|
مقدمة:
كانت سورية عامة، وفلسطين خاصة، تتألف في العصور القديمة من
جماعات صغيرة من ممالك ـ مدن مستقلة، سواء في عهد العموريين أو
الكنعانيين. ولم تتبدل الأوضاع بعد استيلاء الحثيين والمصريين
على أجزاء كبيرة من هذه البلاد التي كانوا يسيطرون عليها
عسكرياً من مراكز حصينة ويتركون إدارة شؤونها الداخلية لحكام
محليين تابعين لهم.
وقد ظلت هذه البلاد مقسمة إلى دويلات صغيرة في عهد الآراميين
والعبرانيين. وكذلك كان الأمر في عهد الأشوريين والكلدانيين
الذي لم تنقطع فيه الحروب والثورات.
التقسيمات الادارية في عهد الفرس والرومان والبيزنطيين:
1. أيام الفرس (القرن 6ـ5ق.م): تمتعت سورية، وفلسطين ضمنها،
بفترة من السلام والازدهار تحت الحكم الفارسي بفضل الاصلاحات
التي قام بها "داريوس". فقد دمج هذا الملك كل سورية وفلسطين
وقبرص في ولاية واحدة، هي الخامسة بين ولايات المملكة. وقد
أطلق عليها اسم "عبر نهراـ ماوراء النهر" أي البلاد الواقعة
غربي نهر الفرات، وجعل دمشق عاصمة لها وقسمها إلى ألوية أو
"مرزبانات". وقد منح هذه المقاطعات والمناطق قسطاً من الحكم
الذاتي ـ المحلي مع إخضاعها إلى مراقبة مركزية، فكان يحرص على
تعيين حكام من أهل البلاد، ولكنه كان يرفقهم بمستشارين، ويكثر
من إرسال المفتشين الفرس للإشراف على الحالة. ويرجع الفضل إلى
"داريوس" في إنشاء شبكة ممتازة من الطرق لتسهيل الحركة
التجارية، وفي وضع القوانين الحقوقية والأنظمة النقدية
اللازمة.
2. العهد الهلنستي: بعد الاسكندر المقدوني احتدمت الخلافات بين
خلفائه البطالمة والسلوقيين في مصر وسورية وفلسطين فأصبحت هذه
البلاد مسرحاً للحروب باستمرار على أن أهمية هذا العهد ترجع
إلى إنتشار الحضارة الهلنستية خلاله، فقد تأسس عدد كبير من
المدن اليونانية الجديدة، وانقلب كثير من المدن القديمة إلى
مراكز ثقافية يونانية. وكانت كل واحدة من هذه المدن، أو كل
مجموعة متحالفة منها تؤلف دويلة مستقلة، مثل تحالف المدن العشر
(ديكابوليس) أو مدن بيلا، واليوثير وبوليس (بيت جبرين)، وجرش،
وبطلمايس (عكا)، وفيلادلفيا (عمان)، وسكيثوبوليس (بيسان)،
ونيابوليس (نابلس).
وقد اتخذ السلوقيون مدينة أنطاكية عاصمة لسورية وفلسطين. وفي
الوقت نفسه برز الأنباط العرب الذين انتزعوا "سورية المجوفة"
من أيدي السلوقيين حوالي سنة 86 ق.م. وفرضوا حمايتهم على دمشق
مدة من الزمن.
3. في أيام الرومان: استعادت الحضارة الهلنستية في سورية
وفلسطين بعد استيلاء الرومان على البلاد في سنة 64 ق.م. إذ
أصبحت (ولاية إمبراطورية) تابعة للامبراطور نفسه يعهد بإدارتها
إلى نائب عنه برتبة قنصل، وتحت إمرته قوة عسكرية مؤلفة من أربع
فرق، وتساعده هيئة من الموظفين تعني خاصة بجباية الضرائب.
كذلك احتفظت الجماعات المحلية في عهد الرومان بنظام الحكم
الذاتي، فكان هناك آراميون يسيطرون على شؤونهم الداخلية، وكان
هناك أعراب بدو يخضعون لنظام قبلي.
وقد اهتم الرومان بتأمين حدود سورية وفلسطين وحمايتها من هجمات
الفرس وغزوات القبائل البدوية. فأنشأ الامبراطور "تراجان" في
سنة 105م "الولاية العربية" التي تضم البترائ وفلسطين وسورية،
وأقام سلسلة من المراكز الحصينة على طول حدود الصحراء، ورصف
الطرق العسكرية التي تربط مدن دجلة والفرات بمدن البحر المتوسط
مروراً بتدمر، ثم تمتد من دمشق إلى حوران (جلعاد)، ومنها إلى
مآت حتى تتصل بطريق القوافل إلى الجزيرة العربية.
