للعمل في منشآت رأس المال اليهودي (المصدر ذاته ص29 ) .

واستنفرت هذه التطورات تشديد عداء الشعب العربي الفلسطيني لمبادئ الانتداب والحكم البريطاني الذي وقف سداً عنيفاُ امام طموح الأهالي امام الاستقلال .

 

 

التحول في الحركة القومية العربية

 

ولم تستنفر هذه التطورات مجرد عداء الشعب العربي الفلسطيني بل استنفرت تمايزاً واضحاً في القوى السياسية العاملة على المسرح السياسي العربي.

 

وكان من الممكن رؤية تيارين بعد 1931: تيار يغلب الطابع الإسلامي على الحركة القومية العربية ويضفي على الصراع لونا دينيا بحيث يصبح الصراع القومي صراعا دينيا . وتيار يتخلص من النظرة الدينية أولا، ويتجاوز النظرة الجانبية التي رأت الصراع صراعاً بين اليهود والعرب ثانيا، وتتضح رؤياه ثالثا فيرى المعركة الجوهرية بين الحركة القومية العربية والإمبريالية البريطانية التي تسخر الصهيونية لمقاصدها.

 

وإذا كان المؤتمر الإسلامي العام الذي عقد في القدس في 7 كانون الأول (ديسمبر) 1931 قد مثل التيار الأول.. فمؤتمر الشباب العربي الفلسطيني الأول الذي عقد في 4 كانون الثاني (يناير) 1932 مثل التيار الثاني.

 

وظهر الفرق في التيارين في بناء كل من المؤتمرين، فالمؤتمر الإسلامي العام جمع ممثلين من أكثر من 20 قطراً كانوا في كثير من الحالات رجال دين أو دنيا لا ينتسبون إلى حركات عامة .. أو يمثلون حركات مغرقة في الرجعية مثل أولئك الذين زعموا أنهم يمثلون روسيا الآسيوية !! في حين تألف مؤتمر الشباب العربي من أبناء فلسطين وصدر عن مفاهيم  قومية عربية .

 

كذلك ظهر طابع المؤتمر من قراراته التي تركزت على "تنمية التعاون بين المسلمين"!!و "حماية المصالح الإسلامية وصيانة المقدسات "! و "إنشاء جامعات تعمل على توحيد الثقافة الإسلامية " وبذلك تجاهل اليقضة القومية العربية في فلسطين أو حاول إخضاعها لفكرة الجامعة الإسلامية الرجعية.

 

وكان من المفارقات فعلاً أن يعقد المؤتمر في وقت نمو الحركة القومية العربية في فلسطين والعالم العربي فلا يتعرض بالتحديد لقضايا النضال الاستقلالي ويكتفي بإعلان المؤتمر استنكاره لأي نوع من أنواع الاستعمار بما فيه الاستعمار الروسي !! في بلاد تركستان .

لقد اهتم المؤتمر " بمقاومة الإلحاد " ودعا إلى صد الغارة على الدين ولم يرفع نداء الجماهير العربية في فلسطين من اجل الاستقلال.

 

ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن تذهب قراراته العملية من مثل: إقامة الجامعة الإسلامية في القدس وإقامة شركة لإنقاذ الأراضي العربية في فلسطين وتأسيس شركة زراعية كبرى يشترك فيها العالم الإسلامي ، أدراج الرياح ولا يبقى اثر للمؤتمر ذاته(1).

 

ولعل العناصر العربية الواعية نسبياً أدركت ضيق أفق هذا المؤتمر أو لعلها اندفعت بدافع اليقظة القومية حين تنادت بعد اشتراكها في المؤتمر الإسلامي لتعقد مؤتمراً لها في القدس قررت فيه الدعوة إلى مؤتمر عربي حقيقي وقررت سيادة العامل القومي العربي في قرار اتخذته وأعلنت فيه " أن البلاد العربية وحدة تامة الأجزاء وكل ما طرأ عليها من أنواع التجزئة فالأمة العربية لا تقره ولا تعترف به ويجب توجيه الجهود في كل قطر من الأقطار العربية إلى وجهة واحدة هي استقلالها التام ومقاومة الاستعمار ".

 

ولم يكن مؤتمر الشباب العربي الفلسطيني هو مظهر التحول الوحيد في وجهة الحركة القومية العربية. فالمناخ السياسي في فلسطين بدأ يتغير في أعقاب 1931 نتيجة عوامل موضوعية وذاتية.

 

أما العوامل الموضوعية لذلك فكانت في ثلاثة ميادين:

 

· في نمو البرجوازية العربية الفلسطينية البطئ جداً واكتشافها أن الطريق مسدود أمامها بفضل الإمبريالية والصهيونية الأقدر على الحركة. وقد حاولت البرجوازية العربية التحرك فأقامت البنك العربي في عام 1930 وبدأت تعد لإقامة بنك زراعي صناعي.

· في استمرار عملية إجلاء الفلاحين العرب عن الأراضي التي باعها الإقطاعيون للهيئات الصهيونية، ففي هذه الفترة تم إجلاء عرب وادي الحوارث وقدرت مساحة الأراضي التي كانوا يعملون فيها بـ 40 ألف دونم مما عكس الأزمة الزراعية وأكد مخاوف الفلاحين من الاستيطان الصهيوني، وظهرت خطورة ذلك من تقرير سمبسون الذي جاء فيه أيضا أن عدد الفلاحين الذين بلا ارض يبلغ 86,980 عائلة ريفية تمثل 29.4% من العائلات العربية التي تعتمد على الزراعة. ( حول الحركة العربية الحديثة الجزء الثالث محمد عزة دروزة ص 94 والملحق ص 292 ).

· في نمو الطبقة العاملة العربية تنظيمياً، ففي عام 1930 عقد مؤتمر العمال العرب الأول وقد بادرت إليه جمعية العمال العرب الفلسطينية التي قامت في حيفا عام 1925 . لقد تماثل هذا المؤتمر مع حركة التحرر القومي العربية وساعدها على تأكيد الطابع المعادي للإمبريالية.

ومن البديهي أن هذه العوامل الموضوعية حركت قوى وطنية أولا، وساعدتها على الرؤيا الصحيحة ثانياً، فبدأت تتنظم ثالثاً ، وبذلك غيرت وجهة الحركة القومية العربية وأضعفت الطابع الديني الذي حاولت بعض القوى إضفاءه على مجموعة من الحركة القومية العربية .

 

وهكذا مكان في وسع أمين سعيد صاحب " الثورة العربية الكبرى " أن يكتب في مطلع وصفه هبة 1933 ما يأتي:

" ورأى مفكرو العرب أن يكون النضال في المرحلة الجديدة موجهاً ضد الإنجليز باعتبارهم المسئولين عن السياسة التي ترمي إلى محوهم وابادتهم وباعتبارهم حماتها و منفذيها ".


الهوامش

1- العائلة الإقطاعية اللبنانية الغائبة التي باعت مرج ابن عامر للكيرن كاييمت ( مؤسسة شراء الاراضي الصهيونية ) .

2-   استعرض عيسى السفري في كتابه هذا المؤتمر، ص 1778.


المصدر:

ايميل توما، جذور القضية الفلسطينية (الأعمال الكاملة) المجلد الرابع، حيفا 1995.

 


This site was last updated 01/21/08