4. في العهد البيزنطي: كانت سورية في العهد البيزنطي تقسم إلى
عدة مقاطعات هي:
(1) ولاية سورية الأولى، ومركزها أنطاكية، وتتبعها مدن سلوقية
وولاية اللاذقية وجبلة.
(2) سورية الثانية، ومركزها أفامية، ومن مدنها ابيفانية (حماة)
واريتوزة (الرستن) ولا ريسة (شيزر).
(3) فينيقية الأولى، ومركزها صور ومن مدنها بطلمايس (عكا)
وصيدا وبيروت وجبيل وطرابلس.
(4) فينيقية الثانية، ومركزها حمص، وتضم مدن دمشق وهليوبوليس
(بعلبك) وتدمر.
(5) فلسطين، وقد قسمت أجزاء ثلاثة:
- فلسطين الأولى ومركزها قيسارية، ومن مدنها أورشليم ونيابوليس
(نابلس) وجوبا (يافا) وغزة، وعسقلان.
- فلسطين الثانية، ومركزها سيكثوبوليس (بيسان)، ومن مدنها
جدرة، وطبرية.
- فلسطين الثالثة، المؤلفة من الولاية العربية ومركزها
البتراء.
وكانت هناك في مناطق الحدود وحدات عسكرية سميت "البنود امئاد
أيبعش أشيج فلؤتو)
التقسيمات الإدارية في العهد الإسلامي:
يرتبط ظهور التقسميات الادارية في هذه المرحلة بعصر الفتوح،
فقد اتسعت رقعة الدولة بعد أن انضمت إليها أقطار وبلدان قيلت
سيادة الدولة العربية الإسلامية نتيجة أعمال عسكرية، أو
بتوقيعها على معاهدات صلح وولاء. وفي عهد الخليفة عمر بن
الخطاب بلغت الفتوحات أوجها، فأوجد عمر ما سمي بالأمصار، وهي
الأقسام الإدارية التي اتسمت بالطابع العسكري، والتي بلغ عددها
وفق ما ذهب إليه معظم المؤرخين سبعة، ولكنهم اختلفوا في
تسميتها، وكانت الشام بين أمصار الدولة السبعة زمن ابن الخطاب،
وفلسطين جزء منها. ويبدو أن استعمال كلمة "مصر" زمن الخليفة
عمر كان مقتصراً على الأماكن السبعة التي اتخذها العرب قواعد
عسكرية يقومون منها بحملاتهم الحربية وفتوحهم، وجعلوها مراكز
لإدارة البلاد والأقاليم التي يفتحونها. وقد غلب الطابع
العسكري على هذه الأمصار طوال القرن الهجري الأول. وكانت
الأمصار، على سعة رقعتها الإدارية، تتبع الخلفاء الذين كانوا
يقيمون في المدينة المنورة أولاً، ثم في دمشق بعد ذلك، وتخضع
لسطانهم التشريعي والإداري.
لما آل أمر الدولة إلى بني أمية كانت الشام من أهم أمصار
الدولة. وكانت الشام في عرفهم المصر الذي يحده بحر الروم من
الغرب، والبادية الممتدة من أيلة إلى الفرات شرقاً، وآخر
حدودها مما يلي مصر فح، ومما يي الروم الثغور، وبهذا التعريف
تكون فلسطين ضمن مصر الشام.
ويرتكز هذا التحديد الجغرافي الإسلامي للشام، وبضمنها فلسطين،
على ما كانت عليه الحال إبان الحكم البيزنطي لسورية قبل الفتح.
وحين آل الأمر إلى المسلمين جعلتهم حاجات الفتح والإدارة
يغيرون في التقسيمات بما يتناسب مع مراحل الفتح أولاً، ثم مع
حاجات الدولة الطارئة بعد ذلك. ففي المصادر مثلاً ما يشير إلى
أن عمر بن الخطاب في مراحل الفتح الأولى وقبل أن تستسلم له
القدس قسم فلسطين إلى نصفين: نصف مع أهل إيلياء، ونصف مع أهل
الرملة، وعين على كل نصف حاكماً بصرف شؤونه الإدارية والعسكرية
والمالية.
وبعد أن مضت عملية الفتح قدماً وجد عمر بن الخطاب أن طبيعة
البلاد والضرورات الإدارية والعسكرية، بالاضافة إلى إنتشار
القبائل وتنظيم توطينها، توجب تقسيم الشام إلى أقسام إدارية
وعسكرية أصغر دعاهاً "الأجناد". وكانت أجناد الشام زمن عمر
أربعة هي: حمص ودمشق والأردن وفلسطين. وقد استقرت في هذه
الأجناد فرق من الجيش الإسلامي لحمايتها.
وفي العصر الأموري انقسمت الشام إلى خمسة أجناد هي: جند دمشق
وجند حمص وجند فلسطين وجند الأردن وجند قنسرين.
أما جند فلسطين فكان على ما يذكر الاصطخري في "المسالك
والممالك" أو أجناد الشام مما يلي المغرب، وبينه وبين جند
الأردن ثلاث مراحل، وكانت قصبته مدينة اللد "ولم تزل على هذا
الشأن إلى أن ولي الوليد بن عبد الملك أخاه سليمان جند فلسطين.
فأحدث مدينة الرملة ومصرها واختط مسجدها.. فصارت القصبة، وخربت
اللد. ومن كور فلسطين إيلياء، وهي بيت المقدس، وكورة اللد،
ونابلس، وعمواس، وسبسطية وبيت جبرين. أما مدن فلسطين الساحلية
فهي قيسارية وهي مدينة الساحل وكانت من أمنع مدن فلسطين، وهي
آخر ما افتتح من مدن البلد، افتتحها معاوية بن أبي سفيان في
خلافة عمر بن الخطاب، ويافا وعسقلان وغزة.
وكان أهل جند فلسطين عموماً أخلاطاً من العرب من لخم وجذام
وعاملة وكندة وقيس وكنانة.
وقد استمرت فلسطين جنداً مستقلاً من أجناد بلاد الشام حتى كانت
خلافة بن العباس الذين لم يغيروا التنظيم الاداري الذي وجدوا
عليه فلسطين قبلهم في العصر الأموي. وكل ما في الأمر أن كلمة
الجند التي كانت تستعمل لتقسيمات الشام الادارية تحولت
بالتدريج إلى كلمة "ولاية". وكانت فلسطين تتبع ولاية الشام في
مطلع الحكم العباسي، ثم ما لبثت بعد عهد أبي العباس السفاح أن
سلخت عنها، وجعلت ولاية مستقلة مركزها الرملة، وتمتد من اللجون
حتى رفح، وتقسم إلى اثنتي عشرة كورة، هي الرملة، وإيلياء ـ
عمواس، ولد، ويبني ، ويافا، وقيسارية، ونابلس، وسبسطية،
وعسقلان غزة، وبيت جبرين. أما ولاية الأردن فمركزها طبرية
وتمتد من صور عكا إلى البقاء حتى أيلة على خليج العقبة، وفيها
ثلاث عشرة كورة هي طبرية والسامرة وبيسان وفحل وجرش وبيت راس
وجدر وآبل وسوسية وصفورية وعكا وقدس وصور.
وقد جرت في بلاد الشام بعامة، وفي فلسطين بخاصة، خلال العصر
العباسي، عمليات نقل سكان أكثر من مرة، وذلك بسبب الثورات التي
كانت تنشب فيها. وفي إحدى هذه العمليات نقلت قبيلة لخم من
موقعها في فلسطين إلى جبل لبنان. كما تكرر هذا الأمر بالنسبة
إلى قبائل أخرى في فترات تالية.
وحين حل الضعف بالدولة العباسية ونجمت فيه بدعة استقلال
الأمراء والولاة بأقاليم الدولة التي كانوا يتولون حكمها، دخلت
بلاد الشام، وبضمنها فلسطين، في هذه الدوامة، وأخذت تتبع
إدارياً الدويلات والامارات التي تقيم نفوذها على أنقاض سلطان
بني العباس.
ففي زمن الدولة الأخشيدية مثلاً عادت فلسطين، بجميع كورها
وقصباتها، وحدة إدارية، إذ تذكر المصادر أنها عقدت لنواب كافور
بخمسمائة ألف دينار، وكذلك جند دمشق.
النظام الإداري في عهد المماليك: كانت منطقة فلسطين زمن
المماليك هي القسم الجنوبي من بلاد الشام. وقد قسم المماليك
بلاد الشام إلى وحدات إدارية عرفت الواحدة منها باسم "نيابة"،
وكان نصيب فلسطين ثلاث نيابات هي: نيابة صفد، ونيابة غزة،
ونيابة القدس.
(1) نيابة صفد: ظهرت أيام السلطان الملك الظاهر بيبرس
البندقداري (658ـ 676هـ/ 1259ـ1277م)، عقب الانتهاء من تحريرها
من الصليبيين عام 664هـ/ 1266م. وقد امتدت حدودها من منطقة نهر
الليطاني شمالاً إلى منطقة الغور جنوباً، ومن منطقة الملاحة
الفاصلة بين بلاد الشقيف وحولة بانياس شرقاً إلى البحر المتوسط
غرباً.
ضمت هذه النيابة أحد عشر عملاً، هي: برصفد (أي ضواحي مدينة
صفد)، والناصر، وطبرية، وتبنين وهونين، وعثليت، وعكا،
والشاغور، والأقليم، والشقيف، وجنين.
(2) نيابة غزة: ظهرت إبان سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون
الثالثة (709ـ741هـ/ 1309ـ1340م)، وذلك عام 711هـ/ 1311م.
وتأتي في الأهمية والحجم بعد نيابة صفد. أما حدودها فيمكن
تقسيمها إلى قسمين: الأول حدود ثابتة تشمل مدينة غزة وقراها،
وتمتد من قرية يبنى شمالاً إلى خط البريد الواصل بين السكرية
ورفح جنوباً، ومن قرية عجور شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً.
والثاني حدود غير ثابتة، تتجاوز فيها أحياناً حدود القسم الأول
إلى المناطق المجاورة مثل القدس والخليل ونابلس وقاقون واللد
والرملة. وكان هذا المد والجزر في حدود الولاية راجعاً إلى
مقدار قوة نائب السلطنة في نيابة غزة.
(3) نيابة القدس: استحدثت هذه النيابة عام 777هـ / 1375م أيام
السلطان الملك الأشرف أبي المعالي (764ـ778هـ/ 1362ـ1376م)،
وشملت منطقتي القدس والخليل.
ضمت كل نيابة من النيابات الثلاث نائباً للسلطنة تحت إمرته عدد
من الموظفين من الأصناف الثلاثة التي كانت سائدة في التصنيف
الاداري المملوكي، أرباب السيوف، وأرباب الأقلام، والموظفين
الدينيين.
التقسيمات الادارية في العهد العثماني:
لما انتصر العثمانيون على المماليك في مرج دابق (942هـ/ 1516م)
واحتلوا فلسطين، وأزالوا دولتهم من قاعدتها الرئيسة في مصر في
العام التالي، عين السلطان سليم الأول (1512ـ1520م) جان بردي
الغزالي (من القادة المماليك الذين ساعدوا السلطان على احتلال
البلاد) والياً على دمشق، وجعل جميع سورية الجنوبية، وفيها
فلسطين، تحت نفوذه.
أبقى السلطان العثماني التقسيمات الادارية على ما كانت عليه
أيام المماليك، ولم يحدث فيها تغييراً، عدا اتخاذ الوحدة
الادارية العثمانية: السنجق (اللواء) أساساً للتقسيم بدلاً من
الوحدة الادارية المملوكية: النيابة، وعدا رفع شأن بعض المدن
ومن بينها القدس، بتحويلها مراكز إدارية، وتعيين حكام أتراك
عليها من درجة "بكوات".
وبعد حركة التمرد الفاشلة التي قام بها جان بردي الغزالي في
عهد السلطان سليمان القانوني (1520ـ1566م) وضع نظام جديد
لإدارة بلاد الشام هدفه تقوية السلطة العثمانية، وقسمت بلاد
الشام ثلاث باشويات أو إيالات (ولايات) هي: إيالة دمشق، وإيالة
حلب، وإيالة طرابلس. وقد ألحقت بكل إيالة من هذه الايالات
الثلاث وحدات إدارية كثيرة اسمها "سناجق". وقد كانت سناجق
نابلس وغزة والقدس واللجون وصفد الفلسطينية تتبع إيالة دمشق.
ووضعت كل إيالة تحت سلطة "بكلربك" أي زعيم، ووضعت الوحدات
الادارية الملحقة بالايالة تحت سلطة أحد البكوات.
وكانت المنطقة التر مركزها جنين ذات وضع خاص، فقد أقطعها
العثمانيون آل طراباي، وهم من أمراء البدو، وصار يطلق على
المنطقة اسم "إقطاع آل طراباي". لكن السلطات العثمانية عمدت
إلى تصفية هذا الاقطاع وإحلاقه بسنجق اللجون بعد أن ثارت
القلاقل في هذه المنطقة في الربع الأخير من القرن السادس عشر
الميلادي.
ظل التقسيم الاداري لبلاد الشام إلى ثلاث إيالات قائماً حتى
سنة 1071هـ/ 1660م حين أحدثت إيالة صيدا لمراقبة الاقطاعات
المسلحة في جبل لبنان. وتكونت الايالة الجديدة من أجزاء من
إيالتي طرابلس ودمشق، من بينها صفد.
ويعني ما مضى أن فلسطين كلها (ما عرف بفلسطين بعد الحرب
العالمية الأولى) كانت في مطلع القرن الثامن عشر تابعة لإيالة
دمشق (الشام)، وأنها لم تكون وحدة إدارية مستقلة بذاتها، ثم
أصبح بعضها تابعاً لإيالة صيدا (ولاية بيروت فيما بعد) وبعضها
الآخر تابعاً لولاية سورية، إلى جانب لواء القدس الذي غدار
فيما بعد متصرفية القدس. وقد عمد العثمانيون إلى تصفية سنجق
اللجون تركيزاً للسلطة في هذه المنطقة القبلية. وقد نقل مركز
إيالة صيدا عام 1184هـ/ 1777م من صيدا إلى عكا. وظل الأمر على
هذه الحال حتى احتلال إبراهيم باشا بلاد الشام عام 1247هـ/
1831م.
أصبح لواء القدس في الثلث الأول من القرن التاسع عشر تابعاً
لإيالة صيدا، وكان والي صيدا يوجه المتسلمين إلى مدن اللواء،
مثل القدس وغزة ويافا. وقد استقل هؤلاء المتسلمون، رغم ذلك،
بتصريف أمور متسلمياتهم، وكانت لهم سلطات واسعة. ويدل هذا على
ضعف الوحدة الإدارية للواء القدس.
وكان قرار السلطان العثماني إحالة الأجزاء الجنوبية من بلاد
الشام المتاخمة لمصر إلى عهده والي صيدا كي يواجه تهديد محمد
علي والي مصر، ولكن ذلك لم يحل دون سقوط بلاد الشام في قبضة
والي مصر.
ألغى الحكم المصري لبلاد الشام (1831مـ1984م) التقسيمات
الادارية العثمانية السابقة، وأصبحت بلاد الشام في عام
1248هـ/1832م وحدة إدارية واحدة يديرها حاكم عام (حكمدار) مقره
دمشق مرتبط بإبراهيم باشا ابن محمد علي، وعين إبراهيم باشا
متسليمن من أبناء البلاد، في حين ظل هو ممسكاً بزمام السلطتين
المدنية والعسكرية معاً. وقد استثنى من ذلك جبل لبنان فقط
فوضعت إدارته تحت إشراف الأمير بشير الشهابي الثاني.
لم تستمر هذه الوحدة الادارية طويلاً، واضطر الحكم المصري،
بسبب اضطراب الأمن وبتأثير الثورات، إلى إعادة التشكيلات
الادارية العثمانية، وغدت بلاد الشام مؤلفة من ستة إيالات، بعد
أن ظهرت للوجود إيالة يافا التي تبعتها عكا (بعد فصلها عن
إيالة صيدا) والقدس. ولعل اختيار الحكم المصري يافا مركزاً
للإيالة الجديدة بدلاً من القدس يرجع إلى عدم استقرار الأحوال
في المدن الداخلية، وإلى وجود أسطول مصري قوي في شرق البحر
المتوسط.
ولما عاد العثمانيون إلى الحكم في بلاد الشام عام 1256هـ/
1840م أرجعو تقسيماتهم الادارية، وربطوا لواء القدس بإيالة
صيدا. ولم يكن الوضع الإداري في بلاد الشام مستقراً في النصف
الثاني من القرن التاسع عشر، فكثرت التغييرات فيه، لكن لواء
القدس بأقضيته السبعة ظل تابعاً لإيالة صيدا، كذلك لواء عكا
بأقضيته الأحد عشر، ولواء البلقاء (نابلس) الذي استحدث عام
1267هـ/ 1850م وكان يتبعه تسعة أقضية.
أصدرت الدولة العثمانية في عام 1281هـ/ 1864م نظام إدارة
الولايات الجديدة. وقد قسمت البلاد العثمانية بموجبه إلى
ثلاثين ولاية، تتألف كل واحدة منها من ألوية يترأسها متصرفون،
وتتألف الألوية من أقضية يترأسها قائمقامون، وتتألف الأقضية من
نواح يترأسها مدير ونواح.
قسمت بلاد الشام ولايتين هما: ولاية سورية وولاية حلب. وقد ضمت
إيالة صيدا، وفيها ألوية القدس وعكا والبلقاء، إلى ولاية
سورية. ولما أنشئت ولاية بيروت عام 1305هـ/ 1887 فصل لواء عكا
والبلقاء وثلاثة ألوية أخرى عن ولاية سورية لتكوين الولاية
الجديدة.
وكان يقوم على رأس كل لواء من الألوية الثلاثة في فلسطين منصرف
يدير شؤونه، ويشرف على تنفيذ أوامر الدولة، ويتولى أمور
الضابطة (الشرطة)، وله حق تعيين مواعيد اجتماع مجالس النواحي
والأقضية، والتفتيش في جميع أنحاء المتصرفية.
وكان من سياسة الدولة العثمانية فصل بعض الألوية عن الولايات
وتسميتها متصرفيات وربطها بالعاصمة ربطاً مباشراً للوقوف على
أحوالها والاسراع في إنجاز معاملاتها نظراً لأهمية اللواء
الجغرافية، أو لمواجهة التدخل الأجنبي، أو لطبيعة التكوين
الاجتماعي لسكانه. لهذا أولت الدولة العثمانية لواء القدس
اهتماماً خاصاً بعد أن رأت كثرة أعداد الزائرين الأجانب للقدس،
ولمست اهتمام الدول الأجنبية بالمدينة وتدخلهم في شؤونها
وفصلته عن ولاية سورية، وأعلنته متصرفية مستقلة باسم "قدس شريف
متصرف لغي إدارة مستقلة " في عام 1291هـ/1874م.
وقد حافظت متصرفية القدس على وحدتها الادارية حتى نهاية العهد
العثماني، فيما عدا السنوات التي ألحق بها قضاء الناصرة بعد
فصله عن لواء عكا (1325ـ1328هـ/ 1906ـ1909م). وضمت المتصرفية
أقضية القدس ويافا وغزة والخليل. وفي عام 1328هـ/ 1909م أنشيء
قضاء بئر السبع، وكان من قبل جزءاً من قضاء غزة.
وكان متصرف القدس ذا نفوذ في لواء نابلس، على الرغم من انفصال
هذا اللواء إدارياً عن القدس وإلحاقه بوالي صيدا أو بوالي
الشام. حتى أن الحكومة المركزية ألحقت لواء نابلس بمتصرفيه
القدس أكثر من مرة. ويعود ذلك إلى قوة مركز ورتبة متصرف القدس
الذي كان في الغالب من الموظفين الأتراك.
مارس متصرف القدس سلطات الوالي في جميع الأمور، وكان يرفع
الأوراق المتعلقة بقضايا المتصرفية إلى الباب العالي في
استنابول مباشرة، في حين كان متصرفاً لواءي نابلس وعكا تابعين
لولاية سورية ثم لولاية بيروت. وكان متصرفو القدس أيام السلطان
عبد الحميد من الموظفين الكبار في قصر يلدز حتى يمكن للسلطان
الاعتماد عليهم في مواجهة تيار الهجرة الصهيونية المتدفق إلى
فلسطين آنذاك، وفي مواجهة الضغوط الأجنبية المختلفة.
وقد ضمت متصرفية القدس المستقلة في أواخر العهد العثماني أقضية
يافا وغزة والخليل وبير السبع. وفي حين ضم لواء عكا الذي كان
يتبع آنذاك ولاية بيروت أقضية حيفا وصفد والناصرة وطبرية. أما
لواء البلقاء الذي كان مركزه نابلس فقد كان يتبع ولاية بيروت،
وضم أقضية جنين وبني صعب وجماعين والسلط.
النظام الاداري في عهد الإدارة العسكرية البريطانية
(1918ـ1920):
أمت القوات البريطانية، بقيادة الجنرال اللنبي، احتلال فلسطين
ووضعت تحت الادارة العسكرية المباشرة في تشرين الأول 1918.
والقاعدة الدولية التي يجب أن يعمل بها المحتل في إدارة
المناطق المحتلة هي إقامة "الإدارة العسكرية التي تدير شؤون
البلاد، مع المحافظة على أوضاعها قبل الحرب، إلى ان يتم تقرير
مصيرها السياسي". لكن الاحتلال البريطاني لم يسر على هذه
القاعدة، لأنه قد بيت النية لتنفيذ سياسة مرسومة من قبل تهيء
فلسطين بالتدريج كي تصبح وطناً قومياً للصهيونيين، عملاً بما
جاء في وعد بلفور الذي صدر عام 1917. لذلك لم تبق الادارة
العسكرية البريطانية المحتلة التقسيمات الادارية العثمانية، بل
أعادت تقسيم البلاد إلى ثلاثة عشر لواء، على رأس كل لواء حاكم
عسكري بريطاني، وجميعهم مرتبطون بحاكم عسكري في القدس كان
بدوره مرتبطاً بالقيادة العامة للجيش البريطاني في القاهرة. ثم
خفض العدد إلى عشرة عام 1919. وكان يساعد هؤلاء الحكام
العسكريين العشرة 59 ضابطاً معظمهم بريطانيون. وقد تولوا إلى
جانب قضايا الأمن العام مهمات قضائية. ومن الطبيعي أن تستفيد
الادارة العسكرية البريطانية من النظام الإداري العثماني
السابق، وتبقي على معظم الدوائر التي كانت في العهد السابق،
وعلى كثير من الموظفين والمستخدمين. لكنها ذهبت في محاباة
الصهيونية إلى حد كبير، فكان من بين كبار الموظفين، وجميعهم
بريطانيون، تسعة يهود.
النظام الاداري في عهد الانتداب:
تم الانتقال من الادارة العسكرية إلى إدارة مدنية سميت "حكومة
فلسطين" في تموز 1920. وأصبح الصهيون البريطاني هربرت صموئيل
أول مندوب سام بريطاني في فلسطين، وعين الصهيوني نورمان بنتوتش
مستشاراً قضائياً للحكومة، واستبدل بالعسكريين في المناصب
الكبيرة موظفون مدنيون من وزارة المستعمرات البريطانية.
قررت الادارة الجديدة، استباقاً لما سيكون عليه صك الانتداب،
أن تتخذ المبادئ التي كان مقدراً لها أن تعلن فيما بعد. فوضع
هيكل جديد للحكومة، وسنت تشاريع وأنظمة جديدة، وخول المندوب
السامي، بمساعدة مجلس تنفيذي، سلطة إصدار القوانين بعد استشارة
مجلس استشاري كان في ذلك الحين مؤلفاً من عشرة موظفين وعشرة
أعضاء معينين، أربعة منهم مسلمون وثلاثة مسيحيون وثلاثة يهود.
وأعلن المندوب السامي أن تلك الخطوة هي الأولى في سبيل الحكم
الذاتي، وأصدر في السنة الأولى زهاء 38 قانوناً، وفي السنة
الثانية 26 قانوناً و 6 قوانين معدلة، واعترف بثلاث لغات
رسمية، قبل أن تقر ذلك المادة 22 من صك الانتداب.
وبتاريخ 9/2/1922 نشر مشروع الدستور في فلسطين (القانون
الأساسي) الذي وضعته الادارة المدنية، ووافقت عليه الحكومة
البريطانية بعد التشاور مع ممثلي الحركة الصهيونية دون اخذ رأي
اللجنة الاستشارية الاسلامية المسيحية التي ألفت لهذا الغرض.
وتضمن مشروع الدستور إنشاء المجلس التشريعي.
وبتاريخ 24/7/1922 أقر مجلس عصبة الأمم صك الانتداب، مخولاً في
مادته الأولى الدولة المنتدبة السلطة التامة في التشريع
والادارة، مؤكداً في مادته الثانية مسؤولية الدولة المنتدبة عن
وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء
الوطن القومي اليهودي، معترفاً في مادته الرابعة بالوكالة
اليهودية هيئة عمومية لاسداء المشورة إلى الإدارة، وللتعاون في
الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من الأمور التي تؤثر
في إنشاء الوطن القومي اليهودي، وتساعد وتشترك في ترقية البلاد
تحت رقابة الادارة.
يمكن رسم صورة للادارة في فلسطين على النحو التالي:
1. الادارة المركزية: في قمة الهرم الحكومي يشرف المندوب
السامي المدني على تطور الادارة المدنية. وكان واسطة اتصال
المندوب السامي والدوائر المدنية هو السكرتير العام الذي يعتبر
الموظف الاداري الأعلى في الحكومة وتشرف دائرته على أعمال بقية
الدوائر. وباتساع أعمال الحكومة الأخرى وإيجاد دوائر خاصة
اتسعت دائرة السكرتارية اتساعاً كبيراً، وإن ظل يرأسها موظف
واحد. وقد اشتملت هذه الدوائر عام 1937 على مساعد للسكرتير
العام، وتسعة سكرتيرين مساعدين، سبعة بريطانيون وواحد يهودي
وآخر عربي، ورئيس كتبة.
ولما باءت محاولة الحكومة إجراء انتخابات المجلس التشريعي عام
1922 بالفشل أوجدت مجلساً استشارياً كان من المفوض أن يتألف من
أعضاء من غير الموظفين، على أسس انتخاب المجلس التشريعي نفسها.
لكن الحكومة عدلت عن هذه المحاولة بعد انسحاب الأعضاء العرب
العشرة، وخول المندوب السامي عام 1923 حق تعيين مجلس استشاري
يوافق عليه وزير المستعمرات، ويقتصر على أعضاء من الموظفين
فقط، ويتألف من السكرتير العام، والنائب العام (وهو المشاور
القانوني للحكومة)، ومدير المالية (وهو الموكل بمسائل المالية
والحسابات)، وعشرة من رؤساء الدوائر، ومستشار الري، وثلاثة من
حكام الألوية. واستخدم المجلس لأعطاء الموافقة الصورية على
التشاريع أكثر مما استخدم للاستنارة برأيه.
كان في القدس عدد كبير من الدوائر التي تشرف عليها السكرتارية،
ولكنها بعيدة عنها، كدوائر الزراعة والآثار القديمة والمعارف
والجمارك والمكوس والصحة والأراضي والمساحة والغابات وجمعيات
التعاون والمهاجرة والاحصاء والأشغال العامة. وقد وسعت هذه
الدوائر على حساب إدارة الألوية.
وقد أقرت اللجنة الملكية في تقريرها بأن صلة هذه الدوائر
بإدارة الألوية لم تكن متينة، إذ مال رؤساء الدوائر إلى
الاستئثار بالعمل دون الاستنارة برأي حكام الألوية، ولم يكونوا
مثلاً يطلبون من حكام الألوية أو إلى القائمقامين أن يزودوا
تلك الدوائر بالمعلومات عن العدد الذي يمكن قبوله من
المهاجرين، أو عن عدد العمال العاطلين، أو عن التوسع في أعمال
الري.
2. إدارة الألوية: في عام 1920 خفض عدد الألوية العشرة التي
كانت في عهد الادارة العسكرية إلى سبعة، ثم إلى أربعة، ثم صدر
في عام 1922 منشور التشكيلات الادارية (المادة 11 من مرسوم
دستور فلسطين)، فقسمت فلسطين إلى ثلاثة ألوية:
(1) لواء القدس: قاعدته القدس، ويضم أقضية بيت لحم والخليل
والقدس واريحا ورام الله.
(2) اللواء الشمالي: قاعدته حيفا، ويضم أقضية عكا وبيسان وجنين
ونابلس والناصرة وصفد وطبرية وطولكرم.
(3) اللواء الجنوبي: قاعدته يافا، ويضم أقضية بير السبع وغزة
ويافا والرملة.
كان يدير شؤون كل لواء مسؤول بريطاني أطلق عليه اسم "حاكم
اللواء"، يستمد سلطته من المندوب السامي، ويرجع إليه في الأمور
الهامة والخطيرة. وكان مركز اللواء هو أهم أو أكبر مدينة فيه،
وفيها مقر الحاكم ورجال إدارته.
وقد قسم كل لواء إلى عدد من الأقضية يترأس الادارة في كل منها
موظف كبير من أهل البلاد، أطلق عليه اسم "قائمقام"، يمثل
السلطة الرسمية في القضاء، ويرجع في الأمور الهامة إلى حام
اللواء الذي يتبعه.
وفي كل مدينة مجلس بلدي له رئيس ينتخبه سكان المدينة، ويشرف
رئيس البلدية على المرافق والخدمات العامة داخل حدود منطقة
البلدية. اما القرى الكبرى فلها مجالس قورية تدير شؤونها وفي
القرى وأحياء المدن أفراد ذوو مناصب شبه رسمية، وهم "المخاتير"
الذين يكونون همزات الوصل بين الادارة المحلية والأهالي.
وجد في فلسطين عام 1937 ثلاثة حكام للألوية، وإثنا عشر مساعداً
لحكام الألوية كلهم من الموظفين البريطانيين، وسبعة وثلاثون
قائمقاماً.
زيدت ألوية فلسطين إلى ستة ألوية في 1/7/1939. وهي ألوية :
الجليل، وحيفا، ونابلس، والقدس، واللد، وغزة. وقد ظل هذا
التقسيم قائماً حتى نهاية الانتداب عام 1948. |